تأثيرات النموذج التركي على تحولات الحركات الإسلامية العربية (1)

يمتلك النموذج التركي تأثيرًا خاصًّا على الحركات الإسلامية في العالم العربي لاسيما السُّنِّية منها، حتى إن بعضها قد سعى لتقليده دون مراعاة للفروق ما بين التجربة التركية المتدرجة في التغيير وبين الظروف التي تشهدها المنطقة العربية من ثورات وعدم استقرار الحالة الديمقراطية فيها.

ورغم اختلاف التجربة التركية الحديثة في عهد حزب العدالة والتنمية عن مسار الثورات التي شاركت فيها الحركات الإسلامية في العالم العربي، إلا أنه كان ذا تأثير واضح في قرارات هذه الحركات وخياراتها، ليس فقط على المستوى السياسي باعتباره حزبًا حاكمًا في دولة إقليمية ذات موقف من الثورات ودور في قضايا المنطقة، بل أيضًا على مستوى أطروحات هذه الحركات ومنطلقاتها الفكرية.

تبحث هذه الورقة في تأثير التجربة التركية في عهد العدالة والتنمية على الحركات الإسلامية في دول الثورات العربية، على المستوى المفاهيمي-الفكري، وعلى المستوى التنظيمي-الإجرائي، وتُقيِّم مدى نجاحها في الاستفادة من التجربة التركية، وتسعى لاستشراف مدى تأثير ذلك في مستقبل هذه الحركات تنظيميًّا وفكريًّا، وفق خياراتها المتاحة.

أَسَّست حزبَ العدالة والتنمية في تركيا في أغسطس/آب 2001 مجموعةٌ كبيرةٌ من الكوادر الشابة في حزب الفضيلة؛، آخر أحزاب التيار الإسلامي المسمَّى “ميللي جوروش” أو الرأي الوطني بقيادة نجم الدين أربكان. ولذلك فقد قابلت الحركات الإسلامية في العالم العربي، لاسيما الإخوان المسلمون، الحزب الجديد بكثير من الشك والتوجُّس باعتباره انشقاقًا عن “الحركة الإسلامية”؛ بسبب العلاقة الخاصة التي جمعت أربكان وتياره بها على مدة عشرات السنين(1)، خاصة أن الحزب الوليد أَصَرَّ في خطابه وأدبياته على أنه “خلع قميص” أو عباءة أربكان، بل وصل الأمر أحيانًا حدَّ الاتهام لهذا الحزب بالعمالة للغرب ولدولة الاحتلال(2).

لم تدُمْ فترة الجفاء بين الطرفين طويلًا بفعل التطورات في كلٍّ من تركيا والعالم العربي؛ فنجاحات العدالة والتنمية التي أَهَّلَتْه لتشكيل عدة حكومات متتالية من جهة، وسياساته التي بدأت تحوز الإعجاب، لاسيما فيما يتعلق بقضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية من جهة أخرى(3)، ثم الثورات العربية التي دَعَّمَها الحزب في مواجهة الأنظمة من جهة ثالثة، كلها عوامل بَنَتْ جسور الثقة بين الحركات الإسلامية في العالم العربي وحزب العدالة والتنمية التركي.

لعبت تركيا دورًا مهمًّا في المنطقة منذ 2011، رغم أن موقفها لم يكن واحدًا في كل دول الثورات، كما أضحت ملاذًا لقيادات المعارضات العربية خاصة الإسلامية منها بعد الثورات المضادة، فكانت قادرة على التأثير – سياسيًّا- في خيارات هذه الحركات والتيارات وقراراتها وسياساتها. بيد أن التأثير الأكبر للحزب كان في “النموذج” الذي مَثَّلَه بالنسبة لهذه الحركات كحزب “إسلامي” أو محافظ نجح في حكم بلد كبير مثل تركيا، وكان قادرًا على الجمع بين الخلفية الإسلامية أو المحافظة, والديمقراطية، خصوصًا في ظل إنجازاته الاقتصادية والديمقراطية.

ولئن امتدَّ تأثير القوة الناعمة للحزب إلى مختلف تيارات الطيف الإسلامي في العالم العربي، فإنَّ هذه الورقة ستركز على تأثيره في الحركات الإسلامية “السُّنِّية”، وحركات ما يُسَمَّى بـ”الإسلام السياسي” تحديدًا، باعتبارهم الأكثر تأثرًا بالحزب والأقوى حضورًا في مشهد الثورات(4).

تطور الأطروحات الفكرية

غلب على حركات الإسلام السياسي على مدى عشرات السنين سؤال الهوية الذي انعكس في القضايا ذات الأولوية لديها، مثل: إسلامية الدولة وحاكمية الإسلام وتطبيق الشريعة، وعلى أسماء الأحزاب الإسلامية، مثل: جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر. وقد طوَّرت هذه الحركات بعد تسعينات القرن الماضي تحديدًا خطابها وممارستها السياسية بالتوازي مع تطور أفكارها وممارستها السياسية وفي ظل عدد من المتغيرات الإقليمية والدولية، مثل: نهاية الحرب الباردة (1991)، وحرب الخليج الثانية (1991)، وأحداث سبتمبر (2001)، وغزو العراق (2003)، والعدوان على قطاع غزة (2008- 2009)، فضلًا عن وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا ثم الثورات العربية.

ثمة أسباب كثيرة أسهمت في تأثير العدالة والتنمية التركي على منظومة أفكار الحركات الإسلامية في العالم العربي، أهمها نظرتها له على أنه “حزب إسلامي” رغم تأكيد أدبياته وتصريحات قياداته على أنه حزب ديمقراطي محافظ (5)، فضلًا عن القبول الإقليمي والدولي الذي حظي به في سنوات حكمه الأولى تحديدًا. وهذا هو “النموذج” الذي مَثَّلَه العدالة والتنمية بالنسبة للإسلاميين العرب، أي: جمعه بين الإسلام كمرجعية والديمقراطية كآلية، وهو للمفارقة “النموذج التركي” الذي بَشَّر به الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أول خطاب له للعالم الإسلامي من أنقرة عام 2009.

لقد كان هذا النموذج ركنًا من أركان القوة الناعمة التركية التي أسهمت في إعادة تشكيل المنظومة الفكرية-المفاهيمية للحركات الإسلامية العربية، خصوصًا في بلاد الثورات العربية وفي مقدمتها تونس ومصر والمغرب التي كانت تخضع لمراجعات فكرية مستمرة، على مستوى تعريف الذات والهوية، وعلى مستوى بعض الأطروحات الإشكالية في تاريخها، مثل: الديمقراطية والعلمانية، والمواطنة والدولة الحديثة، والعلاقة بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة.

بعد سنوات من القبول بالديمقراطية الإجرائية مع التحفُّظ على خلفيتها الفلسفية، قدَّمت الحركات الإسلامية العربية -لاسيما القريبة من خط الإخوان المسلمين- مقاربة تعتنق الديمقراطية الأداتيَّة كآلية إجرائية مع تثمينها كتجربة إنسانية متطورة وفريدة “لا خلاف أو تعارض بينها وبين الشورى”(6). ورأى الإسلاميون العرب بعد الربيع العربي وتجربة الحكم أن الديمقراطية تُقدِّم للشورى الأدوات لتنقلها “من مستوى المبدأ والقيمة الخُلقيَّة والموعظة الدينية والمقصد الشرعي إلى جهاز حكم”(7).

كما أكدت هذه الحركات تبنِّيها لمفهوم المواطنة بالتساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات باستثناء وحيد يتعلق بتولِّي غير المسلم أو المرأة منصب الرئاسة، مع التعهُّد بقبوله إذا ما أَقَرَّه دستور البلاد(8). وقد استشهد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية بصحيفة المدينة للتدليل على الاعتراف بحقوق المواطنة للجميع، مؤمنين وكافرين، رجالًا ونساء(9).

مع الثورات العربية وانفتاح أفق العمل السياسي، وتأثرًا بالتجربة التركية مع العدالة والتنمية، سادت قناعة لدى حركات الإسلام السياسي في بلاد الثورات بأهمية العمل السياسي تحت سقف الدولة، والابتعاد عن خطاب الأمة العابر للحدود، ونبذ العمل السري والتزام العلنية، وقد أَسَّسَت معظم هذه الحركات أحزابًا سياسية كتمظهر واضح لهذه القناعات. وكان ابتعاد حزب العدالة والتنمية التركي عن الخطاب الديني وانتهاجه خطابًا سياسيًّا يلمس الخصوصية الحضارية أو الثقافية من العوامل التي خفَّفت عنه الضغوط الداخلية والخارجية، وكذلك فعلت التيارات الإسلامية العربية حين قاربت مفردات العولمة والحداثة والديمقراطية بالحديث عن الخصوصية الشرقية والعربية، بعيدًا عن استخدام النصوص الدينية(10).

ذهب حزب النهضة التونسي إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ أعاد توصيف نفسه ليتناغم مع الأوضاع الجديدة في تونس ما بعد الثورة بالانتقال من مربع “الإسلام السياسي” إلى مربع “الإسلاميين الديمقراطيين”، الذي يمكن اعتباره نسخة معدَّلة من وصف “الديمقراطي المحافظ” الذي يصف العدالة والتنمية نفسه به.

أما حزب العدالة والتنمية المغربي فقد عَمَدَ في مؤتمره السابع عام 2012 إلى حسم جدلية الشريعة والقانون بتوسيع مفهوم الأولى لتشمل العقيدة والأحكام والأخلاق فتصبح مسؤولية المجتمع كله وليس الدولة/الحكومة فقط، ثم فصل المجالين بحيث تضع الشريعة المبادئ العامة وبعض الأحكام التفصيلية، فيما يصوغ القانون النصوص من خلال هيئة مخوَّلة.

كما حسم الحزب رؤيته للدولة وعلاقتها بالدين بمناداته بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية يحكمها القانون ذو المرجعية الإسلامية شاملة الفهم، باعتبارها مجالًا لعمل المجتمع بأسره ولا يقتصر على سلطة الدولة أو سلطة القانون، مركِّزًا على قيم الشورى والديمقراطية والمعايير الدولية للحقوق والحريات(11).

…………………….

مراجع

1- لا تنتمي حركة ميللي جوروش التركية إلى الإخوان تنظيميًّا، لكن سادت بينهم علاقة تعاون وتنسيق على مدى عشرات السنين، باعتبارها الأقرب إليهم فكريًّا على الساحة التركية.

2- تمام، حسام، مع الحركات الإسلامية في العالم، (مكتبة مدبولي، القاهرة، 2009)، ط1، ص164.

3- انظر مثلًا: تركيا والقضية الفلسطينية، تقرير معلومات (17)، (مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2010)، ص31- 50.

4- ستستخدم هذه الورقة مصطلح “الإسلام السياسي” دون الدخول في جدلية المصطلح ودلالاته، وبغضِّ النظر عن رأي الباحث فيه.

5- الغنوشي، راشد، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام، (دار المجتهد، تونس، 2015)، ط2، ص263- 265.

6- تمام، حسام، تحولات الإخوان المسلمين – تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم، (مكتبة مدبولي، القاهرة، 2010)، ط2، ص43- 52.

7- الغنوشي، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام، ص61.

8- انظر: “برنامج حزب الإخوان المسلمين”، ويكيبيديا الإخوان، 25 أغسطس/آب 2007

9- الغنوشي، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام، ص57.

10- تمام، تحولات الإخوان المسلمين، ص46 وص44- 45

11- أطروحة المؤتمر السابع، حزب العدالة والتنمية، 31 يوليو/تموز 2012، ص 27 – 28- 29.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …