أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، نص الترجمة العربية لتقرير “كالنار في الهشيم: نمو التطرف العنيف داخل السجون المصرية”، الصادر عن منظمة هيومن رايتس فيرست، والمنشور في فبراير الماضي.
ويستند التقرير إلى شهادات مروعة جمعها باحثون هيومن رايتس فيرست، من سجناء سابقين في مصر، تعكس كيف أن السجون المصرية قد تحولت- في السنوات الأخيرة في ظل حكم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي – لبؤر تجييش لجماعات التطرف العنيف.
وتتوافق استنتاجات تقرير منظمة هيومن رايتس فيرست مع استنتاجات مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في كتابه الصادر عام 2017 “النُظم التسلطية العربية حاضنة الإرهاب”، والذي درس العلاقة بين السياسات الاستبدادية والأسباب الجذرية للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
مرجع هام لدراسة ظاهرة التطرف
والتقرير المترجَم يعد وثيقة ومرجع هام للمنظمات والباحثين والأكاديميين والصحفيين الاستقصائيين المعنيين بدراسة ظاهرة التطرف العنيف ونموها في مصر والمنطقة ككل، مسلطًا الضوء على دور السياسات القمعية عمومًا والسياسات المتبعة في السجون على وجه التحديد في دعم الإرهاب والتحريض عليه.
كما يثير التقرير بعض الإشكاليات المتعلقة باستغلال الديكتاتوريات في المنطقة للإرهاب من أجل تأسيس وتعزيز شرعياتها؛ ومن ثم تغذية هذا الإرهاب بسياستها الوحشية، كما يتضح بشكل صارخ في سجون مصر وأوضاع السجناء غير الإنسانية.
ويتحول ضحايا حرب الحكومة المصرية على الإرهاب إلى مقاتلين ينضموا بأعداد متزايدة للجماعات المتطرفة العنيفة، وهذه نتيجة متوقعة للسياسات الوحشية التي تتذرع بمكافحة الإرهاب في منطقة سيناء، والتي تستهدف بشكل متزايد المواطنين المسالمين الذين وإن لم يكنوا أي تعاطف مع ممارسات التطرف العنيف من قبل، قد يدفعهم القمع إلى تبني أيديولوجيات راديكالية.
وسيلة للانتقام
وينقل التقرير تجربة لرجل من سيناء قُتلت أسرته ودُمر منزله في تفجير عسكري، وشاب أخر- ابن ضابط جيش – تم اعتقاله وتعذيبه لمجرد وجوده صدفة في المكان الخاطئ، وقد طور كلاهما داخل السجن علاقات مع متطرفين وأعضاء في تنظيم داعش، انتهت بتورط الشاب في ارتكاب الهجوم الانتحاري الذي شنه تنظيم داعش عام 2016 على كنيسة قبطية في القاهرة، وخلّف عشرات القتلى المدنيين.
وبحسب التقرير فقد مثلت الجماعات المتطرفة العنيفة بالنسبة للرجلين الوسيلة الوحيدة الواضحة للانتصاف والانتقام من الظلم الجسيم بحقيهما.
وهذا الاستنتاج المحزن والمرفوض . لهؤلاء وغيرهم- ممن يعرض التقرير قصصهم- ليسوا مجرد حالات فردية استثنائية، بل هم نتاج طبيعي لـ “النهج التقليدي الذي لا يرى إلا الجانب الأمني العسكري والذي ينتهي إلى إشعال التطرف في ظل المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفشية في المنطقة العربية، ما يخلق سياقا متقلبا يزيد من تفاقمه السياسات القمعية والمهمِّشة.
وقال التقرير إن تأثير الجماعات المتطرفة العنيفة واضح بشكل خاص في سجون مصر، التي أصبحت، في السنوات الأخيرة وحشية وغير إنسانية بشكل لم يسبق له مثيل، الأمر الذي منح تنظيم داعش قوة مضاعفة في ظل الظروف المتدهورة للسجون المصرية ملبيًا رغبة السجناء – بعد تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة – في الحماية والانتقام، مستغلاً مشاعر اليأس والخذلان السائدة بينهم، ومعولاً على غياب أي بديل سلمي يمكن أن يؤدي إلى التغيير في مصر.
وشدد التقرير على أن المجتمع الدولي، قد فطّن مؤخرًا إلى الأدلة المتزايدة المؤكدة على تنامي الإرهاب والتطرف العنيف بسبب سياسات السيسي القمعية عمومًا وظروف السجون المصرية على وجه خاص.
ففي 2017 كتب أعضاء من مجلس الشيوخ من الحزبين الأمريكيين خطابا يحث الإدارة الأمريكية على مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وإلا فعليها أن تقبل خطر “إدامة الظروف التي تساعد على تنامي التطرف العنيف والإرهاب.
هذا التحذير الأمريكي عزز وجهة نظر مدير مركز القاهرة بهي الدين حسن، في مقدمة كتاب النُظم التسلطية العربية حاضنة الإرهاب، بأنه لم يعد بإمكاننا تجاهل العلاقة بين انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الإنسانية التي ترتكبها بعض الحكومات وبين تصاعد التطرف وانتشار الإرهاب.
وفيما لا توجد أرقام محددة متاحة لعدد المحتجزين لأسباب سياسية في السجون وأماكن الاحتجاز في مصر، أدعى السيسي في مقابلة تلفزيونية بثها برنامج سي بي إس الإخباري ”60 دقيقة“ في يناير 2019، أن مصر لا تحتجز أي سجناء سياسيين، بينما تقدر هيومن رايتس ووتش عدد السجناء السياسيين بأكثر من 60 ألف سجين.
الانتقام والحماية
السجون المصرية أماكن خطيرة وعنيفة، لذا فالانتقام والحماية كانا- بحسب مقابلات هيومن رايتس فريست- أكثر محفزات الانضمام لداعش، قبل الأيديولوجيا، فالرغبة في الانتقام من سلطات السجن، وأجهزة الأمن المصرية بشكل عام، إلى جانب الحماية التي يقدمها تنظيم داعش لأولئك المنضمين له هما أبرز الأسباب، خاصة في ظل الشيوع النسبي للمشاجرات الجماعية بين سجناء داعش وسجناء الإخوان المسلمين، إذ يشعر باقي السجناء بحماية أكبر إذا انضموا لأحدى المجموعتين.
بحسب السجين السابق محمد نبيل العضو بحركة 6 أبريل، أنه أثناء احتجازه عام 2015، كان المحتجزون ينتقلوا لزنازين سجناء داعش بعد تعرضهم للتعذيب بالصدمات الكهربائية، إما بالهراوة الكهربائية أو باستخدام سلكين موصولين بالجدار ومثبتان على الجلد العاري. هذا بالإضافة إلى اغتصاب بعض المعتقلين بهراوة كهربائية، وتعليق بعضهم من الأطراف في السقف وصعقهم بالكهرباء.
ويؤكد نبيل: ”رأيت ذلك بعيني.“ ويتابع: ”قابلت في السجن رجلاً يطلق عليه أمير سيناء، قصفت القوات الجوية المصرية منزله في سيناء، مما أدى لمقتل زوجته وأطفاله وحروق في جسده، وتم اعتقاله لمدة عام وتعذيبه على أيدي قوات الأمن، وبمجرد مغادرته السجن انضم فورًا لداعش.“ وتابع نبيل: ”وكنت في زنزانة مع رجل آخر من القاهرة، كان متظاهرًا سلميًا لكنه احتُجز لمدة عامين، معظمهم في زنزانة انفرادية، قبل أن ينتقل لزنزانتنا، حيث أخبرني أنه تعرض للتعذيب وانضم لتنظيم الدولة الإسلامية.
وتعكس روايات السجناء السابقين في مصر، كما جمعتها هيومن رايتس فيرست، مشكلة خطيرة، تتمثل في تعاظم قدرة تنظيم داعش على تجنيد المزيد داخل سجون مصر، مستغلاً إساءة معاملة المعتقلين وتعذيبهم، واعدًا مناصريه بالتمكين من الانتقام.
وبينما تتجاهل السلطات المصرية هذه الأزمة، يبدو أن الجماعة المتطرفة توسع من سيطرتها على السجون في مصر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات