تركيا.. هل حققت حلمها في سوريا؟

تسعى تركيا لحماية حدودها مع سوريا بعدم إقامة دولة كردية، يمكن أن تشكل خطرا على طبيعة التركيبة السكانية في تركيا، إلا أن مصالحها لا تتوافق مع مصالح اللاعبين الرئيسيين الآخرين في الحرب بسوريا؛ روسيا وأمريكا وإيران، حيث تواجه أنقرة ضغوطا كبيرة من الداعمين لميليشيات نظام بشار الأسد، فيما يكون بإمكانها في المقابل, وبسبب وجود مصالح مشتركة بين تركيا وهذ الأطراف, أن تخرج من دائرة الضغوط.

 

عدو تاريخي

تساءل الكاتب كمران متين في مقال له نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية : هل استعدت تركيا لحرب طويلة في سوريا؟، مشيرا إلى أن أنقرة دخلت الحرب في سوريا من أجل منع إقامة دولة كردية على حدودها، ولكنها ليس القوة الوحيدة التي لها أهداف سياسية بالبلاد.

وأضاف أن تركيا انخرطت أخيرا في الصراع بسوريا بشكل مباشر، حيث أرسلت دبابات وقوات خاصة دعمًا لمقاتلي الجيش السوري الحر الذين استعادوا مدينة جرابلس من تنظيم الدولة.

وقال إن الهدف الرئيسي من التدخل العسكري التركي في سوريا ليس لمواجهة نظام بشار الأسد الذي فعلت تركيا ما في وسعها على مدار خمس سنوات لتقويضه، وليس للقتال ضد تنظيم الدولة الذي لا تزال تركيا متهمة بدعمه.

وأوضح أن الهدف الحقيقي من وراء تدخل تركيا في سوريا هو مواجهة عدوها التاريخي المتمثل بالأكراد، الذين تحاول منعهم من إقامة دولة في سوريا على الحدود، يمكن أن تشكل خطرا على طبيعة التركيبة الوحدوية للشعب في تركيا.

وقد استعادت المعارضة السورية اليوم السبت بلدة “الراعي” على الحدود مع تركيا بعدما سيطر عليها تنظيم الدولة عدة ساعات إثرَ عملية تسلل في ساعات الفجر الأولى.

وجاء ذلك عقب غارات تركية استهدفت مواقع لقوات سوريا الديمقراطية -التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري- جنوب جرابلس.

وكانت المعارضة السورية قد أعلنت استعدادها، بدعم مباشر ومكثف من الجيش التركي، للمرحلة التالية من عملية “درع الفرات” وهي التمدد غرب مدينة جرابلس وجنوبها.

 

تعزيز العلاقات

يعود السبب الأبرز في تحول السياسات التركية بسوريا إلى المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف الشهر الماضي، وإلى انعكاساتها على العلاقات بين تركيا والغرب، الأمر الذي جعل تركيا تتجه شرقا وتعزز علاقاتها مع روسيا، بل وتقوي تعاونها مع إيران ضد الأكراد.

لكن الكاتب كمران متين قال:” إن الحروب تبدو سهلة عند بدايتها ولكن إنهاءها يعد أمرا صعبا”، وإن تركيا قد تحقق بعض أهدافها العسكرية المحددة في سوريا، إلا أن مصالحها على المدى الطويل قد لا تتوافق مع مصالح اللاعبين الرئيسيين الآخرين في الحرب بسوريا.

 

اتفاق سري

وفي هذا السياق كشف الكاتب والمحلل السياسي، محمد الأحمري، مدير منتدى العلاقات العربية والدولية، عن اتفاق قد أبرمته كلا من روسيا وإيران وأمريكا و”إسرائيل” من أجل تقسيم سوريا لعدة فيدراليات تمهيدا لاستقلالها كدويلات فيما بعد.

وقال الأحمري، في مقال له بمجلة “العصر” بعنوان ” خطة تقسيم سوريا وإنهاء طموحات تركيا” :”إن هناك اتفاقا مبرما ضد سوريا, أطرافه روسيا وإيران وأمريكا و”إسرائيل” على تقسيم سوريا لفيدراليات كردية وعلوية في الشمال وأكثر غرب سوريا، تكون تمهيدا لاستقلالها كدويلات وربما حتى الدروز ينالون فيدرالية، وهذا التقسيم ينهي سوريا كدولة لها قوة أو مستقبل موحد”.

 

دولة كردية

وأكد الأحمري في مقاله أن هذا يقتضي إبعاد الأتراك عن سوريا العربية السنية بحاجزين؛ كردي وعلوي، وستحث هذه النتيجة أكراد سوريا والعراق وتركيا على مشروع وحدة ودولة كردية.

وأشار إلى أن طموحات الأتراك في دولة قوية وموحدة، ستنتهي بسبب نزوع علوييها وأكرادها للولاء للدويلات الناشئة، وتصبح تركيا بلدا عرقيا صغيرا لا يمثل قوة ولا خطرا على إسرائيل ولا ينصر بقية الأتراك خارجه.

ولفت الأحمري إلى أنه بخصوص إيران، فسيبقى لها نفوذ في بقية سوريا، المهلهلة وبشرط استمرار مصالحها فيها وفي لبنان.

غير أن إيران بقبول هذا الوضع والترويج له سوف تدق مسمارا في نعشها، لأن الأكراد والعرب والبلوش سوف يطالبون بعد تحلل السلطة المرشدية قريبا بحقوق ذاتية وتتفتت وحدتها كالعراق وتركيا وسوريا.

وأشار الأحمري إلى أنه بهذا تتحقق رؤية بعض السياسيين الغربيين، ومنهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، التي تقول:” إن العرب والمسلمين في إيران وأفغانستان والعراق مجرد قبائل وعشائر تعودت الحياة القبلية، وأجبرت على فكرة الدولة، واليوم على الغرب أن يعيدها طريقتها الأولى، مجرد قبائل متجاورة ومتحاربة ومتصالحة خارج السياق العالمي، وسوف تبيع وتعطي هذه القبائل ثرواتها لتجار الغرب والشرق بلا مشقة”.

وتابع الأحمري:”ولعل أصحاب هذه الخطة يزودون تنظيم الدولة وحركات الجهاد بمبرر لمزيد من تجمع قواهم ومواجهة أعدائهم، يوم يتأكد عامة العرب أنهم يُبادون في فلسطين وسوريا والعراق ولا يوقف الإبادة أحد بل يُكافئ كل معتد بما يود الحصول عليه وزيادة”.

 

مصالح مشتركة

ولمواجهة بعض العقبات والضغوط التي تواجهها تركيا من الأطراف المتداخلة في حرب سوريا، تحدث الكاتب محمد زاهد جول عن زيارة رئيس الوزراء التركي إلى ايران والتي وصفها بأنها كانت مفاجئة، مشيرا إلى أن توتر الأجواء واضطرابها في المنطقة من أهم أسباب هذه الزيارة، والسبب الثاني هو توتر العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران.

وأكد جول أن إيران بدأت تحصد أخطاءها بسرعة، وتتطلع أن يكون لدى الحكومة التركية تفهم للمشاكل التي تواجهها إيران في المنطقة أولاً، ومع تركيا ثانياً، وبالأخص أن تركيا بحاجة هي أيضاً إلى تعاون إيران معها في إضعاف أو إنهاء مخاطر الأحزاب الإرهابية، التي تعمل ضد تركيا وتقتل شعبها بالتفجيرات الإرهابية، سواء كانوا من حزب العمال الكردستاني أو حزب الاتحاد الديمقراطي أو قوات حماية الشعب، أو ما لدى إيران من نفوذ وتأثير على تنظيم الدولة “.

 

زيارة بايدن

ويبدو أن زيارة جو بايدن؛ نائب الرئيس الأمريكي لتركيا منذ أيام سيكون لها أثر كبير على حرب تركيا ضد تنظيم الدولة والأكراد في سوريا، حيث شدد بايدن على متانة العلاقات بين البلدين, وأشار إلى أن تركيا هي الحليف الأقوى للولايات المتحدة، فيما طالبت أنقرة واشنطن بعدم دعم الأكراد لأنهم يشكلون الخطر الأكبر، واصفة إياهم بـ الارهاب.

وطالب بايدن الأكراد بالانسحاب من الحدود، مهددا بوقف الدعم لهم في حال المساس بتركيا.

 

الحلم التركي

واشار الكاتب أشرف الصباغ إلى أن تركيا نجحت في تحقيق حلم إقامة منطقة عازلة شمال سوريا عبر العملية العسكرية التي قامت بها فجر الأربعاء الماضي، وأعلنت أنقرة أنها أخبرت كلا من روسيا والولايات المتحدة وإيران وبعض الدول الأخرى بهذه العملية التي أسفرت ليس فقط عن إدخال قوات خاصة تركية وأسلحة ثقيلة، بل و5 آلاف من قوات “الجيش السوري الحر” لمكافحة تنظيم الدولة ومنع إقامة أي كيانات إثنية شمال سوريا، أو بالأحرى على حدود تركيا.

واضاف الصباغ:” كل المؤشرات تؤكد أن تركيا، وعبر مناورات وتحديات وأزمات ومصالحات متنوعة مع روسيا والولايات المتحدة وغيرهما، تمكنت من تحقيق أحد الأهداف التي كان قد تم الإعلان عنها قبل عام ونصف العام تقريبا”.

وكانت الولايات المتحدة وتركيا والسعودية أعلنت عن تدريب 5 آلاف مقاتل من المعارضة السورية بهدف توجيههم فيما بعد لمواجهة القوات السورية.

ولفت الكاتب إلى أن بايدن الذي زار تركيا قد يكون هنأ إردوغان بتحقيقه الحلم القديم، ونجاحه في تنفيذ خطة إدخال الـ 5 آلاف مقاتل من “الجيش الحر” إلى شمال سوريا وتهيئة الأجواء لتحديد معالم المنطقة العازلة بدون أن يغضب أي دولة أو يستعديها.

وهو ما يفتح الطريق على احتمالات في غاية الأهمية وتحركات وسيناريوهات جديدة تماما بعد أن أصبح “الجيش الحر” واقعا عمليا على الأرض وله حدود وقوات أيضا، ما يؤكد عمليا التمهيد لإقامة منطقة عازلة ، ووضع جميع الأطراف أمام قضايا أمنية وإنسانية، وأزمات تتعلق بالأقليات الطائفية والعرقية وضرورة “ترسيم حدود ما” للحفاظ على هذه الأقليات وإمدادها بالمساعدات الإنسانية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …