عدلت السلطات المصرية بعض أحكام قانون العقوبات لتوقيعها انفجار حالة غضب بين المواطنين خاصة بعد زيادة الأعباء المالية التي فرضتها الحكومة بتأييد من البرلمان الحالي، وانتهت الاثنين الماضي مدة مجلس النواب الذي استمر نحو 5 سنوات منذ أول انعقاد له في 2015، بعد أن مرر مئات القوانين والتعديلات الحكومية الخاصة بفرض رسوم جديدة أو مضاعفة الرسوم الحالية وزيادة الضرائب، واستقطاع أجزاء من رواتب الموظفين وأصحاب المعاشات تحت مسميات مختلفة.
ومؤخرا قررت الحكومة زيادة أسعار تذاكر المترو وفواتير الكهرباء، كما زادت سعر الخبز بشكل غير مباشر وذلك عبر خفض وزن الرغيف من 110 إلى 90 جراما، بينما اختار ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي التذكير بحادث مصرع محصل كهرباء على يد مواطن بسبب ارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء في عام 2016.
اللافت أن العديد من رواد وسائل التواصل تفاعلوا مع الخبر، واعتبروه مقدمة طبيعية لما يجري على أرض الواقع، مؤكدين أن التصرف الفردي قد يتحول مع مرور الوقت إلى ظاهرة جماعية، بسبب الضغوط التي تُمارس على المواطنين.
تعديل أحكام قانون العقوبات
وكان مجلس الوزراء المصري وافق في أغسطس/ آب الجاري على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات، وبرره المجلس أنه جاء “في ضوء ما تلاحظ الآونة الأخيرة من أن بعض العقوبات المقررة بشأن التعدي على الموظفين العموميين وإتلاف الأموال العامة، لم تعد كافية وبما يلزم وتحقيق الردع بنوعيه العام والخاص”.
وذهب مشروع القانون إلى تضمين حتى الإشارة بالقول أو الفعل ضمن قانون العقوبات؛ حيث نص على أن كل من أهان بالإشارة أو القول أو التهديد موظفا عموميا أو أحد رجال الضبط أو مُكلفا بخدمة عامة أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديته الوظيفة، يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على سنتين، وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تُجاوز 50 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين”.
وتصبح الواقعة جريمة لا تغتفر “إذا وقعت الإهانة على محكمة أو على أحد أعضائها وكان ذلك أثناء انعقاد الجلسة، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن 5 سنوات، ولا تزيد المدة على 7 سنوات، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تُجاوز 100 ألف جنيه”.
تحصين موظفي الجباية
من جهته اعتبر الخبير القانوني والدستوري محمد علي المصري، مشروع القانون الجديد بمثابة “تحصين موظفي الجباية وموظفي الضبطية، ويهدف إلى إيجاد صراع مجتمعي وصراع طبقي، وهو ما يجعل الموظف دائما ينظر إلى السلطة الأعلى نظرة استرضاء وموالاة من أجل الاستقواء بها على الطبقات الأخرى، وهذه الأمور من طبائع وأدوات الاستبداد المعروفة”.
وأضاف المصري في حديثه للجزيرة نت، أن القوانين السابقة الخاصة بحماية الموظف أثناء تأدية عمله، ومنع الاعتداء عليه كافية جدا، مضيفا “لكن زيادة الضغط على المواطنين بزيادة الجباية؛ يستلزم زيادة الضغط من جهة أخرى للإرهاب والتخويف، حتى يظل المواطن المصري دائما تحت الضغط الخوف”.
وتصاعدت موجات الغضب الشعبي مؤخرا مع استمرار التدهور الاقتصادي وانتهاكات حقوق الإنسان، وانعكس ذلك على مواقع التواصل حيث تصدر وسم “مش عايزينك” موقع تويتر لليوم الخامس على التوالي، وذلك ردا على تصريحات سابقة للسيسي قال فيها إنه مستعد للرحيل إذا طلب المصريون منه ذلك.
الانفجار قادم
بدوره أرجع كريم نوبي الباحث العمالي بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، التوسع في قانون العقوبات إلى أن “النظام العسكري يريد أن يحصن نظامه بأي قوانين و تشريعات؛ لأنه لا يريد أن يترك اي مساحة حتى لو كانت صغيرة للنقاش أو إبداء الرأي، أو الاعتراض، وكأن الموظف هو مندوب الحاكم السامي”.
وعما إذا ما كانت السلطات تخشى من خروج المصريين عن صمتهم، أكد النوبي أن الشعب الذي خرج في عام 1977 لرفض القرارات الاقتصادية التي أقرها الرئيس الراحل أنور السادات، هو الشعب الذي خرج في المحلة عام 2008 رفضا للسياسات الحزب الوطني المنحل، وهو أيضا الشعب الذي خرج في ثورة 25 يناير 2011 ضد الرئيس الراحل حسني مبارك يطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
وفي حديثه للجزيرة نت قال الباحث العمالي إن مثل هذه القوانين والتشريعات لا تتناسب مع حجم الجرم، وتعد إسرافا غير مقبول في العقوبة، مشيرا إلى أن النظام قد ينجح في تأخير صيحة الشعب لكن لا يمكن أن يمنعها، وعلى المشرع أن يدرك أنه سيفتح بابا كبيرا لاستغلال بعض أصحاب المصالح للقانون.
وفي النصف الثاني من عام 2016، أشعلت فواتير الكهرباء غضب المصريين، لكن ما غضبوا منه آنذاك كان أقل بكثير مما يدفعونه حاليا حيث زادت فواتيرها المرة تلو الأخرى.
وأكد السياسي المصري والبرلماني السابق، عز الدين الكومي، أن قانون العقوبات المصري كان يحوي بالفعل مواد تحمي الموظف العام من التعدي عليه، وكان الأولى المضي قدما في تحقيق العدالة الاجتماعية.
وقال الكومي إن الضغط يولد الانفجار، لذلك فإن استمرار ضغط السلطة على المواطن عاجلا أم آجلا سيولد الانفجار، ومحاولة العمل على عدم تكرار سيناريو ثورة 25 يناير غير مجد، لافتا إلى أن هناك تقارير دولية تحذر من استمرار الضغط، ولكن العقلية الأمنية لا تتغير في أي مكان أو زمان، حسب الجزيرة.
وأشار السياسي المصري إلى أن العقوبات غير متوازنة قائلا إن النظام يعلم تماما أنه فرض الكثير من الإجراءات القاسية التي تستدعي التوسع في العقوبات وتغليظها أمام غضب أو امتعاض أو تململ المصريين؛ ولذلك فالعقوبات غير متوزانة، والسؤال الضروري هنا هو “من يحاسب النظام على هذا الجور؟”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات