تقرير: العسكر يبتلعون الشركات الحكومية الرابحة بزعم إعادة الهيكلة

قال تقرير لموقع “الاستقلال”، “في تغول جديد لأحدث أذرع الجيش المصري الاقتصادية، أقدم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية، على الاستحواذ على شركة “العربية لاستصلاح الأراضي”، وهي واحدة من أقدم وأربح الشركات الحكومية الزراعية، في صفقة مثيرة للجدل”.

الاستحواذ الذي جرى في 18 أغسطس 2025، تم في غياب أي منافسة أو شفافية، وبقيمة لا تعكس مكاسب “الشركة العربية” التي حققت أرباحا جيدة في ميزانيتها الأخيرة، مما يثير تساؤلات حادة حول سر الإصرار على ابتلاع مؤسسة حكومية رابحة تحت ذريعة “إعادة الهيكلة“.

غياب الرقابة والمحاسبة

كما أن الصفقة تعكس واقعا مريرا يتمثل في غياب الرقابة والمحاسبة على أنشطة الأجهزة العسكرية الاقتصادية، في وقت يطالب فيه صندوق النقد الدولي وخبراء الاقتصاد بضرورة انسحاب الجيش من الاقتصاد وترك المجال للاقتصاد المدني والقطاع الخاص.

 

وما يزيد الصورة قتامة أن جهاز “مستقبل مصر” لم يكتف بالسيطرة على شركات استصلاح الأراضي، بل تمدد خلال سنوات قليلة من الأراضي إلى البحيرات.

ومن مشروعات التصنيع الزراعي إلى احتكار استيراد القمح والسلع الإستراتيجية، حتى صار جهازا واحدا يمسك بمفاتيح غذاء المصريين، بلا ضوابط أو مساءلة.

ومما تتضمنه تفاصيل الصفقة التي أعلن عنها الجهاز التابع للجيش، أنه استحوذ على 89.66 بالمئة من أسهم الشركة العربية لاستصلاح الأراضي، إحدى أعرق شركات قطاع الأعمال الزراعية بمصر، مقابل 23.3 مليون جنيه فقط (أكثر من 4 ملايين دولار)، وفقا للإفصاح المقدم إلى البورصة المصرية.

وقد وصفت بكونها “سطوا ناعما” على المال العام، إذ جرى تقييم السهم عند 5 جنيهات بالقيمة الدفترية، بينما كان سعره السوقي يتجاوز 106 جنيهات عند إغلاق جلسة التداول الأخيرة، أي أن الجهاز اشترى الشركة بما لا يزيد على 5 بالمئة من قيمتها الحقيقية.

وأن الأسهم المباعة كانت مملوكة لـ الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي وأبحاث المياه الجوفية، وهي شركة حكومية يملكها الشعب دستوريا.

وبذلك يكون الجهاز قد استحوذ على شركة رابحة حققت في 2024 نحو 18 مليون جنيه (أكثر من 3 ملايين دولار) أرباحا صافية من إجمالي إيرادات بلغت 152 مليون جنيه، بثمن بخس لا يتناسب مع أصولها ولا مع نتائجها المالية.

شركة مربحة

وتولت شركة “إي إف جي هيرميس” مهام نقل ملكية أسهم “العربية لاستصلاح الأراضي” إلى جهاز مستقبل مصر عبر البورصة المصرية.

وبحسب بيان البورصة، جاءت الصفقة تحت غطاء “خطة إعادة الهيكلة”، وهو التبرير الرسمي الذي استخدم لتسويغ بيع الأسهم بالقيمة الدفترية القليلة، وهو ما وفر للجهاز العسكري وللشركة المبيعة إعفاء عمليا من الرسوم والضرائب والعمولات المرتبطة بالصفقات السوقية.

أما الشركة العربية نفسها، فهي ليست كيانا هامشيا بل مؤسسة راسخة في قطاع استصلاح الأراضي، تأسست بموجب القرار الجمهوري رقم 1016 لسنة 1964 كشركة مساهمة مصرية.

وعلى مدار عقود، خضعت لتغييرات إدارية متتالية، حيث ألحقت عام 1983 بـ”هيئة القطاع العام للتعمير”، ثم نقلت عام 1987 إلى “هيئة القطاع العام لاستصلاح الأراضي“.

ومع صدور قانون شركات قطاع الأعمال العام عام 1991 أصبحت إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة لاستصلاح الأراضي، قبل أن تدمج لاحقا في الشركة القابضة للأشغال واستصلاح الأراضي.

ورغم هذه التحولات، ظلت “العربية” حاضرة في السوق وتحقق نتائج إيجابية.

بمعنى آخر، لم تكن الشركة خاسرة أو على وشك الانهيار كما يروج مبررو الاستحواذ، بل كيان اقتصادي قائم ومربح، وهو ما يجعل بيعها بالقيمة الدفترية أشبه بعملية نقل أصول عمومية إلى ذراع عسكرية بسعر لا يذكر.

ومطلع عام 2025، صدر القانون رقم 170 لتنظيم ملكية الدولة في الشركات، ليحدث تحولا جذريا في قواعد ملكية القطاع العام.

ونص القانون على إلغاء المادة 27 من قانون هيئات القطاع العام وشركاته، والتي كانت تحظر على الأشخاص العامة والشركات وبنوك القطاع العام التصرف في أسهم شركات القطاع العام إلا فيما بينها.

وبإلغاء هذا القيد التاريخي، فتح الباب واسعا أمام إعادة توزيع ملكية الشركات العامة بعيدا عن رقابة المجتمع، لتصبح عرضة للاستحواذ من جهات غير خاضعة للشفافية، وفي مقدمتها الأجهزة العسكرية.

 وهكذا تحول القانون الجديد إلى الثغرة التشريعية التي نفذت منها أذرع الجيش للسيطرة على مؤسسات وشركات حكومية، مثل ما جرى في حالة الشركة العربية لاستصلاح الأراضي.

القانون لم يتوقف عند ذلك، بل مد مظلته لتشمل جميع الشركات التابعة للجهاز الإداري للدولة والوحدات المحلية والأجهزة ذات الموازنات الخاصة والهيئات الخدمية والاقتصادية.

 

شاهد أيضاً

حماس في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي: جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم

 أكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس، يوم الأربعاء، أنَّ جرائم الاحتلال لن تسقط بالتقادم ولن تفلح …