المغرب .. ما دخل حجاب الوزيرة بمحاولة اغتصاب فتاة الحافلة؟!

انشغل المغرب، بمؤسساته ومكونات مجتمعه بحادث محاولة اغتصاب فتاة في حافلة للنقل العام، وتجرؤ الجناة على تصوير جريمتهم ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي, وتبادل الجميع القاء مسؤولية ما وصل اليه الشباب المغربي على الطرف الآخر، فكل طرف، يجد في الحادث فرصة لتصفية حسابات مع خصومه، خاصة أن الجريمة تترافق مع تقارير عن جرائم بشعة ترتكب يوميا ليس الاغتصاب إلا واحدا منها.

مسؤول في قناة حكومية مغربية انتهزها فرصة للهجوم على وزيرة كونها ترتدي الحجاب! ما أثار انتقادات واسعة ضده واعتُبر تصرفه انتهاكًا للحرية الفردية التي يعتبر هذا المسؤول نفسه من دعاتها.
ورغم أن قناة “ميديا 1 تيفي” التي يتولى فيها عمر الذهبي مسؤولية التحرير، تجاهلت الجريمة المرتكبة بحق الفتاة ولم تعرها أي اهتمام، إلا أنه اختار أن يهاجم بسيمة الحقاوي وزير الأسرة والتضامن، على خلفية محاولة الاغتصاب وقال: «وزيرة غير قادرة على التخلص من حجابها، فكيف ستبدي رأيها في قضية اغتصاب جماعي لفتاة بالبيضاء» وأضاف الذهبي في تدوينة على الفيسبوك: «منذ أمس والجميع ينتظرون تعليقا للوزيرة على حادثة الاغتصاب الجماعي لفتاة، لكن يبدو أنها تعتقد أنها غير معنية بالقضية أو ربما أنها ستحمل المسؤولية للفتاة» وقال: «لا يعقل أن تكون لدينا وزيرة للمرأة ستدفع بتحرر المرأة، وهي غير قادرة حتى على التحرر من حجابها».
وقالت الوزيرة بسيمة الحقاوي، بعد تعرضها لموجة انتقادات بسبب صمتها عن القضية التي هزت الرأي العام: «نتابع تبعات جريمة مؤسفة ومشينة تم اقترافها وتصويرها داخل حافلة للنقل الحضري، التي ارتكبها قاصرون في حق فتاة».

وأضافت الحقاوي: «هاته الجريمة … تدعونا لتقديم الأجوبة العملية بكل مسؤولية وموضوعية عن سؤال كبير، وهو : «كيف يمكن لقاصر أن يمارس العنف وهو في غاية السرور؟ كيف لقاصر أن يرتكب جريمة منتشيا كمن يلاعب شيئا؟».
وعبرت الوزيرة عن أسفها إزاء الحادث: أعبر عن أسفي وانشغالي بهذه الجريمة الشنعاء الغريبة عن مجتمعنا، وأشيد بسلطات الأمن التي توصلت لمرتكبي الجريمة في وقت قياسي». وأكدت عزمها علی مواصلة الجهود من أجل تنزيل السياسات العمومية سواء المتعلقة بحماية الأطفال، أو بالنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة أو المتعلقة بالتمكين للمرأة، باستحضار الحاجة الملحة لمزيد من الإجراءات الحمائية لكل هاته الفئات وتوفير بنيات التكفل للموجودين منهم في وضعية هشاشة».

وقالت: «ونحن نتابع مجری العدالة، أؤكد أنني سأواصل العمل من داخل المؤسسات من أجل التسريع بخروج قانون محاربة العنف ضد النساء الذي صادق عليه مجلس النواب وينتظر المصادقة عليه قريبا في مجلس المستشارين». ووجدت الوزيرة المغربية الكثير من الأصوات تدافع عنها أمام هجوم المسؤول التلفزيوني، ولم تقتصر هذه الاصوات على قيادات من حزبها بل شملت يساريين وأيضا ممن يضعون أنفسهم بالصف الحداثي ويناهضون التيارات الإسلامية.
وقال القيادي في حزب العدالة والتنمية؛ الحزب الرئيسي بالحكومة؛ وزير التشغيل محمد يتيم ردا على الذهبي: «تعريضك بحجاب السيدة الوزيرة هو اعتداء على حريتها، هو اعتداء من جنس اعتداء شباب الحافلة نفسه على الفتاة التي تظهر في الفيديو» وأضاف: «هو تعريض وإهانة للنساء المغربيات كلهن اللواتي اخترن ارتداء الحجاب».

وقال عبد العلي حامي الدين، عضو الأمانة للحزب مخاطبا الذهبي: «عليك أن تمتلك الوقاحة الكافية للتهجم على الحجاب من دون أن تعير أدنى اهتمام أنك بصدد التهجم على قيمة أساسية من قيم المجتمع».

متابعا: مع مثل هؤلاء المسؤولين لا تتعبوا أنفسكم في التساؤل عن السر وراء رداءة الإعلام الذي يعبرون عنه.
وانضمت مديرة الاخبار بالقناة الثانية سميرة سيطايل، التي يعتبرها حزب العدالة والتنمية خصما له، إلى منتقدي الذهبي واعتبرت أن حجاب بسيمة حقاوي شأن خاص بها كما من حقها هي ألا ترتديه.

وتهكم اليساري حسن طارق على ما كتبه الذهبي: كدت أتضامن مع وزيرة حول حقها المطلق في إرتداء الحجاب من عدمه، وذلك في مواجهة تهجم مدير في قناة ميدي 1، لكن السياق الدولي تدخل ومنعني… الذل.

الإعلام التافه وراء الحادثة

وفي هذا السياق أعلن المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن ما يشهده المغرب حاليا (اغتصاب للأطفال والفتيات وتهجم واعتداء بالأسلحة البيضاء)، ينذر بانهيار منظومة القيم الإنسانية في نفوس الشباب، على نحو يوشك أن يصيب المجتمع بعطب قيمي وإنساني رهيب، حيث بات أغلبهم ممزق الهُوية ومنحلا عن القيم الإنسانية والأخلاقية، فضلا عن الدينية».
وأضاف المركز إن «هذا الانحلال كان نتيجة انكفاء الأسر المغربية عن مستلزمات تربية الأبناء، بسبب انشغالهم المرير بالبحث عن لقمة العيش، فضلا عن السقوط في نزاعات تفضي إلى التفكك الأسري، بالنسبة لفئات عريضة مهمشة أو معدمة واضمحلال الدور التربوي والأخلاقي للمدرسة العمومية، في وقت باتت تشكل فيه محورا أساسيا في تكوين شخصية المواطن في الدول الديمقراطية».
وانتقد المركز انتشار وسائل الإصابة بالإدمان، وتهييج غرائز اليافعين، عبر شبكات التواصل الافتراضي، والتباهي بالممارسات اللاأخلاقية، وتمييع العلاقات الإنسانية، داخل الأسرة وخارجها، وضعف الرادع القانوني، في الحد من الاختلالات الاجتماعية الخطيرة، التي ترى طريقها نحو المؤسسات الأمنية والقضائية، بسبب ممارسات فاسدة، وغلبة المال والنفوذ والشطط، بما يفضي بالنهاية إلى الإفلات من العقاب، ما شجع تباعا على غياب الوازع الأخلاقي والضمير الإنساني في نفوس المعتدين.
واعتبر المركز الحقوقي أن الدولة تشجع الإعلام التافه، وتصرف عليه ميزانيات ضخمة من الأموال العمومية، وغايته إفراغ الأجيال الصاعدة من انتمائهم الهُوياتي، من خلال تحريك الغرائز بدل العقول، وتنمية أفاعيل الغش والخداع والخيانة، وثقافة الشوفينية في عقولهم، بدل قيم المبادئ والأمانة وروح الانضباط.

وقال إن الجريمة المرتكبة في حق الفتاة ثابتة وتستلزم إنزال العقوبة بأولئك المجرمين، وأن المغرب قد شهد، ولا يزال، حالات اعتداءات إجرامية بشعة، لم تنل الاهتمام والضغط اللازمين، لفرض تغيير للقوانين ولسلوك المؤسسات في ضبط الوضع، كحالة اغتصاب خديجة في مدينة ابن جرير من لدن وحوش آدمية، وإطلاق سراحهم من قبل القضاء، ما دفعها إلى الانتحار، وحالة الطفلة فاطمة الزهراء من مدينة تيفلت، التي تعرضت للاختطاف والاغتصاب، قبل أن يجهز عليها الجاني ليرديها قتيلة.

التطبيق العادل والصارم للقانون

واستنكر منتدى «الزهراء للمرأة المغربية» المقرب من حزب العدالة والتنمية، الجريمة التي تعرضت لها الفتاة واعتبرها انتهاكا صارخا لحقها الدستوري في التمتع بالسلامة الشخصية التي يكفلها الدستور.
ودعا المنتدى إلى التطبيق العادل والصارم للقانون في حق الأحداث الجانحين المشتبه في ارتكابهم للأفعال المذكورة، مؤكدا أن العناصر التكوينية لجريمة هتك عرض مع استعمال العنف ثابتة وذلك بمقتضى القانون الجنائي، وطالب الجهات المسؤولة القيام بالإجراءات القضائية اللازمة ومتابعة كل من تبث تورطه في هذه النازلة وفقا لمقتضيات القانون.

مؤكدا ضرورة أن تعمل الدولة على توفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي للأطفال جميعهم بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية حتى لا تتكرر مثل هذه الأحداث.

غياب التربية والأخلاق

وقال مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان: إن «الاعتداءات ضد النساء كانت دائما موجودة في الفضاء العمومي، لكن الذي تغير الآن، هو بث هذه الاعتداءات وتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي» .

واضاف: إن توالي الاعتداءات الجنسية ضد النساء في المغرب مرده غياب التربية والأخلاق وليس بسبب غياب القوانين والتشريع.

ازدواجية المجتمع المغربي

وقالت سمية نعمان جسوس, المختصة في علم الاجتماع: إن «واقعة محاولة اغتصاب فتاة داخل حافلة عمومية ليست سوى مشهد يعكس ازدواجية المجتمع المغربي الغارق في «التقليدانية» ويدعي الحداثة المزيفة والمتطرفة»، وأضافت: «حتى ستينيات القرن الماضي، كان ولوج المرأة للفضاء العمومي ممنوعا، وكان يتم تصويرها، فريسة محتملة في الشارع».

واتهمت الرجل المغربي بأنه يميل إلى استعراض قوته الجنسية كلما أتيحت له الفرصة وحتى داخل الفضاء العمومي.

سن قوانين جديدة

واعتبر عبد الصمد الديالمي، أستاذ علم الاجتماع واقعة تصوير فتاة تتعرض للاغتصاب داخل حافلة عمومية حادثا عاديا يقع مثلها داخل المجتمع المغربي كل يوم، داعيا المنظمات النسائية لتكثيف الجهود عبر سن قوانين جديدة تحمي حقوقهن وكرامتهن.

وتعتقد أوساط حقوقية أن الحادث لن يكون الأخير، وذلك راجع لغياب قانون زجري يحد من انتشار الظاهرة.

الاعتداء الجنسي في تقارير حكومية

وأكد تقرير حكومي نشر سنة 2015، ارتفاع نسبة قضايا الاعتداء الجسدي المعروضة على المحاكم المغربية بنحو 8.33 % مقارنة بسنة 2013، وهي حالات ارتكبت من قبل رجال راشدين بلغت نسبتهم نحو 88 %، وحسب وزارة العدل والحريات فإن الاعتداءات الجسدية قد ارتكبت بشكل رئيسي من قبل الرجال بنسبة تبلغ 88 % سنة 2014، في حين 11.4 % فقط من النساء البالغات ارتكبن أفعال عنف جسدي ضد نساء خلال السنة نفسها.

وكشف التقرير الذي أعدته وزارة العدل والحريات سنة 2015 عن أن 12,148 حالة اعتداء جسدي تم عرضها على المحاكم المغربية سنة 2014، وسجلت خمسة مناطق أزيد من 70 % من مجموع قضايا الاعتداءات الجنسية المبلغ عنها والمسجلة بمحاكم الاستئناف, وأن معظم النساء اللواتي تعرضن للاعتداء في المدن الكبرى، تتراوح أعمارهن بين 18 و45 سنة، وجلهن عاطلات، كما تطال الاعتداءات الجسدية نساء العالم القروي، لكنهن يعانين في صمت.
ووفقا لمعطيات نقلها موقع «جون أفريك» استنادا إلى مصادر من مديرية الأمن فإن 55 % من الاعتداءات الجسدية التي تطال النساء تكون في الفضاء العمومي (سنة 2013) وشهدت هذه النسبة انخفاضا خلال سنة 2014 بنسبة 1 %، فيما ارتفعت حالات الاعتداء داخل بيوت الزوجية إلى نسبة 39 % مقارنة مع سنة 2013 التي شهدت نسبة 38 %، فيما بلغت هذه النسبة نحو 4 % في مكان العمل سنة 2014.
وتشير المعطيات المسجلة لدى وزارة العدل والحريات إلى أن أشكال العنف الجنسي، كالتحرش اللفظي والجسدي وجرائم الاغتصاب، شكلت فقط 8.6 % من مجموع قضايا العنف ضد المرأة المسجلة في سنتي 2013 و2014، حيث شكل الاغتصاب 70 %، وقد باتت حالات الاغتصاب تعرف انتشارا واسعا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي وتم تسجيل 1114 حالة اغتصاب سنة 2015، فيما بلغت حالات الاعتداء على الشرف نحو 400 حالة، بينما تم تسجيل 24 حالة تهم الاستغلال الجنسي لأهداف ربحية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …