باحث فرنسي: الأنظمة العربية الاستبدادية تدعم العنصرية ضد المسلمين بالغرب

قال الأكاديمي والباحث الفرنسي فرانسوا بورغا، خلال حوار له مع “الجزيرة”، إن باريس تبيع الأسلحة لقمع شعوب عربية وتشتري من السيسي والإمارات فهمهما ورؤيتهما ورواياتهما للحركات السياسية.

وأضاف بورغا، أستاذ العلوم السياسية والباحث بالهيئة القومية الفرنسية للبحث العلمي في مدينة آكس أون بروفانس (Aix-En-Provence)، أن تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا أصبحت سمة في الخطاب العام بفرنسا، مشيرا إلى أن هناك عدة عوامل لذلك، وقد يكون العامل الرئيسي، السباق بين الرئيس ماكرون واليمين المتشدد، للتهيئة للانتخابات الرئاسية المتوقعة في مايو/أيار 2022.

وتابع: وكما تعرفون تم انتخاب ماكرون في مايو/أيار 2017 من جمهور وسط يساري، لكن هذه الفئة ابتعدت عنه نتيجة سياساته الليبرالية، كما تبيّن ردة فعله على حراك “السترات الصفراء”. فإذا أراد ماكرون أن يفوز في الانتخابات المقبلة، فعليه أن يستقطب كُلا من اليمين واليمين المتطرف ليفوز على منافسته مارين لوبين، الممثلة لذلك اليمين.

وإن قلنا هذا فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن وجود هذه الكتلة المتنافَس عليها، وهي كتلة مهمة -وجودَها وتضخمَها- دليل على أن المجتمع الفرنسي يعيش أزمة انغلاق ورفض لبقية ثقافات المهاجرين، ما يفسر هذا الانزلاق إلى مقولات عنصرية.

وحول موقف المثقفين الفرنسين من معاداة المسلمين بفرنسا، فيقول: اسمحوا لي هنا أن أقدم نقطة إيجابية، فأنا مقتنع أن أغلبية الأكاديميين الفرنسيين ضد هذا الاتجاه، أقصد اتجاه معاداة أتباع الإسلام، إذ إن المثقفين الذين يؤيدون الإسلاموفوبيا، لا يمثلون سوى أقلية.

الأساتذة والباحثون المتخصصون الذين يشتغلون في حقول العلوم الاجتماعية، يرفضون بأغلبيتهم هذا الميل لليمين المتشدد، وشبه العنصري ضد الإسلام والمسلمين.

إذا اخترنا مثلا شخصية مركزية مثل جيل كيبل -وهو ممثل تيار “المحافظين الجدد” في فرنسا- ورأينا أيضا الذين يتبعون رأيه، فيمكننا ببساطة أن نعرف أنهم أقلية ضئيلة من الوسط الأكاديمي.

غير أن تدخّل وسائل الإعلام، وخطاب الدولة يحجب هذا الواقع، فيحتل هذا الهامش بالوسط الأكاديمي المشهدَ الإعلامي كله، ولديه وسائل إعلام مرئية جد متضخمة مقارنة بحجمه الحقيقي.

وأضاف: خطاب السلطة مثلا، ما عبّر عنه وزير التعليم الحالي جون ميشيل بلونكير، ينتقد بوضوح غالبية الباحثين الذين ينعتهم بـ”الإسلاميين اليساريين”، ويكرر هذا الخطاب ذلك الهامش من الباحثين المرئيين في وسائل الإعلام الرسمية.

وسائل الإعلام الفرنسية الكبرى، ومنها القنوات التلفزية الإخبارية، أيضا تساهم في نشر هذا الخطاب عن طريق عدد من “الخبراء في كل شيء”، من بينهم عدد من “الفلاسفة”، الذين يدّعون في وسائل الإعلام تمثيل حقول لم يسبق لهم أن مارسوها أو تعلموها.

وأشار إلى أنه بعد النقطة الإيجابية لموقف الباحثين، هناك نقطة سلبية وهي أن إستراتيجية الرئيس ماكرون للميل إلى اليمين المتشدد والعنصري، تعتمد على فهم دقيق للجو الشعبي العام في هذا الموضوع، والمتّسم بعدم التسامح مع الاختلاف، وأيضا هناك صعود للقومية الشعبوية، الرافضة لوجود أحد مكونات النسيج الفرنسي، أقصد رفضها للمسلمين الفرنسيين.

ولهذا الرفض عدة جذور، منها الطبقية، إذ ينتمي أغلبية الجيل الجديد من المسلمين إلى الطبقات المتواضعة اقتصاديا واجتماعيا، ولكن في تقديري الجانب الرئيسي لدافع هذا التحول هو جانب تاريخي مرتبط بالماضي الاستعماري لتاريخ فرنسا، فقد كان هؤلاء المسلمون المغاربيون تحت الهيمنة الاستعمارية، خلال أكثر من قرن، لذلك نعد مطالبتهم أو مطالبة أبنائهم بحقوقهم المدنية الأساسية غير مقبول بالمطلق، وبشكل أشد بكثير من رفض قبول الحقوق النقابية في السابق.

وأكد الباحث الفرنسي أن الخطاب العنصري ليس صناعة فرنسية فحسب، بل هو صناعة دولية مشتركة بين الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، وأهدافها السياسية الملموسة هي سحب شرعية معارضيهم حتى الأكثر اعتدالا منهم داخليا وعلى الصعيد الدولي، وجزء من تلك الصناعة كراهية وسوء الفهم الفرنسي والغربي للجيل السياسي الشاب لممثلي ما كان يُعتبر في السابق “عالما ثالثا”.

مثال من الأمثلة الأخيرة، الزيارة التي استضاف فيها ماكرون وزير العدل السعودي السابق (ويصير هنا العدل قمعا) الذي صرح بأنه جاء إلى الرئيس ماكرون لمساعدته وتشجيعه على محاربة “الإسلام السياسي”.

ونضيف أيضا أن لخطاب الإسلاموفوبيا أيضا جذورا بشمال أفريقيا، بفرعها المغاربي مثل الجنرالات الجزائريين ونظام بن علي ونخبته. والممثلين الجدد الملتحقين مؤخرا بهذا التيار، أقصد المشير السيسي في مصر واللواء المتقاعد حفتر في ليبيا.

مشكلة فرنسا الكبرى ليس أنها تبيع الأسلحة للسيسي أو الإمارات، التي يستخدمونها في قمع شعوب المنطقة، بل مشكلتها الكبرى في أنها تشتري منهم فهمهم ورؤيتهم وروايتهم للحِراكات والتحولات السياسية في المنطقة العربية.

 

شاهد أيضاً

نتنياهو أصدر 114 أمرًا عسكريا بتوسيع المستوطنات تعادل ما صدر خلال 22 عاما

كشف تحليل جديد لجمعية “بِمكوم” أن إسرائيل أصدرت منذ أكتوبر 2023 أوامر عسكرية لتوسيع مناطق …