هل رتب وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس تحالفاته وملفاته في الشرق الأوسط بنهاية جولته التي شملت السعودية ومصر واسرائيل وقطر وجيبوتي لمواجهة ما يعتبره مخاطر لزعزعة الاستقرار في سيناء أو في ليبيا تحديدا؟
موقع «ديبكا» الإسرائيلي، كشف اعتزام الولايات المتحدة، توجيه ضربة عسكرية ضد معاقل تنظيم «ولاية سيناء»؛ الفرع المصري لتنظيم «الدولة»، بصواريخ «توماهوك» في خطوة استباقية لما اصطلح على تسميته ” صفقة القرن” بتوطين الفلسطينيين في سيناء.
وزعم موقع «ديبكا»، في تقريره الثلاثاء الماضي، نقلا عن مصادر عسكرية وأخرى متخصصة في مجال مقاومة الإرهاب، أن الأسطول الأمريكي المتواجد في البحر المتوسط، ينوي توجيه ضربة عسكرية للتنظيم, وفي حال تنفيذ تلك الخطوة، ستكون تلك هي المرة الثانية في غضون أسابيع قليلة التي تطلق فيها الولايات المتحدة صواريخ باليستية ضد أهداف في الشرق الأوسط, ولكنها ستكون المرة الأولى لتوجيه ضربات داخل مصر, ولأنه من شبه المؤكد أنها ستكون باتفاق بين واشنطن وسلطات الانقلاب في مصر فإنها تحمل إشارات خطيرة للغاية حول فتح الأجواء والأراضي المصرية لعمليات أجنبية من هذا النوع, على شاكلة ما يحدث في باكستان واليمن تحت زعم مكافحة الإرهاب.
ونقل الموقع عن مصادر لم يسمها، أن نقاشًا أجري في الفترة الأخيرة بين الجانب الأمريكي وبين عبد الفتاح السيسي؛ رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر خلال زيارة الأخير لواشنطن، مطلع الشهر الجاري.
وادعت المصادر، أن السيسي شرح مدى صعوبة التغلب على تنظيم «الدولة»، في منطقة جبل الحلال وسط شبه الجزيرة، والتي تشبه صعوبتها منطقة تورا بورا ، شرقي أفغانستان.
وأضاف الموقع أن السيسي وقادة الجيش المصري يعتقدون أن الطريقة الوحيدة للوصول إلى مخابئ التنظيم، هي صواريخ يمكنها اختراقها، كالتي تستخدمها أمريكا, ومؤخرا استخدمت واشنطن “أم القنابل” في أفغانستان كتجربة لقياس مدى فاعليتها.
ونوه إلى أن الجانبين المصري والأمريكي على قناعة بأنه في حال نجحا في تدمير جزء كبير من شبكة المغارات والكهوف في جبل الحلال، التي يتخذها عناصر الدولة ملاذًا آمنًا، فإنهما سوف يوجهان بذلك ضربة قاصمة للتنظيم في سيناء، لا سيما أنه يتلقى إمدادات وأسلحة من منطقة جبل الحلال.
ولم تعلق السلطات المصرية، على التقرير الإسرائيلي، وهي ترفض عادة توجيه أي جهة أجنبية، ضربات لأراضيها، لكن سبق أن تجاهلت تدخلا إسرائيلا في سيناء، لضرب التنظيم في فبراير الماضي.
وكان ذات الموقع، قال في مارس 2016، إن السيسي وجّه برقية سرية يقترح فيها على الرئيس الأمريكي السابق أوباما، أن يشكل الجيشان المصري والأمريكي، معا جبهة مشتركة ضد تنظيم «الدولة» في سيناء، وأن يقيما مقرا مشتركا للحرب هناك.
وذكر الموقع حينها أن السيسي حذر من أن رفض الولايات المتحدة اقتراحه يعني أن سيناء ستصبح خلال فترة وجيزة بمثابة القاعدة العسكرية المتقدمة لداعش في الشرق الأوسط، مع استناد هذا التنظيم الإرهابي إلى قواعده الموجودة بالفعل في شمال أفريقيا، خاصة ليبيا.
وأوضح الموقع أن السيسي لم يحصل على رد من واشنطن على اقتراحه، ونقل عن مصادر عسكرية قولها إن توجه السيسي، إلى الولايات المتحدة بطلب المساعدة العسكرية تصرفٌ خارج نطاق المألوف، بل وغير مقبول في أوساط جنرالات الجيش المصري.
وذهب الموقع، إلى أن السيسي وصل لاستنتاج مفاده أن الجيش المصري عاجز على الانتصار على التنظيم، أو على الأقل كبح جماحه بعدما بات يشكل في سيناء تهديدا استراتيجيا على كل مصر.
تقسيم ليبيا
على الصعيد الليبي, يلاحظ أن معظم السياسيين الغربيين يواصلون التذكير بأمرين اثنين، كلما تحدثوا عن موقفهم مما يجري في ليبيا، وهما حرص حكوماتهم على احترام وحدتها وسيادتها على كامل أراضيها، واعترافهم بحق شعبها في اختيار من يراه جديرا بحكمه.
يفعلون ذلك رغم أنهم يعرفون أكثر من غيرهم أن تصرفات دولهم وتحركاتها على الأرض تسير دوما في الاتجاه المعاكس، لكن لا يبدو أنهم مستعدون للتخلص بسهولة من تلك العبارات الدبلوماسية الثابتة.
وهم لا يبدون ارتياحا كبيرا للكلام المباشر، وربما ينتابهم بعض الحرج من كلام الرئيس الامريكي ترامب في حملته الانتخابية «إنه لا بديل عن قصف ليبيا للقضاء على تنظيم داعش» وإنه «كان يجب أن نشترط على الثوار أن نأخذ نصف النفط الليبي مقابل مساعدتهم في حربهم ضد نظام القذافي ».
هم يفضلون الحديث عن الشرعية والمشروعية والديمقراطية، ولا يرغبون في صب الزيت على النار بمثل تلك التصريحات المستفزة، ولكن ما العمل وقد فاز ترامب وبدأ منذ شهوره الاولى في الحكم بالتكشير عن أنيابه وتوجيه ضربة جوية محدودة، لكن غير مسبوقة للنظام في سوريا، ثم القيام بعمل استعراضي في افغانستان برميها بأم القنابل الأمريكية، وكيل الوعد والوعيد لكوريا الشمالية؟ ألا يعني ذلك أن لغة التهدئة الدبلوماسية اقتربت من النفاد، وأن ساعة الحقيقة دنت واقتربت أيضا في ليبيا؟
قد لا يكون من باب الصدفة على حد قول الكاتب الصحفي التونسي؛ نزار بولحية بصحيفة “القدس العربي” أن تنشر صحيفة «جارديان» البريطانية في العاشر من الشهر الجاري تقريرا حول لقاء جمع سيباستيان جوركا؛ مساعد الرئيس الامريكي، بمسؤول اوروبي قبل أسابيع من تنصيب ترامب، عرض خلاله الأول خريطة لتقسيم ليبيا إلى ثلاث دول، ليكتفي الثاني الذي لم تذكره بالاسم بالقول إن «التقسيم هو أسوأ حل يمكن تصوره في ليبيا».
توقيت تسريب التقسيم
إن توقيت ذلك التسريب يشير إلى أن الادارة الامريكية الجديدة لن تكتفي بالانتظار، وهي ترى التفاحة الليبية قيد النضج، ويدل أيضا على أنها تعرف كيف تلعب على وتر المطامع الإقليمية والدولية، في بلد يملك أضخم احتياطي للنفط في القارة الأفريقية .
ويشير بولحية إلى ضرورة ملاحظة كيف أن المسؤول الاوروبي لم يرفض التقسيم حلأ للازمة الليبية، ولكنه قال إنه أسوأ الحلول؛ أي أنه لا شيء يمنع الأوروبيين ولا حتى الروس من القبول فكرة تقسيم ليبيا، متى قرر الأمريكان أنها الحل، وساعتها لن يخرج المسؤولون الأوروبيون للحديث عن تمسكهم بوحدة ليبيا وحق شعبها في اختيار حكامه، بل سيقولون إن هناك مصلحة قبل كل شيء، ثم قرارًا أمميًا لحل النزاع الليبي يجب احترامه!
ويذهب بولحية بعيدا في سيناريو التقسيم قائلا : قد يذرفون بعض الدموع ويرددون إنهم قبلوا بذلك الحل عن مضض، وإن غايتهم هي حقن الدماء الليبية ووقف الحرب المستعرة على حدودهم, وإنهم ليسوا سعداء أو مرتاحين لتقسيم ليبيا, ولكن ما باليد حيلة, ووحده إحساسهم بالمسؤولية عن مصير الآف المدنيين الأبرياء والعزل هو ما جعلهم ينصاعون مرغمين للأمر الواقع.
لكن هل الأمور حقا بمثل تلك البساطة والسهولة؟ وهل يمكن أن نرى في القريب دولة بثقل وحجم ليبيا تتناثر وتتشظى في رمشة عين إلى قطع وأجزاء؟
ما هي مصلحة الأمريكان والأوروبيين والروس في وحدة ليبيا أو تفككها؟ وما الذي يهمهم أكثر من الآخر: الشكل والقشرة الخارجية أم الأصل والمحتوى؟
إنهم يعرفون أكثر من غيرهم طبيعة الليبيين، ويدركون ضعف الدولة وهشاشتها، ويعلمون سيطرة العصبية والقبلية والانتشار المفزع للسلاح فيها، وأكثر من ذلك هم يفهمون جيدا أن هناك توازنات اقليمية ستهتز وتنهار في حال ما إذا تغير شيء ما في الجغرافيا.
لماذا اذن يلوحون الآن بورقة التقسيم في هذا الوقت الحرج في ليبيا وفي نطاقها العربي، أي في مصر والسودان وتونس؟ ربما لن يكون الأمر مختلفا عن إسقاط أم القنابل في افغانستان
فخ العالم الحر
فإثارة الرعب واستعراض القوة قد تكفي بنظرهم لتحقيق بعض النتائج المطلوبة، إنهم يريدون الاستمرار في تقاسم الغنيمة الليبية في هدوء وبعيدًا عن الجلبة والأضواء، ويرغبون أيضا بتوجيه رسائل مشفرة لأطراف الداخل الليبي ومن يدعمونهم ويشدون أزرهم في الخارج.
وكل ما يزيد عن ذلك يبقى بنظرهم مجرد تفاصيل وجزئيات لا تستحق اهتمامهم، إنهم يدركون جيدا حساسية العرب للتقسيم، ويعرفون أن طرح مسألة من ذلك النوع، حتى لو كانت بالون اختبار أو قنبلة من القنابل الوهمية، سوف يثير جدلا بيزنطيا حاميا، وربما يزيد في حدة الصراع ويقوي التنافس المحموم على الاستئثار بسلطة وثروة يدركون أن ريعها سيعود لهم بالنهاية.
هل يفعلون ذلك لمجرد الإلهاء والإثارة عما يحصل الآن بالفعل داخل ليبيا وحتى على أطرافها؟ ومن يعلم أصلا ما الذي يجري هناك بالضبط؟ ومن يملك معطيات أو معلومات عن حجم الثروات المنهوبة وعما تفعله القوات العسكرية الغربية داخل التراب الليبي؟
لا أحد من الليبيين باستطاعته أن يعرف شيئًا من ذلك بعدما تحولت ليبيا إلى أرض مشاع ومفتوحة بوجه القوى الخارجية الكبرى.
وأمام تلك الحالة أيهما يصبح الأولى والأهم لهم؟ أن يستعيدوا قرارهم بأيديهم بعدما تخلوا عنه وتركوه للأمريكان والروس والأوروبيين، وحتى لبعض العرب, أم أن يستمروا في حروب “داحس والغبراء”, وفي السباق الدموي الأعمى على اكتساح الأراضي وموانئء النفط ورفع رايات النصر بتحريرها من قبضة أبناء البلد؟
قد يقول قائل: لقد عيل صبر العالم وهو ينتظر ويترقب سنوات حتى يجتمع شمل الإخوة الأعداء ويتوصلوا لاتفاق جامع مانع يفك نهائيا عقدة الحكم والسلطة، ويضع حدا لسفك الدماء.
ولكن كلما ظن الليبيون أن ساعة الفرج اقتربت، وأن الشرق سيلتئم مع الغرب, والغرب سيتصالح مع الشرق، عادت رحى الحرب تدور من جديد أكثر سادية ووحشية من السابق، وكأن الحرب صارت قدرا.
وربما لو عدنا قليلا للوراء لعرفنا أن الفخ الذي وقع فيه الليبيون قبل ست سنوات من الآن، هو أنهم صدقوا أن العالم الحر، الذي قدّم لهم مساعدة ثمينة للتخلص من الديكتاتور قد فعل ذلك فقط لأجل عيون الديمقراطية والحرية، وأنه سيسمح لهم فور سقوطه بتدبر شؤونهم بأنفسهم دون أن يتدخل في خياراتهم أو يؤثر فيها. أما النتيجة فكانت أنهم صاروا غرباء في وطنهم ورهائن بيد فصائل عسكرية تتصارع على السلطة تحت أنظارهم، ولا يملكون القوة والقدرة على الوقوف بوجهها ومنعها من شرهها المفرط للقتل والتخريب.
لقد كانوا يواجهون نظاما عسكريا مستبدا, وصاروا بعده في مواجهة نظم غربية تتدثر بعباءات ليبية لا هم لها سوى الاستيلاء على ثرواتهم وخيراتهم دون أن تنشغل كثيرا إن كان ذلك سيتحقق لها ببقائهم موحدين أو بانقسامهم وانفصالهم إلى ثلاثة كيانات مثلما قالت «جارديان» قبل أيام.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات