من العجالة المختصرة عن ترامب وسياساته التي ذكرناها في المقال السابق, يمكن أن نقول إنه يتصف بصفات أربع:
أولا: الشدة التي قد تصل إلى درجة التهور, والعنف والحمق وعدم الاتزان في المواقف السياسية العامة.
ثانيا: عدم الخبرة: فعدم شغله الوظائف السياسية التي تؤهله لإدارة البلاد جعلته قليل الخبرة، وقليل المعرفة بما عليه السياسة الأمريكية المعدة سلفا من قبل دوائر مختصة تضم أكثر من 300 عالم مختص.
ثالثا: غلبة الحسابات المادية، فهو ملياردير ورجل أعمال ناجح؛ ومن طبيعة رجال الأعمال أن تكون لهم حساباتهم الدقيقة.
رابعا: باهتمامه النظري بأمريكا والأمريكيين.
والصفات الأربع هذه مرشحة لتداعيات كثيرة في المنطقة الشرق أوسطية بخاصة, قد يكون منها:
أولا: التضييق على الإسلاميين, واصطناع المواقف الساخنة ضدهم، والتآمر عليهم وهو أمر مجمع عليه حاليا من قبل التحالف الدولي. وقد جاءت تصريحاته في أثناء حملته الانتخابية وبعدها مؤيدة للتضييق على الإسلاميين وضربهم، وقد ألبسوهم لباس الإرهاب، وأقعدوهم مقعد المتهم سلفا، حتى ولو بدون بيّنة تذكر, وهذا مايجب الاحتراز منه مسبقا.
ثانيا: الانجرار وراء السياسة الصهيونية التي تعد مسؤولة عن مشروع التجزئة الإقليمية في الشرق الأوسط والذي سبق أن دعا إليه تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية في سنة 1897 في بازل في سويسرا. وقد جرت عادة الصهاينة أن يبتزوا الرؤساء الأمريكيين، وأن يجعلوا منهم حملة لأفكارهم لقاء دعمهم الانتخابي لهم, وترامب واحد من أولئك.
ثالثا: مراجعة حسابات شاملة لسياسة الولايات المتحدة، سيما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ومن الأرجح أن يغلّب المصالح على المبادئ, وأن يبتعد عن الصفقات الخاسرة، فموقف الإدراة السابقة (أوباما), من نظام الأسد، وحزب الله، والأكراد، ومن الطموحات الشيعية في المنطقة، قد يخضع لمراجعة كبيرة, فالإدارة السابقة ضحت بحلفائها التقليديين مقابل آخرين لايوثق بهم غالبا.
رابعا: ادخاله دول الخليج في خانة الابتزاز والمساومة ضد إيران وتوجهاتها التوسعية والطائفية غير المحدودة, وهذه هي صفته. وموقفه من دول أوربا الشرقية بخاصة يؤكد هذه الصفة وقد أكد أن الولايات المتحدة ستدافع عمن يدفع التزاماته تجاهها كاملة.
خامسا: الصدام مع روسيا وإيران على الساحتين السورية والعراقية؛ وهو صدام سيكون سببه أولا وآخرا الدفاع عن المصالح الاستراتيجية في المنطقة الشرق أوسطية. ولذلك يعد إسراع ترامب بالتهجم على الاتفاق النووي وعلى سياسة إيران، وتلويحه باحتمال دخول الحرب ضدها وضد روسيا من المسائل المطروحة اليوم على الساحة الدولية، ولن يقف التحالف الدولي مكتوف اليدين تجاه سياسة بوتين التي تعيد للأذهان أو تذكر بسياسة هتلر التي ذهب جراءها أكثر من خمسين مليون قتيل, أو سياسة القياصرة الروس الذين كانوا طموحين إلى الوصول إلى البحر المتوسط, ونعتقد أن الشخصيتين؛ بوتين، وترامب قريبتا الشبه من شخصية هتلر، كما أن العام 2016 ومابعده أقرب شبهًا بالعام 1916وأن قضية دورة الفلك دورة كاملة قرنا من الزمان ليعيد التاريخ نفسه، أمر قد يكون أقرب إلى الواقع.
سادسا: أن تنتقض عرى التحالف الدولي الذي قطباه الرئيسان الولايات المتحدة وأوربا, وأن يضعف حلف شمال الأطلسي إلى درجة كبيرة بسبب حسابات ترامب المادية, وبالتالي أن يتنفس العالم الصعداء بعد فض ذلك التحالف، وأن تتغول بعض القوى الناشئة حديثاً بسبب الخلل في التوازن الدولي وتخلي القطب الواحد الذي كان يتولى كبر المسألة عن دوره في السياسة الدولية حسب ما كان عليه من قبل.
سابعا: أن يبرز إلى الميدان المشروع الغائب (السني) الطابع بعد أن يقتنع الجميع أنه المشروع الذي لابد منه في مواجهة المشروع الشيعي الصفوي الذي تتبناه إيران والذي تدعمه السياسة الأمريكية الحالية.
ثامنا: أن يتعمق التحالف الروسي الإيراني ويزداد خطورة في المنطقة؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى إخفاقات كثيرة وانكسارات مزعجة وإن كانت آنية ومحدودة والتي سيتم التغلب عليها بإذن الله تعالى؛ فللباطل جولة ثم سرعان مايتلاشى ويزول، وذلك مماعليه البشر من قديم الزمان.
تاسعا: أن تتنفس المعارضة السورية الصعداء بعد انفضاض عرى التحالف الدولي المؤلب ضدها، وتجد لها قوى داعمة بديلة وهذا يعني أن الكرة في القضية السورية ستعود إلى مربعها الأول وأن جولات جديدة قد تكون أشد ضراوة ستشهدها المنطقة قبل أن تلوي ذراع إيران، التي تحاول اليوم أن تتمدد تجاه المنطقة العربية كلها بدعم من التحالف الدولي الذي يجد فيها ظهيرا قويا لسياساته في المنطقة.
عاشرا: أن يقوى أمر الجهاد الإسلامي، وتتسع دائرته، وأن تنسلخ عنه بعض الصفات التي ألصقت به (كالإرهاب), وذلك بعد أن يشعر الجميع وفي مقدمتهم الحكام العرب أن اصطفافهم إلى جانب الأجنبي لن يأتي بخير، وأنهم يرتكبون إثما كبيرا بتلك المواقف, الأمر الذي يقتضي منهم جمعيا العودة إلى دائرة الجهاد ليواجهوا المشروعين الصهيوني الصليبي والصفوي, وهو أمر سيكون له مابعده إن شاء الله.
وفي الختام:
يبقى ترامب شخصية يصعب تقدير مسارها أو تخمين المدى الذي يمكن أن يذهب إليه, ومن غير الواضح إن كان سينجح في إدارة دولة عظمى لها استراتيجيتها وخططها المعدة مسبقا، وأووياتها وتقاليدها ومؤسساتها وخبراؤها المختصون الذي يعملون ليل نهار من أجل رسم سياساتها، فضلا عن تجاذباتها التي لاتستطيع صرف النظر عنها. لكن المؤكد أن صعود هذا الوجه الجديد إلى البيت الأبيض هو علامة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة، وتعبير عن تفاعلات جرت تحت السطح ووراء المشهد الاجتماعي والاقتصادي في بلد بهذا الحجم وهذه الأهمية. علاوة على أنه من تفاعلات ضمور الحضور الأميريكي في العالم، الذي قد يكون فوز ترامب برهانا عليه وتفاقما له. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل يكون ترامب هو الذي يعيد بناء الولايات المتحدة بناءً سليما على الأسس التي أقامها عليه بناتها الأوائل، أم سيكون من يجعل من البيت الأبيض بيتا أسود بما يفعل داخله من أفاعيل؟
ذلك من مكنون الغيب، ومما ينتظره المراقبون بفارغ الصبر. ومبدأه سيكون يوم 20 يناير 2017م؛ اليوم الأول من رئاسة ترامب.
____________________________
رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات