تداعيات الأزمة الخليجية على القضية الفلسطينية (1)

لم تكن الأزمة الخليجية التي انفجرت بين ثلاث دول خليجية؛ هي  السعودية، والإمارات العربية، والبحرين, ومعها مصر يوم 5/6/2017 مُنبتَّة الصلة عن أزمات سابقة عرفها مجلس التعاون الخليجي وجرى سحب سفراء فيها، وكان بعضها معلناً، كما في سنة 2002 و2014، وبعضها كان صامتاً يمكن تلمُّسه من خلال فتور العلاقات بين بعض دول مجلس التعاون أو رفض إنشاء مزيد من الإجراءات التكاملية بين دول المجلس، ويتمحور جوهر هذه الأزمات حول أربعة أبعاد رئيسية يَمسُّ كل منها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الموضوع الفلسطيني، وتتمثل في الآتي:

1- حدود العلاقة الخليجية مع إيران، وهذه العلاقة لها بعدان، هما: السياسة الإيرانية تجاه الدول العربية بشكل عام، والسياسة الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية.

2- حدود العلاقة الخليجية مع تنظيمات “الإسلام السياسي”، وخصوصاً جناح الإخوان المسلمين، حيث تنظر دول خليجية محددة (السعودية والإمارات بشكل خاص) إلى أن الإخوان المسلمين يشكلون التنظيم الأكبر حجماً والأكثر خبرة سياسية في العالم العربي، وأن هذا التنظيم يسعى لتولي السلطة في الدول العربية، وقد كان دوره السياسي بارزاً وبأشكال مختلفة في مصر، وتونس، والمغرب، وفلسطين، والأردن، وسورية…إلخ. وهو ما يعني – من وجهة نظر السعودية- احتمال انتقال تأثير هذا التيار للمجتمع الخليجي، خصوصاً السعودي، وهناك جذور تاريخية وبنية مجتمعية خليجية قابلة للإنصات للأدبيات السياسية لهذا التنظيم، وهو ما ينطوي، بناء على هذا الفهم، على احتمال “القفز على السلطة في هذه الدول الخليجية خصوصاً في السعودية”, ومن هنا لا بدّ من وأد هذا التيار. ولما كانت القوى الفلسطينية الأكثر نشاطاً في الصراع مع “إسرائيل” ذات صلة تاريخية بالإخوان المسلمين، فإن ظلال الأزمة الخليجية امتدت لتصيب هذه التنظيمات، وخصوصاً حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

3- حدود سياسة الحريات الإعلامية الخليجية وفي قلبها السياسة التحريرية لقناة الجزيرة, إذ ترى دول الخليج (خصوصاً السعودية والإمارات) أن الجزيرة تمثل منبراً “تحريضياً”، وأنه الأكثر تعبيراً ضمنياً عن توجهات الإخوان المسلمين، ناهيك عن أنه يتجاوز الكثير من السياسات التحريرية الإعلامية التقليدية التي اعتاد عليها الإعلام العربي، وهو ما يشكل “خضاً” للمياه الراكدة في اتجاهات الرأي العام العربي، وبدا أثر ذلك كله خلال الفترة الممتدة من بداية الثورات والتغيرات العربية مع نهاية 2010 إلى الآن، مع الأخذ في الاعتبار أن السياسة التحريرية للجزيرة تجعل من الموضوع الفلسطيني مادة رئيسية لها.

 4- مركزية الدور السعودي في القرار السياسي في مجلس التعاون الخليجي؛ فمنذ أن نشأ المجلس سنة 1981 كرد فعل على قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، كانت السعودية ترى فيه أداة للجم تداعيات الثورة الإيرانية في الخليج، وأن الدور السعودي يجب أن يكون مركزياً، في هذا المجال، بحكم الثقل السعودي في الإقليم الخليجي. وبعد الإعلان عن المبادرة العربية لتسوية القضية الفلسطينية سنة 2002، التي كانت السعودية مهندسها الرئيس، تعزز الإحساس السعودي بمركزية دور المملكة في صياغة التوجهات الاستراتيجية العربية بشكل عام وليس الخليجية فقط، وهو ما اصطدم بنوع من “القلق” بين دول خليجية محددة أبرزها قطر، وعزوف عُماني عن مجاراة النزعة المركزية السعودية، مضافاً إليه قدر من الحرج الكويتي من هذه النزعة. ولما كان الموضوع الفلسطيني يشكل أحد أهم ملامح الاستراتيجيات العربية (بغض النظر عن جدواها) فإن السعودية رأت ضرورة تطويع الموضوع الفلسطيني لصالح توجهات أخرى، وهو ما لم يَرُق لعدد من دول الخليج أو الدول العربية الأخرى.

 

التصور الإسرائيلي للأزمة الخليجية

من الضروري فهم العلاقة الإسرائيلية الخليجية ومن منظور تاريخي ومعاصر لفهم الموقف الإسرائيلي من حصار قطر ومن ملابسات الأزمة الخليجية، وتتمثل هذه العلاقة الخليجية الإسرائيلية في جوانبها العامة في الآتي:

1-   العلاقات الخليجية الإسرائيلية (علاقات السعودية والإمارات العربية مع “إسرائيل”):

يمكن اعتبار سنة 1990 نقطة تحول في الجهود الأمريكية لتقريب دول مجلس التعاون الخليجي من “إسرائيل”. ولعل انتقال الرئيس الأمريكي ترامب في مايو 2017 من السعودية مباشرة لـ”إسرائيل” في رحلته الأخيرة للخليج يمثل جزءاً من علاقات خليجية إسرائيلية “صامتة”. وتتجلى هذه العلاقات في عدد من المؤشرات مثل ظهور شخصيات أكاديمية سعودية ذات صلات سابقة بالأجهزة الأمنية السعودية في “إسرائيل”، وما ذكرته صحيفة هآرتس عن مشاركة الإمارات العربية في مناورات عسكرية مع “إسرائيل” والولايات المتحدة ودول أوروبية في اليونان. وقبل ذلك بعام شاركت الإمارات في مناورات أخرى مشتركة مع “إسرائيل” ودول غربية في نيفادا في الولايات المتحدة، كما أن “إسرائيل” فتحت في نوفمبر 2015 مكتباً ديبلوماسياً في أبو ظبي تحت ظل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وذكرت “بلومبرج بيزنس ويك” في فبراير 2017 أن هذا المكتب يمكن أن يقوم بدور السفارة لتعميق العلاقة بين “إسرائيل” وبقية دول الخليج. كما أشارت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إلى سلسلة لقاءات سرية سعودية إسرائيلية؛ ناهيك عن أن قسم وسائل الاتصال في وزارة الخارجية الإسرائيلية بدأ منذ فترة في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر…إلخ)، حيث أنشأ سفارة “افتراضية” virtual embassy لـ”إسرائيل” في كل دولة خليجية (اسمها السفارة الافتراضية في دول الخليج) منذ 2013. ويتم التواصل مع أفراد في الخليج من خلال هذه السفارة الافتراضية التي يديرها السفير الإسرائيلي ييجال بالمور. ويتم في عمليات التواصل هذه التشجيع على العلاقات التجارية – عبر طرف ثالث- وهو ما جعل حجم التبادل التجاري (عبر طرف ثالث بين الخليج و”إسرائيل”) يصل إلى نحو نصف مليار دولار طبقاً لتقديرات يتسحاق جال؛ أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة تل أبيب في حوار له مع صحيفة فايننشال تايمز .

  1. العلاقات القطرية الإسرائيلية:

من المعروف أن العلاقات التجارية بين “إسرائيل” وقطر بدأت في سنة 1996 وبحضور الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز الذي عاد لزيارة قطر سنة 2007. وعلى الرغم من إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي سنة 2008 إلا أن قطر استقبلت في سنة 2013 وفداً تجارياً إسرائيلياً. وفي سنة 2008 التقى وزير الدفاع الإسرائيلي حينها إيهود باراك مع الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني في سويسرا خلال مؤتمر دافوس، كما التقت الوزيرة الإسرائيلية تسيبي ليفني أمير قطر سنة 2008 في مؤتمر للأمم المتحدة، وقامت ليفني بزيارة الدوحة في السنة نفسها، والتقت بعدد من المسؤولين القطريين. كما أبدت قطر ترحيبها بمشاركة “إسرائيل” في مباريات كأس العالم 2022 في قطر في حالة تأهلها رياضياً، وأسهمت قطر في بناء استاد رياضي بالاتفاق مع “إسرائيل” في مدينة سخنين الفلسطينية في أراضي 1948، ناهيك عن التواصل بين الطرفين لترتيب سبل إيصال المساعدات القطرية لقطاع غزة في ظلّ الأزمة المصرية مع حماس. وذكرت صحيفة “ديلي تلجراف” أن قطر أسهمت في ترتيبات وقف إطلاق النار بين حماس و”إسرائيل” في غزة. كما تشير مصادر إسرائيلية إلى دورٍ قطري في ترحيل عدد من يهود اليمن ونقلهم لـ”إسرائيل” سنة 2013 .

وفي المقابل أبدت “إسرائيل” قدراً من الامتعاض من دعم قطر لحماس، وحقّ حماس في المشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، وجهودها لفك الحصار عن قطاع غزة، وفي إعادة إعمار القطاع. حيث يُعدُّ الموقف القطري من أكثر المواقف العربية تقدماً في دعم القضية الفلسطينية. ولعل أكثر المنتقدين لهذا الدور القطري هو وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان.

ولكن ما علاقة الأزمة الخليجية بكل ذلك من المنظور الإسرائيلي؟

 تنظر “إسرائيل” للأزمة (طبقاً لأغلب توجهات محلليها والذي يمكن اعتبار التقرير الذي صدر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في جامعة تل أبيب الأكثر وضوحاً وعمقاً بينها)  من زاويتين، هما انعكاسات الأزمة الخليجية على حماس من ناحية، وعلى إيران من ناحية أخرى على النحو التالي:

1- اعتبار الأزمة من وجهة النظر الإسرائيلية مؤشراً على تصدع الجبهة “الُسُنية” في مواجهة إيران، لذا فإن “إسرائيل” تشجع بل وتضغط على الإدارة الأمريكية للعودة للوساطة لكي لا ينفرط هذا العقد المواجه لإيران. وترى “إسرائيل” أن الوساطة الأمريكية التي عرضها ترامب على أمير قطر في يونيو 2017 يجب أن تنجز عدداً من الأهداف أهمها (من المنظور الإسرائيلي) ما يلي:

أ- أن الوساطة الإمريكية يجب أن تُربط بتقليص دعم قطر لحماس تحديداً، وهو ما يزيد من الضغوط المالية على غزة، ويجعلها أكثر قابلية للقبول بعودة السلطة الفلسطينية إليها، ونسخ نموذج الضفة الغربية (خصوصاً التنسيق الأمني في قطاع غزة) وهو الأمر الذي تحبذه كل دول مجلس التعاون الخليجي ومصر.

ب- قطع الطريق على إيران لاستثمار الأزمة القطرية، لأن الضغط المستمر على قطر سيقود لدفع قطر نحو روسيا وإيران بل وسورية والعراق. وهو ما يتضح في فتح المجال الجوي الإيراني لقطر، وإرسال الأغذية، واستقبال مسؤولين إيرانيين من مستوى رفيع في العاصمة القطرية.

ج- في المقابل، هناك رغبة لدى أطراف إسرائيلية بأن يكون هناك دور قطري في “تكييف” مواقف حماس. كما أن إبعاد قطر (طبقاً للتقارير الإسرائيلية) لبعض قيادات حماس من الدوحة مؤشر على أن الضغط على الدوحة قد يعرقل المسار التدريجي الهادئ في التراجع القطري عن دعم حماس .

2- ترى “إسرائيل” أن رأب الصدع في مجلس التعاون مهم للغاية، لضمان استمرار دعم المعارضة السورية، التي بدأت ظلال الأزمة الخليجية تمتد نحوها، و”إسرائيل” تريد امتداد الأزمة السورية لأطول فترة ممكنة.

3- تلمح الدراسات الإسرائيلية في معرض التحليل للأزمة إلى أن هناك أبعاداً شخصية فردية بين القيادتين القطرية والسعودية، مما يحتاج لدراية دبلوماسية عالية لمعالجتها، ولا بدّ من توظيف هذه الحساسيات الفردية بشكل يخدم الأهداف الإسرائيلية.

4- من جهة أخرى، تشكل الأزمة الخليجية فرصة مهمة لاستنزاف دول الخليج سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ومدخلاً للابتزاز الأمريكي الغربي لأطراف الأزمة؛ وبالتالي يمكن توظيفها إسرائيلياً في تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” كمدخل للرضا الأمريكي، وكجزء من صراع النفوذ مع إيران.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …