تصاعد الحراك في الريف المغربي .. والحكومة تعد السكان باللبن والعسل!

في أواسط الخريف الماضي انطلقت شرارة الاحتجاج الأولى على إثر حادث مصرع الشاب محسن فكري في حاوية نفايات بعد أن أتلفت الشرطة بضاعته أمام عينيه.

ازدادت قوة الحراك مع مر الأسابيع والشهور وهو الآن يكمل شهره السابع حيث خرج للتظاهر منذ أيام، حوالي خمسين ألف مواطن ومواطنة في مدينة الحسيمة.

اضطرت الرباط إلى إرسال لجنة حكومية تتكون من سبعة وزراء لاستقصاء الأمور في محاولة لإيجاد الحلول وتهدئة الوضع, إلا أن إيجاد مخرج يرضي الطرفين؛ أي الحكم والمتظاهرين يبدو شبه مستحيل، وذلك لأسباب عديدة نكتفي بذكر بعضها.

تفاوض غير مجدٍ

يقول مراقبون إن السلطة تكتفي بالتفاوض مع المنتخبين المحليين وبعض أطراف المجتمع المدني والسياسي، وتهمش, متعمدةً, زعماء الحراك الشعبي والنواب المنتخبين الذين يتحكمون بقوة في الميدان.

إن ضعف تمثيل المنتخبين يتجلى في ضعف نسبة المشاركة في اقتراعي 2015 و2016 كما أن حزب الأصالة والمعاصرة المقرب من القصر يبدو عاجزا تماما عن التأثير في الأوضاع رغم أن أهم مسؤوليه ينتمون لمنطقة الشمال, بل إن أمينه العام يترأس المجلس الجهوي لطنجة – تطوان- الحسيمة.

بالإضافة إلى هذا فإن حزب العدالة والتنمية وهو الحزب الأكثر مشروعية على المستوى الانتخابي يعيش بحسب مراقبين حالة من الإرتباك منذ إعفاء أمينه العام عبد الإله بنكيران مع ما ترتب على ذلك من غضب في قواعده.

فأمينه العام كان قد طلب في بداية الحراك من المتعاطفين مع حزبه عدم المشاركة في احتجاجات الشمال لكنه توقف عن هذا الطلب منذئذ.

والسبب أنه كان آنذاك في بداية الأحداث قد عين لتوه رئيسا للحكومة ولم يكن المغرب قد دخل بعد أزمة ما سمي بالبلوكاج، وهنا يجب التذكير كذلك أن إبعاد حزب الاستقلال عن المشاركة في الأغلبية الحكومية قيد التشكيل قد تسبب في تأزيم العلاقة بين الحزب الذي يترأيه علال الفاسي, والنظام وهذا لا يمكن إلا أن يصيب قواعد هذا الحزب بخيبة كبيرة ساهمت ولاشك في زخم الحراك, وقد شارك بعض أعضاء الحزب في المظاهرات المؤيدة لحراك الريف الأسبوع الماضي في عدة مدن في المملكة .
المراقبون يلفتون النظر إلى أن الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها البلاد بسبب تداعيات “البلوكاج” أو مايسميه أهل المغرب بالقطيعة بين القصر وبنكيران ساهمت في تأجيج الأوضاع بالشمال رغم الاستقلال التنظيمي التام للجنة القائدة للحراك عن كل الأحزاب ورغم أن الشرارة الأولى كانت لأسباب محلية بحتة.
مطالب الريف تتجذر

شعارات الحراك ومطالبه العامة تدور كلها حول قضية احترام كرامة أهل الريف وحقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية، كما يطالب الحراك بنهاية الفساد والاستبداد كما فعلت منذ سنوات حركة عشرين فبراير, بل إن قياديي الاحتجاج دعوا منذ أيام إلى «مليونية» يوم عشرين يوليو المقبل في إشارة لا تخفى على أحد إلى تعلقهم الوجداني وعلاقتهم السياسية بالحراك الديمقراطي لعام 2011.

الحراك الريفي لا يكتفي بالمطالبة بتحقيق شامل لمقتل محسن فكري، بل بالكشف عمن تسبب في مقتل خمسة شبان وجدوا جثثا هامدة داخل وكالة للبنك الشعبي بالحسيمة وذلك بعد أولى مظاهرات عشرين فبراير سنة 2011 في المدينة كذلك.

والمتتبع لردود فعل النظام والائتلاف الحكومي يجد تصريحاتهم تدور حول أن الحراك تتحكم فيه أيادٍ خفية انفصالية وأجنبية وتمويله يأتي من الخارج.

الحكومة المغربية أرسلت تعزيزات أمنية ضخمة تتمثل في الدرك الحربي والقوات المساعدة وقوى الأمن الوطني إلى مناطق الاحتجاج وذلك للضغط النفسي والسياسي على مسؤوليي الحراك, كما بدأت ملاحقة ناصر الزفزافي, الملقب بقائد حراك الحسيمة.

كما حاولت عزل مسئولي الحراك سياسيا بالتشهير والتشكيك في دوافع ونوايا نشطاء الاحتجاج، معمبادرات ترمي لعزلهم إعلاميا وذلك بتجاهلهم من لدن الإعلام الرسمي وشبه الرسمي والتضييق على تواجدهم في الشبكات الاجتماعية، كما قامت باستجواب رمز الحراك ناصر الزفزافي, أما موقع «لكم.كوم» الذي سجل ارقاما قياسية في المتابعة والمشاركة فقد تعرض لهجوم إلكتروني من قبل قراصنة مجهولين ينسقون فيما بينهم بشكل جيد.
وكان رد فعل أهل الريف على الموقف الرسمي هو الاضراب العام يوم 18 مايو والخروج في أكبر مظاهرة منذ بداية الاحتجاج كما ذكرنا.

وإذا أرادت الدولة إرضاء المتظاهرين ليعودوا إلى سكينتهم المعهودة فإن عليها أن تحل باختصار معضلة الديمقراطية في المغرب, وهذا ما أشار له زعيم الحراك في استجوابه  «لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفرقنا “المخزن” (وزارة الداخلية في الثقافة المغربية).

وبعد أن بلغ الاحتجاج الشعبي في الحسيمة ذروته قبل أيام، رصد المتابعون وزراء يهرولون وسط شوارع المدينة، ويسعون للقاء الناس، مبشرين بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ستُنجز بين عشية وضحاها، وستوفّر فرص العمل لآلاف الشباب.

وقد أسهبت التقارير التلفزيونية في وصف التحول الذي ستشهده تلك المدينة، إلى درجة أن الكثيرين صاروا يفكرون في الهجرة إليها، والعدول عن فكرة ركوب قوارب الموت نحو أوروبا, كما يقول الطاهر الطويل. 
ويضيف الطاهر أن سكان الحسيمة والمناطق المجاورة لها سنّوا سنّة حميدة في المغرب، يُجازى مَن أوجدها ومَن عمل بها؛ مفادها أنه إذا أردت أن تستنفر الحكومة وتستقدمها نحو مدينتك، فما عليك سوى أن تُصعّد من عملك الاحتجاجي، السلمي والحضاري طبعًا.

وبالتالي، فلا شك في أن مدنا مغربية أخرى ستجرّب حظها من الحراك الاجتماعي، خاصة أن ذهنية السلطة المغربية ما زالت تتعامل مع البلاد والعباد بعقلية الحماية الفرنسية التي كانت تعتمد تقسيم «المغرب النافع» و«المغرب غير النافع».

كما أن سياسة تلميع الواجهة ما زالت معتمدة بعد مرور أكثر من خمسة عقود على رحيل الاستعمار عن المغرب .

لقد لاحظ الجميع كيف أن موقف الأغلبية الحكومية إزاء ما يجري في الحسيمة تغيّر بمعدل 180 درجة، إذ انتقل من وصف الحراك الدائر في الحسيمة بالعمل الانفصالي إلى محاولة استلطاف سكان المدينة وإرضائهم، ربما خوفا من أن تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.
ومن المضحكات المبكيات أن تُسخِّـر السلطة أبواقها لتلصق التهمة الجاهزة بمتزعم الحراك الاجتماعي في الحسيمة، والمتمثلة في العمالة للمخابرات الجزائرية.

وهكذا، فبقدرة قادر، تحوّلت صورة فوتوغرافية يظهر فيها الصحافي الإسباني خوسي لويس نافازو بجانب الناشط ناصر الزفزافي، إلى لقاء يجمع هذا الأخير برئيس المخابرات الجزائرية!
ويؤكد الطاهر أن التخويف بالجارة الجزائر لعبة يجيدها “المخزن” والأجهزة الرسمية، كما يجرّبها آخرون في مجالات مغايرة.

ويرجع بالذاكرة إلى حكاية ممثل ومخرج مغربي هدد باللجوء إلى الجزائر على خلفية نزاعه مع مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الرسمية.

كما سبق لمجموعة من الشباب المتدربين في مجال التعليم أن هددت بطلب اللجوء إلى الجارة الشرقية في حالة عدم تلبية طلبهم بالتوظيف.

وخصصت فضائية «فرانس 24» مساحة للنقاش حول الحراك الاجتماعي الدائر في منطقة الريف، من خلال استضافة محمد زيان أمين عام الحزب المغربي الليبرالي الذي طالب الحكومة بتقديم استقالتها عاجلا، لكونها فشلت في تدبير الملفات المعروضة عليها، ولكونها, أيضا, اعتبرت مطالب سكان المنطقة المذكورة ذات صبغة انفصالية عرقية؛ في حين أن الأمر يتعلق بمطالب اجتماعية وحقوقية حول الصحة والقضاء والتعليم والتوظيف والصيد البحري وغيرها. 
وتوقّع زيان أن ينتقل الحراك الاجتماعي إلى مناطق أخرى في المغرب، كما وجّه انتقاده للمسؤولين الذين يوصفون بالمقربين من الملك، معتبرا إياهم سببا رئيسيا في المشكلات التي تعانيها البلاد.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …