انقلاب إماراتي في اليمن .. و”السعودي” مشغول بترتيبات الولاية

في الوقت الذي ينشغل فيه البيت الملكي السعودي بأمور ترتيب الولاية ما بين ولي العهد ووزير الداخلية الأمير «محمد بن نايف» وولي ولي العهد ونجل الملك «محمد بن سلمان» وكان من مظاهرها حزمة قرارات اتخذت في الأسبوعين الماضيين ظاهرها تجريد ولي العهد من سلطاته وشبكة نفوذه، تتطور أحداث اليمن بصورة دراماتيكية, وتشكلت صورة انقلاب إماراتي صريح على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وإعلان دون مواربة من أبوظبي عن مخطط لفصل الجنوب اليمني عن شماله.

ينقلب المشهد في اليمن من النقيض للنقيض، بينما الصمت السعودي لافت، والأكثر إثارة مواصلة المملكة سياسة إنكار وجود ازمة,  والعمل في الكواليس على احتواء الخلاف بين أبوظبي و«هادي» .

رئيس الحكومة اليمنية، أحمد عبيد بن دغر، دعا دول التحالف العربي، للخروج عن صمتها تجاه ما يحدث في المناطق المحررة، وخصوصا مظاهر الأزمة في عدن، لافتا إلى أنه باستطاعة التحالف السيطرة عليها.

وقال بن دغر، في مقال بعنوان «قبل فوات الأوان»، نقلت مضمونه قناة «اليمن» الرسمية، إن «بعض مظاهر الأزمة في عدن يستطيع التحالف السيطرة عليها، وعدن وأزمتها اليوم إمّا أن تكون بداية لمعالجة المشكلات، أو بداية لهزيمة سوف تكبر مع الأيام وتكبر معها الروافد التي ضاعفت من عمق أزمة الأمة العربية كلها».

إلى ذلك دعا «مجلس التعاون لدول الخليج العربي»، أول أمس الجمعة، جميع مكونات الشعب اليمني إلى نبذ دعوات الفرقة والانفصال، والالتفاف حول الحكومة الشرعية لبسط سلطة الدولة وسيادتها واستعادة الأمن والاستقرار في كافة مناطق البلاد.

وهذا أول تعليق رسمي من دول الخليج، يعبر عن رفض صريح لتشكيل محافظ عدن المقال «عيدروس الزبيدي»، ما يسمى بـ«مجلس الحكم الانتقالي» لإدارة المحافظات الجنوبية، بمشاركة 26 شخصية.

ويدعم هذا البيان الموقف السعودي الداعم للرئيس عبد ربه منصور هادي, والرافض لانفصال الجنوب اليمني، في مقابل الموقف الإماراتي المحبذ لانفصال الجنوب، والرافض لهادي.

ووفق وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، «جدد مجلس التعاون لدول الخليج العربية مواقفه الثابتة تجاه وحدة وسيادة الجمهورية اليمنية والحفاظ على أمنها واستقرارها»، حسب بيان صادر عن الأمين العام للمجلس؛ عبد اللطيف بن راشد الزياني.

كما أكد المجلس «دعمه لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي للأزمة اليمنية وفقًا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن رقم 2216».

وقال «الزياني» إن دول المجلس «تدعو جميع مكونات الشعب اليمني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ اليمن إلى نبذ دعوات الفرقة والانفصال، والالتفاف حول الشرعية لبسط سلطة الدولة وسيادتها واستعادة الأمن والاستقرار في مناطق اليمن كافة».

ودعا المجلس إلى «إعادة الأمور إلى نصابها حتى يتسنى للشعب اليمني الشقيق استكمال تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل التي عالجت القضايا اليمنية كافة، بما في ذلك القضية الجنوبية», مشددًا على أن جميع التحركات لحل هذه القضية يجب أن تتم من خلال الشرعية والتوافق اليمني الذي مثلته مخرجات الحوار.

بيان مجلس دول التعاون جاء بعدما تناقلت وسائل إعلام يمنية عن قيام السعودية بوضع محافظ عدن المقال «عيدروس الزبيدي»، والوزير المعزول «هاني بن بريك» قيد «الإقامة الجبرية» إثر استدعاؤهما إلى العاصمة الرياض الجمعة.

ونقل موقع  «اليمني اليوم» عن مصادر وصفها بأنها «سياسية رفيعة المستوى» إن قيادة التحالف الذي تتزعمه السعودية، استدعت «الزبيدي» و«بن بريك» إلى الرياض، من أجل المساءلة والتحقيق بعد الأحداث الأخيرة في عدن، ورفضهما لقرارات الرئاسة اليمنية، بالإضافة إلى «الإخلال بالمهام المناطة إليهما»، دون أن توضح المزيد.

وحسب الموقع ذاته، بات «الزبيدي» و«بن بريك» تحت الإقامة الجبرية في الرياض.

وللتفكير بعمق في الأسباب التي دعت الأطراف الرئيسة في التحالف العربي للافتراق وتنفيذ كل طرف أجندة خاصة به في اليمن، لابد من الإجابة عن تساؤلين يطرحان نفسهما بقوة في ظل هذا الصراع الذي خرج من قمقه: ما مصالح كل من الإمارات والسعودية على وجه التحديد في اليمن؟ وماذا يريدا منها؟

المصالح السعودية في اليمن

تنظر السعودية لليمن من زاوية مخاطر الوجود الإيراني على حدودها الجنوبية, لكنها فيما عدا هذا تبدو وكأنها لا تملك تصورا واضحا لما تود أن يكون عليه اليمن، وما إذا كان من مصلحتها التقسيم أم لا؟

وحتى الآن لا يبدو خيار التقسيم مرحبًا به من السعودية، لكن ليس من المستبعد أن تسكت عنه في ظل الحسم الإماراتي، وحاجة الرياض للإمارات كحليف عسكري في اليمن خاصة مع عدم قدرة السعودية على الحسم بصورة منفردة.

كما أن تعقد العلاقات السعودية الإماراتية وتشعب المصالح في ملفات أخرى في مصر وسوريا وليبيا يجعل موقف السعودية من الإمارات في اليمن مرتبطا بالمساومة على ملفات أخرى، منها مثلا حاجة ولي ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» للدعم الإماراتي دوليًا لاعتلاء سدة الحكم. تتحرك السعودية في الملف اليمني، وهي مكبلة بطموح «بن سلمان»، وهو الطموح الذي كان دافعا في الأساس لدخول الحرب باليمن، تحت قيادته، بهدف الانتصار في اليمن، ليظهر الأمير الشاب في مظهر «القائد المظفر»، الجدير باعتلاء العرش.

وبدون دعم الإمارات، التي باتت متغلغلة في اليمن وصاحبة ارتباطات واسعة بالعديد من الأطراف الرئيسية فيه، لن يتمكن «بن سلمان» من تحقيق ذلك الإنجاز.

المصالح الإماراتية في اليمن

الإمارات، تبدو كمن يعرف ما يريد عمله في اليمن, ويمكن تحديد مصالحها في اليمن فيما يلي:

أولا: ضمان بقاء ثابت ومستدام للنفوذ الإماراتي على باب المندب، الممر المائي الاستراتيجي, وهو مخطط عسكري واقتصادي واسع، ولن تساوم عليه أبوظبي، خاصة في ظل التنسيق الواضح مع مصر والضوء الأخضر الأمريكي بزيارة وزير الدفاع ماتيس مؤخرا للمنطقة وهو ما يتطلب العمل على جانبي المضيق؛ في اليمن وفي القرن الإفريقي.

وفيما يخص القرن الإفريقي يمضي المخطط الإماراتي بثبات ممثلا في قواعدها اللوجيستية والعسكرية في إريتريا والصومال، وفي اليمن سيكون على الإمارات ضمان أن أية سلطة مستقبلية في الجنوب ستكون موالية لها، كما أنها ستسعى لتعزيز تواجدها في جزيرتي سوقطرى وميون اليمنيتين، اللتين تتحكمان في مضيف باب المندب.

وفي هذا السياق، تضع الإمارات القرصنة البحرية ضمن التهديدات المحتملة لأمنها، وهو أحد أسباب حرصها على أمن باب المندب، بالإضافة إلى طموح أبوظبي في بناء نفوذ إقليمي، يفوق في حقيقة الأمر قدراتها الجيوسياسية، مستغلة انشغال السعودية، وضعف قدرات مصر حاليا على بناء نفوذ مستقل.

ثانيا: مواجهة النفوذ الإيراني ومنع تحول اليمن لقاعدة خلفية لإيران، كما أن ذلك يتصل بالعامل الأول حيث لن تكون الإمارات مطمئنة لأي نفوذ إيراني على باب المندب.

ثالثا: ضمان عدم وجود دور مستقبلي مؤثر لحزب «التجمع اليمني للإصلاح»، بسبب سوء التقدير الإماراتي لخطورة عودة «جماعة الإخوان» إقليميا لممارسة دور في توجيه السياسة بالمنطقة.

رابعاً: القضاء على تنظيم «القاعدة» في اليمن كونه يمثل تهديدا مباشرة من وجهة النظر الإماراتية.

ومن ثم لا يمثل تقسيم اليمن تهديدا للإمارات، بل ربما يكون خيارها المفضل بالنظر لكونها استطاعت بناء نفوذ عميق في الجنوب، وتمتعت بشراكة كبيرة مع الولايات المتحدة في مسألة مواجهة تنظيم «القاعدة»، عززت من دورها وشرعية تواجدها، وسيكون عليها دعم الانفصال في حال كان بقاء اليمن موحدا يهدد نفوذها في الجنوب أو يضر بمصالحها.

منشأ الخلافات

الخلافات بين الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» والإمارات تبدو قديمة، إلا أن خروجها للعلن بشكل واضح تمثل في واقعتين خلال الأشهر الأخيرة؛ الأولى في الاشتباكات التي جرت في محيط مطار عدن، بتاريخ 12 فبراير الماضي، عندما أقال هادي قائد القوات المكلفة بحماية المطار؛ صالح العميري، أحد رجال الإمارات.

وعلى خلفية رفض العميري القبول بقرار إقالته جرت اشتباكات بين قواته وقوات الحماية الرئاسية التي يقودها ناصر؛ نجل «هادي»، تدخلت على إثرها مقاتلة إماراتية دعما لرجلها.

أما الواقعة الثانية فكانت بتاريخ 27 أبريل الماضي، عندما أقال الرئيس اليمني محافظ عدن عيدروس الزبيدي ووزير الدولة هاني بن بريك، وهما من أهم رجال الإمارات في الجنوب اليمني.

إذ لا تخفى على المتابعين العلاقات الوثيقة بين أبوظبي والزبيدي؛ فالأخير من قيادات «الحراك الجنوبي»، المدعوم إماراتيا، والذي ينادي بانفصال الجنوب اليمني عن شماله.

أما «بن بريك» فكان يقود قوات «الحزام الأمني»، التي تشكلت بتمويل ودعم إماراتي في الجنوب، وهو من القيادات السلفية، التي تنسج الإمارات علاقات معها في مواجهة حزب «التجمع اليمني للإصلاح».

إقالة بن بريك والزبيدي أثارت امتعاض وسخط قادة إماراتيين، ووصلت إلى ذروتها بهجوم حاد شنته أذرع الإعلام والأمن السياسي لـ “عيال زايد ” على «هادي»؛ حيث طالبوا بتغييره، زاعمين أنه رئيس «يفرق ولا يجمع، وأنه سبب أزمة اليمن».

وبعد أيام من إقالة «بن بريك» و«الزبيدي» خرجت مظاهرة في عدن نظمها أنصار «الحراك الجنوبي» للاحتجاج على الخطوة، وصدر عنها ما سُمى بـ«إعلان عدن التاريخي»، القاضي بتفويض «الزبيدي» بتشكيل مجلس سياسي لإدارة المحافظات الجنوبية.

وبالفعل أعلن محافظ عدن المقال، عن تشكيل ما يسمى بالمجلس الانتقالي لإدارة شؤون الجنوب ضم 26 شخصية برئاسته ونائبه «بن بريك».

ومن هنا فإن المشهد يقرر أننا أمام انقلاب إماراتي واضح على «هادي» وصمت سعودي مقلق في آن واحد.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …