لا أدري لماذا يسارع مشايخ ودعاة ينتسبون لاتجاه دعوي معروف إلى مهاجمة الحراكات الشعبية المطالبة بحقوقها الطبيعية كالحرية والعدالة والكرامة والحياة الكريمة؟ ما الذي يدفع أولئك المشايخ والدعاة للقيام بذلك؟ هل هو تخوفهم كما يقولون ويرددون من وقوع الفتنة والاضطرابات والقلاقل الداخلية؟.
لماذا لا يقودهم منطق الثنائيات المتناقضة – في غالب الأحيان – إلا إلى وضع الشعوب أمام ثنائية الأمن والأمان مع الفقر والذل والمهانة أو الفوضى والاضطرابات والخراب والاقتتال الداخلي؟ وهل انعدمت الخيارات والنماذج التي خرجت عن ذلك المنطق السقيم؟ لماذا لا يرون النموذج الماليزي؟ ولماذا لا يتوقفون مليا أمام التجربة التركية وما حققته من ازدهار اقتصادي، وتحسين الأوضاع المعيشية للشعب التركي؟ لماذا لا يدرسون التجارب النهضوية الناجحة في العالم وينسجون على منوالها، ليصدقهم الناس أنهم دعاة إصلاح ونهضة وتغيير؟.
من الطبيعي أن يولد ذلك الخطاب انطباعا عميقا لدى متلقيه وكأنه يريد أن يقول له: الدول العربية من بين دول العالم كله مكتوب عليها أن تظل رازحة تحت نير الاستبداد، ويخيم عليها ظلام الفساد إلى ما لا نهاية، وحرام على شعوبها المطالبة بحقوقها المهدورة حتى لا تفقد أمنها واستقرارها، وحتى لا تكون مآلات مطالباتها تلك الخراب والدمار والفوضى العارمة وضياع الدول والمجتمعات.
من الملاحظ أن الشعوب حينما تخرج إلى الشوارع مطالبة بحقوقها، أو معبرة عن احتجاجها على السياسات القائمة، لم تنتظر فتوى من أولئك المشايخ ولا غيرهم، وإنما خرجت وقامت وتحركت لأن فطرتها السوية دفعتها إلى ذلك، لأنها أيقنت أن السياسات القائمة تهمشها ولا تقيم لها وزنا، فهي تريد أن تقول لأصحاب الشأن بالفم المليان لم نعد نثق بسياساتكم، وانسدت أبواب الأمل والرجاء في وجوهنا جراء نهجكم الذي يقودنا من فشل إلى فشل، ومن خيبة إلى أخرى أدهى منها.
ما الذي يقحم أولئك المشايخ والدعاة على المشهد من أصله، وقد سمحوا لأنفسهم بالغياب التام عن كل مقدماته وحيثياته المتلاحقة؟ لماذا لا يكون حضورهم إلا حينما تقوم الشعوب وتتحرك، بعد أن يئست منهم ومن الساسة، وفقدت ثقتها في كل ما يقال لها؟ هل يريدون من الشعوب أن تستمع لخطابهم وقد خبرت سلبيتهم القاتلة في السكوت عن كل المظالم والتجاوزات والسياسات الفاشلة التي يتجرع الناس مرارتها كل يوم.
كيف يريدون من الشعوب أن تستمع إليهم وهم لا يستخدمون إلا مفردات التحذير من الفتنة والفوضى والمطالبة بطاعة ولي الأمر، من غير أن يجدوا في قاموسهم كلمة واحدة تعترض على النهج الخاطئ في إدارة مؤسسات الدولة وشؤونها، وتطالب بمحاسبة الفاسدين، وتنتقد سياسات تهميش المواطنين، وترفع صوتها عاليا بالمطالبة بحقوق الناس، ولسان حال الناس جميعهم يقول لأرباب ذلك الخطاب: لماذا تجلدون الناس حينما يطالبون بحقوقهم بألسنة حداد، وتغيبون عن المشهد تماما حينما يستشري الفساد، وتهضم حقوق الناس، وتتغول الحكومات على شعوبها، أين أنتم؟ لماذا لا ترفعون أصواتكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر؟.
أيها المشايخ والدعاة: شعوبنا تستحق الأفضل والأجمل، وهي حينما تطالب بحقوقها المهدورة، وتسعى لاسترداد دورها المفقود في اختيار من يحكمها، وتمارس حقها في محاسبته ومراقبة أدائه، إنما تطالب بحق طبيعي لها، وهي كبقية شعوب الأرض الحية الأخرى، التي ناضلت عقودا طويلة للوصول إلى ما وصلت إليه، ولو بقيت رازحة تحت منظومة الأفكار التي تريدون إشاعتها لما تمكنت من انتزاع حقوقها، وفرض إرادتها على المستبدين والفاسدين.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات