تقرير: تضارب داخل القيادة العليا في السودان بشأن النزاع على سد النهضة

كشفت مصادر مصرية سودانية أن تذبذبا من جانب وميلا من جانب آخر، يميزان موقف القيادة العليا في السودان من الموقف المصري حيال سد النهضة، ظهرت بمجموعة من الإجراءات والقرارات خلال الأسابيع الماضية.
وأبرزها بحسب المصادر؛ إبلاغ إثيوبيا السودان رسمياً موعد ملء سد النهضة في يوليو المقبل، مستثنية مصر ودون اتفاق معها، ثم إعلان رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، الأسبوع الماضي، أن الخرطوم ملتزمة بنص واشنطن كـ”مرجع” للاتفاق النهائي بشأن ملء وتشغيل السد، رغم أن السودان في مارس الماضي سجل اعتراضًا رسميًا على قرار اقترحته مصر على جامعة الدول العربية لدعم كل من مصر والسودان في النزاع، وجاء تمرير القرار في نهاية المطاف دون توقيع السودان.

غياب الاتفاق
موقع “مدى مصر” نسب معلوماته إلى “المصادر المطلعة” من الجانبين المصري والسوداني، وقال: “إن سبب تعقد موقف السودان المتذبذب يرجع إلى عدم وجود اتفاق داخل القيادة العليا في الخرطوم بشأن النزاع على السد”.

وأوضح الموقع أن عسكر السودان ممثلا في عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، ومحمد حمدان دقلو “حمديتي”، يميلان إلى تبني الموقف المصري فيما يتعلق بنص الاتفاقية، في حين يبدو حمدوك أكثر انسجامًا مع إثيوبيا، بحسب مصادره.
وأوضح أن “حمدوك” عاش في إثيوبيا لسنوات، كما عاش عدد من أقرب مساعديه هناك، ولديه علاقات وثيقة مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، وفقًا لدبلوماسي أوروبي في القاهرة يتابع تطورات سد النهضة عن كثب.

السيسي والبرهان

وقال مسؤول مصري مطلع إن حمدوك كان رجل السودان الأساسي في مشروع السد، لكن البرهان وافق على الانخراط بشكل أكبر في القضية بناءً على طلب مباشر من عبدالفتاح السيسي، بحسب تقرير “مدى مصر”.
وأشار المصدر نفسه أن مصر عرضت بالتفصيل عددًا من الحوافز الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يمكن أن تقدمها للسودان مقابل التعاون في النزاع بشأن السد.

وأكد المصدر تريبه من الوصول إلى نتيجة وترجيحه أن السودان سيسير عكس ما تتطلع مصر وقال: “لقد بدأت عملية جيدة، ولكن لأكون صريحًا، لست على ثقة من أننا سنصل بالفعل إلى حيث نريد”.
وبالنسبة لتطلع مصر في نهاية المطاف إلى إقناع السودان بالتوقيع على نص الاتفاق الذي جرى التفاوض عليه في واشنطن في فبراير الماضي. شدد المصدر – المقيم بالخرطوم- “هذه النتيجة تبدو غير مرجحة”.

حمدوك وآبي أحمد
وأوضح “مصدر الخرطوم”، أن “الضغط لن يؤدي إلى أن يذهب حمدوك إلى هذا الحد.. قد يقدم بعض التنازلات لاستيعاب المجلس السيادي، لكنه لن يصل إلى حد الخلاف مع أبي أحمد”.
وكشفت التقرير أن مصادر في مصر والسودان قالت إن أبي أحمد يدعم حمدوك ضد البرهان وحميدتي، بسبب انحيازه إلى إثيوبيا. وتشير المصادر كذلك إلى موافقة أبي أحمد الضمنية على اتفاق جرى يوم الأحد، يقضي بأن تسلم إثيوبيا منطقة «الفشقة» الحدودية إلى السودان، الأمر الذي قد ينهي نزاعًا استمر قرابة 30 عامًا بين البلدين.

وأشار التقرير إلى عناصر تقارب كبيرة بين السودان واثيوبيا ومنها “صفقات إمدادات الطاقة” التي تلعب دورًا هامًا كورقة مساومة في يد كل من مصر وإثيوبيا، مبينا أنه من المتوقع أن يمنح السد الضخم إثيوبيا فائضًا في الكهرباء يمكن أن يستفيد منه السودان بإمدادات رخيصة من الطاقة.
وأشار إلى أن القاهرة توصلت مؤخرًا إلى اتفاق لتزويد السودان بالكهرباء، وتم ربط شبكتي الكهرباء في الدولتين رسميًا في وقت سابق من الشهر الجاري.

مصالح مع اثيوبيا
يقول “مصدر الخرطوم”: “السودان يتفق حاليًا مع إثيوبيا على بعض النقاط الشائكة الرئيسية في النزاع، من بينها مطالبة إثيوبيا بالحفاظ على مستوى معين من المياه في خزان السد”.

ويضيف “ستفقد مصر جزءًا من حصتها السنوية من المياه. وربما نفقد نحن أيضًا جزءًا من حصتنا السنوية من المياه، ولكننا سنعمل على تنظيم الفيضانات بطريقة تساعدنا على إدارة مخططاتنا الزراعية على نحو أفضل، ومن المقرر كذلك أن نحصل على كهرباء رخيصة إلى حد كبير وهو أمر ضروري لتنفيذ خططنا التنموية”. مشيرا إلى رغبة السودان “في مساعدة مصر، لكنني في الحقيقة لست متأكدًا كيف يمكننا فعل ذلك”.
وحدد المصدر السوداني الذي تحدث مع “مدى مصر” أن “أفضل ما يمكن أن تفعله الخرطوم هو إقناع أديس أبابا بقبول النص الذي تم التوصل إليه في واشنطن كمرجع لأية محادثات مستقبلية، وهي محادثات قد تستضيفها الخرطوم. وقد يتطلب هذا صياغة اتفاق جديد مستوحى من روح اتفاق واشنطن، وليس نصه، بحسب تعبيره.

تنافس على الولاءات
وقال التقرير إن مصر وإثيوبيا تتنافسان منذ فترة طويلة على النفوذ السياسي في السودان، وأنه أثناء الثورة السودانية في العام الماضي التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير، تنافس الطرفان على موقف الوسيط بين قوى المعارضة والمجلس العسكري الانتقالي برئاسة البرهان. وكان الدافع الرئيسي للبلدين هو مشاركة السودان في مفاوضات السد.

وأشار “المسؤول الحكومي المصري” الذي لم يسمه تقرير “مدى مصر” إلى أن مصر على دراية بـ”الديناميكيات الداخلية في السودان وتحركات إثيوبيا لكسب تأييد الخرطوم”.
وقال: “لسنا واهمين، نحن نعلم أنه عندما يأتي حمدوك إلى القاهرة في وقت لاحق من هذا الشهر بعد زيارته لإثيوبيا، فإنه ربما يحمل نسخة جديدة من الاقتراح الإثيوبي لاستئناف عملية التفاوض”.
وشدد على أن مصر “لن توافق على الدخول في عملية مفاوضات مفتوحة، وتدور في دوائر مغلقة، هذا مرفوض”.

دوائر مغلقة
ويعتقد المسؤولون المصريون بحسب التقرير أن إثيوبيا أصرت على تجنب الالتزام بأي اتفاق تفصيلي يحدد العمليات التي من شأنها حل نقاط الخلاف الرئيسية، ومن بينها كمية المياه التي تمررها إثيوبيا سنويًا، وتدابير التخفيف من آثار دورات الجفاف، ومستويات المياه في سد النهضة والسد العالي بأسوان، وآلية تسوية المنازعات.

كما يعتقدون أن إثيوبيا تتطلع إلى التوصل إلى اتفاق فضفاض وغير محدد، من شأنه أن يسمح لأديس أبابا بتفسيره كيفما تشاء.

ونسب التقرير إلى مفاوض مصري سابق أنه “كان هذا هو الحال منذ بداية المحادثات المبكرة بشأن بناء سد في إثيوبيا عام 2008″، مضيفا “لم يكونوا واضحين أبدًا بشأن ما يعتزمون فعله حقًا أو بشأن طريقة تنفيذه”.

وطالب المسؤولون المصريون بوضع آليات واضحة في أي اتفاق نهائي.
يقول المسؤول المصري  لمدى مصر “لا يمكننا تجاهل احتمال أن إثيوبيا ترغب وحدها في تحديد كمية المياه التي تمررها لنا وللسودان سنويًا” مضيفا “القاهرة مستعدة للجلوس لإجراء محادثات مع كل من إثيوبيا والسودان، لكن يجب أن يكون نص واشنطن جزءًا لا يتجزأ من المفاوضات. سنجلس ونستمع، لكننا لن نوافق أبدًا على بدء عملية تفاوض جديدة كاملة، وكأن شيئًا لم يكن”.

حظوظ واشنطن

وعن احتمالات قيام الولايات المتحدة بالوساطة في جولة أخرى من المحادثات للتوسط في اتفاق نهائي بين الأطراف الثلاثة في المستقبل القريب أمر مشكوك فيه، قال “مدى مصر” إن البعض يعتقد أن أزمة فيروس كورونا ستكون قد هدأت بحلول يوليو المقبل على نحو يسمح لتدخل واشنطن، وعندها قد تقرر إثيوبيا الشروع في ملء الخزان في ظل عدم التوصل لاتفاق نهائي.
ومن جانب آخر أشار التقرير إلى أنه من جانب آخر، فإن الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر قد تؤدي إلى صرف انتباه إدارة ترامب عن نزاع سد النهضة. وفي حالة خسارة الرئيس دونالد ترامب الانتخابات، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تحفل كثيرًا بالنص الذي تم التوصل إليه في واشنطن.

وخلصت إلى أن المسؤولين المصريين يواصلون جهودهم الدبلوماسية ومساعيهم غير الرسمية في محاولة لتجنب الأزمة قبل فوات الأوان.

شاهد أيضاً

القدس الدولية تحذر من تراجع غير مسبوق في أعداد حراس الأقصى

حذرت “مؤسسة القدس الدولية” الثلاثاء، من تراجع تاريخي وغير مسبوق في أعداد حراس المسجد الأقصى …