كل عام، يتدفق ملايين المسلمين من جميع أنحاء العالم «مكة المكرمة» لأداء شعيرة الحج، ونظرًا لوجود تلك المشاعر المقدسة في السعودية معها المدينة المنورة حيث مسجد وقبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يعطي السعودية قوة ونفوذًا على المستويين الإقليمي والعالمي.
ويمنح الإشراف على الأماكن المقدسة، وبالتالي السيطرة على الحج، نظام الرياض شرعية، لا تتوفر لبلد آخر، خاصة بين العرب السنة، وكما هو الحال مع معظم مصادر القوة والنفوذ، لن تتنازل السعودية عنها بسهولة، حتى إن أصبحت موضع نزاع في الأعوام المقبلة.
وتعد «مكة» و«المدينة المنورة» جوهرتا تاج المنطقة، وقد تغيرت السيطرة عليها عدة مرات على مر القرون، وكانت آخر مرة عام 1927، عندما سقط الحجاز بيد مؤسس المملكة السعودية الحديثة؛ عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود؛ والد الملك الحاكم الآن, وكان عبد العزيز يوسع أراضيه في المنطقة منذ عقود، لكنه كان يعلم أنه لكي يكون استثنائيا حقا، كان على مملكته السيطرة على الحجاز والمدن المقدسة بحسب تقرير كتبه كارمان بخاري بموقع “جيوبوليتيكال فيوتشرز”.
فعلى أي جهة تسعى للسيطرة على الشرق الأوسط، أن تسيطر أولا على منطقة الحجاز في الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية بطول ساحل البحر الأحمر، ومن هنا، تصبح التجارة ممكنة شمالا عبر «قناة السويس»، وجنوبا عبر مضيق «باب المندب».
بعد 90 عاما، يدرك السعوديون أنهم ربما لا يستطيعون الحفاظ على السيطرة على «مكة» و«المدينة»، ويتلاشى حكمهم مقارنًا بتاريخ يعود لأكثر من 1400 سنة من الإسلام، ويذكرون كيف أن أجدادهم، في محاولة سابقة للسيطرة على شبه الجزيرة العربية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقدوا السيطرة على المدينتين، وفي عام 1808، خلال عصر ما يسمى الدولة السعودية الأولى، قاموا بالاستيلاء على «مكة» و«المدينة المنورة» من الإمبراطورية العثمانية، واحتفظوا بهما لمدة 8 أعوام فقط قبل أن يستعيدها العثمانيون، من خلال نائبهم في مصر؛ محمد علي باشا.
وربما كان نفس المصير ينتظر «عبد العزيز» آنذاك لو لم يُكتشف النفط في السعودية عام 1938، وبعد ذلك، أصبحت المملكة, بسرعة, أكبر مصدر للنفط في العالم، ما ساهم في تعزيز أسس المملكة، لكن سيطرة المملكة على الحج لم تمنع محاولات هز هذه السيطرة، خاصة في العقود الأخيرة.
وفي عام 1979، سيطر أتباع جهيمان على المسجد الحرام لعدة أيام، وكان الحادث صدمة للسعوديين ومحرجا للغاية لعدد من الأسباب، فقد جاء المهاجمون، وهم عدة مئات من المسلحين، من المؤسسة الدينية السعودية نفسها، ورأوا أن السعوديين قد خانوا العقيدة السلفية للدولة، كما أثبتت قوات الأمن السعودية عجزها عن استعادة المسجد الحرام بمفردها، واستلزم الأمر مشاركة الكوماندوز الفرنسيين.
وبعد 8 أعوام، أثناء الحج عام 1987، نظم عدة آلاف من الحجاج الإيرانيين احتجاجا في مكة المكرمة، وفتحت قوات الأمن السعودية النار فقتلت نحو 400 شخص معظمهم من الحجاج الإيرانيين، وقد تجنب السعوديون في الغالب ردود فعل خطيرة بسبب الانقسام الطائفي والأهداف التوسعية الإيرانية المعلنة في ذلك الوقت، والتي عارضتها معظم الدول الإسلامية، وقاطع الإيرانيون الحج لمدة 3 أعوام، لكن بحلول عام 1991، تم حل المسألة.
فقدان السيطرة
لم تكن الدولة السعودية لتصبح على ما هي عليه اليوم، القوة العربية المستقرة، إذا لم تكن هي الوصي على المسجدين المقدسين، لكن البيئة الجيوسياسية للسعوديين تتغير بسرعة، وجاء حج هذا العام في وقت يتزايد فيه عدم الاستقرار في شبه الجزيرة العربية وحولها.
ولأعوام، واجهت المملكة تحديات من قبل إيران في الشرق، ومن قبل توسع التنظيمات المسلحة في الشمال في «العراق»، و«سوريا»، وفي الجنوب في «اليمن».
وقد أضاف النزاع مع «قطر» خلال الأشهر القليلة الماضية إلى قائمة المشاكل السعودية، وقد اتبعت قطر ، مدعومة بمكانتها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، سياسات مستقلة يعتبرها السعوديون وحليفتهم الإقليمية الرئيسية؛ الإمارات تهديدا لمصالحهم.
وتصاعدت الأمور عندما ندد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير» في 30 يوليو بمطالبة قطر بتدويل إدارة مكة والمدينة المنورة، وبعد اجتماعه مع نظرائه من الإمارات والبحرين ومصر، قال الجبير للصحفيين: إن طلب قطر عمل عدواني وإعلان حرب ضد المملكة، غير أن قطر نفت ان تكون قد تقدمت بهذا الطلب.
وبغض النظر عن ذلك، يعد احتجاج الرياض في الواقع تعبيرا عن انعدام الأمان، ولا توجد حاليا محاولات جادة لتدويل إدارة مكة، والمدينة المنورة، وعلى الرغم من أن غالبية العالم الإسلامي يعارض المنهج السعودي في تفسير الإسلام وطريقة المملكة في إدارة الأماكن المقدسة، فقد قبلت الدول الإسلامية تاريخيا المملكة مديرا للحرمين الشريفين ومنظما للحج، وحتى هذا البيان القطري المزعوم، كانت إيران، العدو التاريخي للسعودية، هي الدولة الوحيدة التي تدعو رسميا إلى التدويل، وباعتبارها دولة إسلامية شيعية، لا تملك إيران وزنا كبيرا في غالبية العالم السني.
ومع ذلك، قد تكون هناك قضية مشتركة بين المسلمين من جميع أنحاء العالم الذين يشعرون بقوة بأنه يجب على السعوديين عدم استخدام الحرمين ساحة نفوذ سياسي، ويشتكي الكثيرون من الذين أدوا الحج من الطريقة التي يتعامل بها السعوديون مع هذا الحدث وسوء معاملة الحجاج، وفي العديد من المناسبات، تعرضت حياة الحجاج للخطر، وتم اتهام السعوديين بسوء إدارة الحج على الرغم من مواردهم المالية الضخمة.
والآن بعد أن أصبح السعوديون في أزمة مالية بسبب انخفاض أسعار النفط، أصبحت إدارة الحج والحفاظ على الحرمين أكثر أهمية، ويؤدي انخفاض أسعار النفط إلى إضعاف قدرة المملكة على الحفاظ على الاستقرار، في وقت يتزايد فيه انعدام الأمن الإقليمي، ولهذا آثاره الواضحة والخطيرة على الملايين من الحجاج القادمين من جميع أنحاء العالم.
وفي حال واجهت السلطات السعودية صعوبة في التعامل مع الاضطرابات والعنف الداخلي، فإن دور المملكة كحامٍ وحارس للحرمين سيُطرح حوله سؤال جدي، وهذا هو الأمر الأشد خطورة على السعوديين، وهذا هو السبب في إطلاق محمد بن سلمان؛ ولي العهد الجديد مبادرة التحالف العسكري الإسلامي، في أكتوبر الماضي، ويتألف من عدد من القوات من مختلف الدول الإسلامية التي هدفها الأساسي هو ضمان أمن الأماكن المقدسة، وبالتالي، المملكة.
وبعبارة أخرى، كان السعوديون يتوقعون قبل عامين مشاكل قد لا يستطيعون التعامل معها بمفردهم، وبالتالي، ليس من المستحيل أن تتمركز في المستقبل قوات عسكرية من دول إسلامية رئيسية أخرى، مثل باكستان أو مصر أو تركيا، في المنطقة، على الأقل لضمان عدم تعطل الحج، ومع هذا الاعتماد على الدول الإسلامية الأخرى، يأتي تهديد غير مقصود للوصاية السعودية على الحرمين، لكن قد لا يكون هناك شيء يمكن أن تفعله الرياض حيال ذلك.
رفض تسييس الحج
وبحسب موقع “ستراتفور ” فإن السعودية خففت حصارها على قطر من خلال فتح حدودها لحجاج البلاد، إلا أنها فعلت ذلك بدوافع خفية. قدمت المملكة هذه البادرة الجزئية لإنقاذ وجهها كحارس لأقدس المواقع الإسلامية وجزئيا للحفاظ على الإيرادات المتدفقة من الحج.
وعلاوة على ذلك، مكنت هذه الخطوة الرياض من تصوير الدوحة على أنها أنانية تريد حرمان المواطنين القطريين من المرور إلى الحج, فقط لرفض العرض السخي من السعوديين.
ومن خلال اختيار الشيخ «عبد الله بن علي آل ثاني»، وهو عضو غامض نسبيا في الأسرة المالكة القطرية، للتوسط في صفقة الحج، تحاول السعودية أن تقوض شرعية أمير قطر؛ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كحاكم للبلاد.
ويعد السفر إلى الحج من اختصاص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، التي أذنت لحوالي 1200 من القطريين للقيام بالحج في عام 2015.
ولكن بدلا من احترام البروتوكول، الذي تحافظ عليه الدوحة، تجاوزت السعودية الوزارة ووقعت اتفاقا مع سفير غير رسمي لم يُختر من قبل قطر.
كما اشتكت الوزارة من أن شركات الطيران السعودية فقط يمكنها نقل الحجاج القطريين من الرياض منذ أن منعت الخطوط الجوية القطرية من التحليق في المجال الجوي للمملكة.
وكانت منظمة “أصدقاء الإنسان الدولية”، دعت في بيان لها، إلى عدم تسييس الحج والعبادات في ظل إجراءات تعسفية اتخذتها السعودية تجاه القطريين، بما يؤثر بشكل مباشر على حرية أدائهم لشعائرهم الدينية.
وقالت المنظمة ومقرها فيينا في بيانها «منذ بدء الحصار على قطر مطلع يونيو الماضي، قامت المملكة السعودية بمجموعة من الإجراءات التي تعيق سفر الأشخاص الذين يرغبون بأداء الحج والعمرة والذين يحملون الجنسية القطرية إلى السعودية».
وذكرت المنظمة أن من بين تلك الإجراءات «اشتراط أن يكون العبور إلى السعودية لهؤلاء الأشخاص عبر الجو فقط، وتحديد منفذين للدخول، فضلاً عن اشتراط الموافقة المسبقة على خطوط الطيران التي يمكن للمعتمر أو الحاج الوصول من خلالها».
وأشارت إلى أن الأهم في القرارات شمولها تقييدا تعسفيا يجب بموجبه على مسلمي قطر المقيمين خارجها العودة لبلادهم مرة أخرى، والانطلاق من الدوحة إذا أرادوا العمرة، مرورًا بمحطات ترانزيت فقط، حيث لا يمكن السفر المباشر إلى السعودية من الدوحة.
وقبل عامين, شن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية «علي خامنئي»، هجوما غير مسبوق على السعودية بسبب الخلاف حول الحج ذلك العام والذي قررت إيران مقاطعته، داعيا إلى حل جدي لإدارة الحرمين تحت طائلة الوقوع في مشاكل أكبر.
وهاجم خامنئي رجال الدين في السعودية واصفا إياهم بـ«المفتين غير الورعين وأكلة الحرام الذين يفتون علانية بخلاف الكتاب والسنة»!.
ودعا المرشد الإيراني إلى التفكير الجدي بحل لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج، محذرا من أن تجاهل ذلك سيعرض المسلمين مستقبلا لمشكلات أكبر دون أن يوضح طبيعتها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات