بعد اتفاق باريس .. من يحكم ليبيا ومن هو عرّابها الجديد؟

جولتا منافسة على الساحة الليبية؛ الأولى على من يحكم ليبيا غداً، والثانية  أوروبية, على من يحمل لقب «عرّاب ليبيا» أهي إيطاليا أم فرنسا؟

 

تدخل الرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون في القضية الليبية, وجمعت باريس بين فايز السراج؛ رئيس حكومة الوفاق الوطني, وخليفة حفتر؛ العسكري المتقاعد, المتطلع للزعامة بدعمٍ من قوى الردة العربي.

الرئاسة الفرنسية شددت على أن حفتر ليس الممثل الشرعي للجيش الليبي، لكنه يمارس نفوذا على مساحات من الأرض في الشرق، والتصريح بهذا المعنى يحمل إشارة له إلى ضرورة التجاوب مع مبادرة باريس للخروج من المستنقع بوقف إطلاق النار وإجراء انتخابات مبكرة.

تصريح الرئيس الفرنسي جاء قبل مقابلته حفتر الثلاثاء الماضي، مع رئيس حكومة الوفاق؛ فائز السراج، فيما شددت الرئاسة الفرنسية على أن باريس تعتزم بالتشاور مع كل شركائها، دعم جهود التوصل إلى تسوية سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة تجمع معظم الأطراف الليبية.

«صفعة غير قاتلة» لإيطاليا

مراقبون يصفون حراك الرئيس الفرنسي في الملف الليبي، وكأن شباك الأوروبيين عموماً والإيطاليين خصوصاً قد اهتزت بهدف في إحدى مباريات كرة القدم، لاسيما بعدما تحولت وساطة باريس في جمع الغريمين؛ السراج وحفتر، إلى مادة سجالية في روما على وجه الخصوص.
فإيطاليا؛ هي المستعمر القديم لليبيا, وقد كسبت في السنوات الماضية حيزاً من الملف الليبي نتيجة عوامل عدة، تبدأ من مسألة الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية إلى أوروبا، ومهمة المستشار الأمني الأممي للدعم في ليبيا؛ الجنرال الإيطالي باولو سيرا  الذي نجح في نسج روابط مع المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، والعلاقات الوثيقة التي تربط إيطاليا بمصراتة, حيث لعب ممثلها السياسي رجل الأعمال أحمد معيتق دوراً رئيسياً فيها.

 

لكن هذا التأثير الإيطالي في الغرب الليبي لا يمتد إلى شرقها وجنوبها حيث لفرنسا حضورها وتأثيرها بفعل تماسه المباشر مع مناطق نفوذها التقليدي في إفريقيا.
هي لعبة تنافس إيطالية- فرنسية منذ ثورة 17 فبراير 2011، رغم كثرة اللاعبين على المسرح، ويقول مراقب ليبي إنه لا يزال من المبكر الجزم بأن باريس نجحت حيث أخفقت روما، رغم أن هناك من يعتقد أن الظروف الراهنة تُوفّر للوساطة الفرنسية فرصة أكبر لتسجيل اختراق ما في الأزمة الليبية بما يعبّد الطريق أمام إنجاز التسوية السياسية.
في رأي متابعين ليبيين أن الإيطاليين لم يأخذوا في الاعتبار قوة خليفة حفتر، ولم يخلقوا آليات اتصال به، فيما انطلق الفرنسيون من فَهْمٍ أشمل وأكثر واقعية للوضع الليبي, فكان أن مهّدوا داخلياً لمبادرتهم بحركة اتصالات مع مختلف الأطراف المحليين، في وقتٍ كانت قد أرهقت فيه جميع القوى بما يجعلها تخفّض شروطها وتوقعاتها، كما أعطى تعيين الممثل الخاص للامم المتحدة غسان سلامة دفعاً لباريس التي جاءت رعايتها للقاء السراج- حفتر استكمالاً للقاء أبوظبي بين الطرفين في مايو الماضي، وتأكيدأ على الاتفاق السياسي الذي يعرف بـ “اتفاق الصخيرات” الموقع في ديسمبر 2015.
لقاء باريس يمكن النظر إليه من زاوية أن ماكرون يسعى إلى لعب دور بعد سنوات من إنخراط محدود في ليبيا، لكن اللقاء لم ياتِ بأفكار جديدة، وربما لن تكون له نتائج سريعة, وإن كان ماكرون لم يُنسق مع أحد، فهذا خطأ كبير، ذلك أن ضمان نجاح المبادرة يحتاج إلى جهود إيطاليا التي تتمتع بنفوذ وتأثير أكبر في ليبيا.
وزير الخارجية الإيطالي أنجلينو ألفانو نُقل عنه تعليقه على المبادرة الفرنسية بأنه «يوجد الكثير من الصيغ في ليبيا، والكثير من الوسطاء والكثير من المبادرات، تلك المبادرة لن تكون الأولى وأخشى أنها لن تكون الأخيرة» ما يؤشر إلى الاستياء الإيطالي نتيجة تجاهل فرنسا التنسيق مع روما التي كانت حتى الأمس القريب تعتبر نفسها المنسق الرئيسي للجهود الدبلوماسية الأوروبية والأمريكية في الملف الليبي.

استياءٌ سعى الاتحاد الأوروبي إلى احتوائه من خلال التأكيد على أن الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني ناقشت الأمر مع كل من الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته جان إيف لودريان، في نفي لأنباء تجاهل فرنسا للمجموعة الأوروبية. 
قول ماكرون بوجود «شرعية سياسية تقع في يد السراج وشرعية عسكرية في يد حفتر» ربما يحمل توصيف واقعيًا, أما نجاحهما، فهو مسألة مرهونة بعوامل واعتبارات عدة.

إشارة فايز السراج إلى أن اتفاق باريس مطروح للنقاش والتفاوض مع باقي أطراف العملية السياسية في ليبيا تعني أن هناك لاعبين آخرين، قاصداً بذلك الجماعات الإسلامية ومصراتة.

فمصراتة، الواقعة تحت نفوذ متعدد المستويات سياسيت وعسكريا وأمنيا وخدميا ومعنويا وماليا، من عدة دول مثل تركيا وإيطاليا, هي المفتاح في تسهيل الاتفاق أو عرقلته، دون أن يعني ذلك التقليل من دور الميليشيات داخل طرابلس.
التوقعات في هذا الشأن تذهب إلى أن الموقف الأوروبي سينطلق من نظرة عقلانية تضع في الحسبان النتائج التي حققها حفتر على الأرض بمساعدة الأمريكيين والإمارات ومصر.

والغالب أن إيطاليا لم يعد بمقدورها أن تدير الملف كما كانت تديره سابقاً. فالوساطة الفرنسية شكلت صفعة لها، لم تصل لمستوى الضربة القاتلة، الأمر الذي جعلها تتنبه إلى الوقائع الجديدة التي لم يعد بالامكان التغاضي عنها.

دعم بريطاني أمريكي لفرنسا

أما واشنطن فقد رحّبت متأخراً بمبادرة ماكرون، وإن كان الأخير أوحى أن تحركه يحظى بدعم أمريكي, ولم يبرز موقف بريطاني رسمي واضح وهو غالبًا يكون انعكاساً للموقف الأمريكي، ويرى البعض أن ضوءاً أمريكياً أخضر من شأنه أن يٌسرّع مخرجات اتفاق باريس نحو الدفع لإنهاء الأزمة الليبية، من دون أن يكون بمقدور الجهات المتضررة التأثير السلبي في المشهد، غير أن غياب هكذا ضوء سيفتح شهية تلك الجهات لعرقلة المبادرة والالتزامات التي تعهد بها السراج وحفتر في الإعلان المشترك، الذي حمل عشرة بنود أكدت على الحل السياسي, وممره المصالحة الوطنية، والالتزام بوقف لاطلاق النار وتفادي اللجوء إلى السلاح خارج نطاق مكافحة الإرهاب وتوحيد مؤسسات الدولة، ودمج المسلحين في المؤسسات الأمنية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن، وبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات سيادة تحترم القانون وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة. 

السراج يكتسب قوته من الثقة الأوروبية والدولية به ومن العقلانية التي يتمتع بها رغم افتقاره لشعبية داخلية، وحفتر عسكري له حضور على الأرض أضحى بعد اتفاق باريس داخل المشهد الليبي دون أن يكون شريكاً في الحكم، ولا يُلقى عليه لوم في الملفات الداخلية المتعثرة, بخلاف السراج.

نص اتفاق «المبادرة الفرنسية»

إثر اجتماع في منطقة لاسيل سانت كلود في المنطقة الباريسية بمبادرة من الرئيس إيمانويل ماكرون، وافق رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج وقائد قوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر على بيان من عشر نقاط تمت تلاوته أثناء مؤتمر صحفي الثلاثاء الماضي, وفي ما يلي بنود البيان المشترك:
1 ـ حلّ الأزمة الليبية لن يكون إلا سياسيًا، ويمرّ عبر عملية مصالحة وطنية يشارك فيها جميع الليبيين، بما في ذلك المؤسسات والأمن والدولة العسكرية، المستعدّون للمشاركة بشكل سلمي.
كما تم الالتزام بتأمين عودة النازحين واللاجئين، وإقرار مسار العدالة الانتقالية والتعويض والعفو الوطني، وتطبيق المادة 34 المتعلقة بالترتيبات الأمنية للاتفاق السياسي الليبي (الصخيرات).
2 ـ  نلتزم بوقف إطلاق النار، والامتناع عن استخدام أي قوة مسلحة لا ترتبط بعمليات مكافحة الإرهاب، وفقًا للاتفاق السياسي الليبي وللمعاهدات الدولية، ضمانا لحماية أراضي وسيادة الدولة الليبية، وندين بشدّة كل ما يهدّد استقرار البلاد.
3 ـ  نلتزم ببناء دولة القانون في ليبيا، ذات سيادة، مدنية وديمقراطية، تضمن الفصل بين السلطات، والانتقال السياسي السلمي، واحترام حقوق الإنسان، ولديها مؤسسات وطنية موحدة، (على غرار) البنك المركزي وشركة النفط الوطنية وهيئة الاستثمار الليبية.

وتضمن هذه الدولة أمن المواطنين وسلامة أراضيها وسيادتها، فضلًا عن حسن إدارة الموارد الطبيعية والمالية، بما فيه صالح جميع الليبيين. 
4 ـ مصمّمون، بدعم من العمل النزيه للممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة (غسان سلامة)، على تفعيل الاتفاق السياسي المؤرخ بتاريخ 17 ديسمبر عام 2015 (اتفاق الصخيرات)، وعلى مواصلة الحوار السياسي، استمرارًا للاجتماع المنعقد في أبو ظبي في 3 مايو الماضي.
5 ـ  الالتزام ببذل كافة الجهود الممكنة لمواصلة عمل مبعوث الأمم المتحدة لدى ليبيا، بما يضمن حوارًا سياسيًا شاملًا يشارك فيه مجلس النواب الليبي ومجلس الدولة.
6 ـ التعهد باستكمال النقاشات المنعقدة بقصر «لاسيل سانت كلود» (غرب باريس)، واحترام البيان الصادر (أمس)، لخلق ظروف مواتية من أجل عمل مجلس النواب ومجلس الدولة، واللجنة الوطنية العليا للانتخابات، للتحضير لعقد انتخابات مقبلة.
7 ـ  الالتزام ببذل كافة الجهود المطلوبة لنزع سلاح المقاتلين، وإعادة دمج المسلحين الراغبين في الانضمام إلى القوات النظامية الوطنية، وإعادة دمج الآخرين في الحياة المدنية الاعتيادية.

وسيتألف الجيش الليبي، وفقًا للاتفاق، من القوات العسكرية النظامية للدفاع عن الأراضي الليبية، بموجب ما تنص عليه المادة 33 من الاتفاق السياسي الليبي.
8 ـ  العمل على وضع خارطة طريق من شأنها ضمان أمن الأراضي الليبية وقواتها الدفاعية في مواجهة كافة التهديدات، وعمليات الاتجار بجميع أشكالها. وتعد الخطة جزءًا من إعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية لتنسيق مكافحة الإرهاب، وضمان السيطرة على تدفق المهاجرين من السواحل الليبية، لتأمين وضبط الحدود ومكافحة الشبكات الإجرامية التي تستغل ليبيا وتعمل على زعزعة الاستقرار في منطقة البحر المتوسط.
9 ـ  الالتزام رسميًا بالعمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن، اعتبارًا من اليوم، بالتعاون مع المؤسسات المعنية، وبدعم وإشراف منظمة الأمم المتحدة.
10 ـ  مطالبة مجلس الأمن للأمم المتحدة بدعم المبادئ التوجيهية لهذا البيان، وإجراء المشاورات اللازمة مع مختلف الفاعلين الليبيين.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …