المسلم بين الإيمان والتفكر

 قال تعالى: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53 فُصلت).

لقد أقام الله الحجة على خلقه من خلال آياته التي هي في الكون, الواسع الأرجاء, المترامي الأطراف, ومن خلال كتبه ورسله؛ فكان على الإنسان أن يلتمس الحق وأن يسلك الطريق إلى الحقيقة وإلى نهجها الذي يؤدي إليها, وهو صدق القصد إلى الخالق. لذلك فالباحث عن الحقيقة بصدق يصل إلى الحق وهذا الذي ميز الخليل إبراهيم عليه السلام؛ صاحب القلب السليم عن غيرة حيث عاش ولم يسجد لصنم قط. عاش يبحث عن الحقيقة ولعلم الله بصفاء قلبه ونقائه، أراه الله ملكوت السموات والأرض (وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين)(75 الأنعام). فاهتدى, وبرغم ذلك استمر في البحث ليزداد الإيمان ويرسخ, والله يعلم صدقه؛ قال تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾ (‏ البقرة‏:260)‏ فما شك الخليل لحظة ولكن ليطمأن قلبه السليم وحبه العميق لينتقل بنفسه من علم اليقين إلي عين اليقين بالرؤية وليزدد إيمانا وصولا إلى حق اليقين، لأن الإيمان يحتاج إلى إيمان: “يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله” (136 النساء), فأراه الله معجزة أحياء الموتى كما نقرأ في سورة البقرة.

محمد يعيش إرث جده .. عليهما السلام

هكذا عاش نبي الله إبراهيم يبحث عن الحق ليأخذ بيد الناس إليه، وهكذا عاش ولده من نسله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، مضى على هذا الإرث؛ إرث جده إبراهيم, فلم يسجد لصنم قط, فكان محمد صلى الله عليه وسلم يُبحرُ في الكون بقلبه وبنظره في غار حراء يبحث عن الحقيقة فأرشده الله إليها بأن جاءه الروح الأمين جبريل عليه السلام وقال له اقرأ. فيقول: ما أنا بقارئ.. اقرأ..اقرأ. فيقول: ما أنا بقارئ. نعم كان أميًا لا يقرأ لكنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم من في الأرض, فكان يقرأ بقلبه وتنازعه فطرته السليمة ويبحث عن الحق. فالقلب معلق بالسماء ومطمئن بشيء ما، سكن ووقر فيه، بأن لهذا الكون خالقا مدبرا. إله واحد معبود. فجاءه الأمر بأن يقرأ بلسانه كما كان يقرأ بقلبه. فنطق لسانه بما استقر في قلبه الطاهر. وهكذا ظل صلى الله عليه وسلم يقرأ بقلبه ويحفر في قلوب الصحابة أمرا عظيما.

السير إلى الله بالقلوب

إن السير الحقيقي إلى الله بالقلوب وليس بالأبدان فحسب, ففي الحديث الصحيح عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم (وأعمالكم) رواه مسلم. وكان قلبه صلى الله عليه وسلم أطهر القلوب على الإطلاق فبعثه الله رحمة للعالمين بخير رسالة, وبخير كتاب اُنزل, ولخير أُمة أُخرجت للناس. ولقد عاش صاحبه أبو بكر الصديق باحثا عن الحقيقة مثل خليله ونبيه محمد  صلى الله عليه وسلم وهكذا كان سلمان الفارسي الملقب بالباحث عن الحقيقة؛ بحث عنها بحق فوصل إليها. وكل من يبحث عن الحقيقة بصدق سيهديه الله إليها.عندئذ يكون صاحب هذا القلب السليم رحمة لنفسه ولمن حوله. لقد أدركها قلب الأعرابي وهو يمشى على رمال الصحراء دون أن يركب الفضاء فنطق بلسان الفطرة عندما سُئل عن دليل وجود الله؟ فقال: البعرة تدل على البعير, والأثر يدل على المسير, فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير؟

هل أدرك أهل العلم المادي الحقيقة؟

فهل وصل أهل العلم المادي بعد أن اخترقوا الفضاء إلى إدراك الحقيقة؟ للأسف لا, لأنهم يتعلمون العلم تحدياً, لذلك سموا إحدى مركبات الفضاء بـ”المتحدي  challenger” فانفجرت في السماء! إن إنسان العصر يشتكي مما يقع له من قتل وتنكيل وفقر ممن سخروا العلم للمادة وفقط لا للروح, لذلك قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة, أولئك قال الله عنهم: “يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون” إن هذا الكون وحدة متكاملة تسير في نسق واحد وهذا يدل على وحدانية الخالق سبحانه، فلو كان للكون آلهة أخرى لأدى ذلك إلى التنازع والاختلاف والتنافر فيما بينهم, ولفسدت السموات والأرض. فكان على البشرية أن تقتبس هذا التناغم وتعيش به لتنعم بخالقها. ورد في الأثر (لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلي ملكوت السموات) ( الحديث مرفوع وفيه ضعف ذكره أبو حامد الغزالي في عجائب القلب), لذلك فالأرض تشتاق إلى المسلم الحق ليحييها من جديد في ظل هذا الموات وينشر فيها العدل والقيم التي عاش بها سلفه من قبل، وربطوا بين العلم والإيمان, وبين القول والعمل, وبين قراءة الشرع وقراءة الكون فلا فصل بينهما أبدا، وبذلك يعالج الخلل ويقوّم المعوج وتسود أمة الإسلام كما كانت, وبها تعود الخيرية في الأرض. فهل تطهر قلوبنا من الغل والحسد والكبر والخصومة والرياء ونتحلى بالعلم والإيمان لنكون أمة واحدة؛ خير أمه أخرجت للناس لتأخذ بيد العالم إلى الهدى والرشاد, وهذا هو الشاهد؛  فمن مات قلبه قبل جسده فقد هلك. لقد وصلت إلينا الحقيقة “الإسلام” غضة طرية دون مشقة ودون جهد, فاللهم طهر قلوبنا من أمراضها الخفية لنعيش للحق بالحق “إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …