توقعات مركز «ستراتفور» الاستخباراتي الأمريكي لعام 2018

بانتهاء عام 2017 ينشر مركز «ستراتفور» الاستخباراتي الأمريكي تقريره السنوي حول توقعات السياسة العالمية عام 2018 مفردا قسما خاصا للتنبؤ بمسارات الأحداث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

توقعات المركز الشهير حول سياسات المنطقة تعتبر أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هما مفترق الطرق في العالم.

وتشمل المنطقة شبه الجزيرة العربية، وجبال إيران، وسهول تركيا، وصحارى بلاد الشام، والأراضي الواقعة شمال الصحراء، وجميع السواحل بينها.

وتُختصر قصة المنطقة – كما هو الحال في كثير من الأماكن العالقة بين اللاعبين الأجانب – في التنافس التجاري والصراعات.

والقوى التقليدية في المنطقة هي تركيا وإيران, وتعد السعودية ومصر  القوى العربية الأبرز حاليا، وبسبب المنافسة بين هذه القوى للتأثير على الدول الأضعف في المنطقة, تصبح منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ساحة للعنف وعدم الاستقرار.

تحالف غير مكتمل ضد إيران

سوف تدخل الولايات المتحدة العام الجديد وفي نيتها السيطرة على الأوضاع في العراق, ويشارك البيت الأبيض الكونجرس والبنتاجون التصميم القوي على تقويض شبكة النفوذ الهائلة التي بنتها إيران عبر الشرق الأوسط من خلال صلاتها بمجموعة من الجماعات السياسية والمتشددين.

وإذ من المحتمل أن تحقق كوريا الشمالية الردع النووي في عام 2018، فقد زاد عزم واشنطن على وقف طهران عن السير في نفس مسارها الخطير.

وليست الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تنظر إلى أنشطة إيران بقلق, فالسعودية؛ العدو الإقليمي لإيران, تتابع بقلق شديد انتشار النفوذ الشيعي, ولو ببطء, عبر فنائها الخلفي على مدى الأعوام القليلة الماضية.

وبغض النظر عن حملة واشنطن المتجددة ضد خصمها، ستغتنم الرياض الفرصة لتحدي طهران في إطار محاولات السيطرة على الشرق الأوسط.

وإدراكا منها لفرصتها الخاصة، ستدعم (إسرائيل) السعودية والولايات المتحدة على أمل دحر عدوهم المشترك.

وبهذا، تقوم (إسرائيل) بعلاقة أكثر علنية مع السعودية، وكانت تلك العلاقة موجودة تاريخيا خلف الكواليس وفي الظلال.

مصير الاتفاق النووي

وبينما يزداد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) سوف تكون «على كف عفريت»، على الرغم من أنها ستبقى على قيد الحياة هذا العام.

ويهدف هذا الاتفاق إلى وقف برنامج تطوير الأسلحة النووية في إيران، وقد امتثلت إيران لشروطه في معظم التقديرات، بما فيها تقدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وطالما بقيت إيران في حالة امتثال، فإنها ستستفيد من تخفيف العقوبات، وكذلك من القدرة على تلقي الاستثمارات الأجنبية وتصدير النفط.

لكن البيت الأبيض يعتقد أن الاتفاق ليس قويا بما فيه الكفاية لاحتواء طموحات إيران النووية، وليس شاملا بما فيه الكفاية لعرقلة برنامج طهران للصواريخ الباليستية ورعاية الإرهاب أو دعم الجماعات المسلحة مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

وأشار الرئيس الأمريكي ترامب إلى عزمه على مواجهة إيران بشأن هذه المسألة، عندما ألغى تأكيد خطة العمل الشاملة المشتركة في أكتوبر الماضي.

وبالنسبة لطهران، أكدت هذه الخطوة شكوكها – منذ فترة طويلة – في أن واشنطن ليست مفاوضًا ذا مصداقية.

ولدى مختلف فروع الحكومة الأمريكية أفكار مختلفة حول كيفية التعامل مع خطة العمل الشاملة، وهو ما سوف يضيف فقط إلى الإشارات المختلطة القادمة من واشنطن.

وسيتخذ الكونجرس من جهته خطوات لفرض عقوبات جديدة على إيران، مع الحرص على عدم انتهاك الاتفاق.

أما ترامب، فقد أحاط نفسه بعناية بصقور السياسة الأكثر استعدادا لانتهاك الاتفاق، بغض النظر عما إذا كانت أنشطة إيران ملتزمة ببرنامجها النووي، في محاولة لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن شأن موقفهم المتشدد تجاه إيران أن يسرع من تدهور علاقة واشنطن مع طهران.

وبتجريد الضمانات الأمنية الواردة في الاتفاق من مضمونها، ستضع الولايات المتحدة نفسها على مسار تصادم مع إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

ومع استعداد البيت الأبيض لتهديد الصفقة، سيعيد ذلك إحياء بارانويا طهران القديمة، لمواجهة ما تعتقد أنه جهد متضافر من جانب الولايات المتحدة والسعودية و(إسرائيل) لزعزعة استقرارها.

ولن تبادر إيران بالخروج من الاتفاق النووي، خوفا من تدهور اقتصادها مرة أخرى إذا ما  تجددت العقوبات, لكن التهديدات لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» و«التدابير الاقتصادية الأكثر صرامة» الصادرة عن الولايات المتحدة سوف تثير المتشددين في إيران، الذين لا يقدرون الحوار مع الغرب بقدر المعتدلين مثل الرئيس الإيراني حسن روحاني.

وستكون هذه الفصائل قادرة على تأمين المزيد من التمويل للدفاع والدعم الشعبي.

ومع ذلك، فإن الإيرانيين عبر الطيف السياسي حريصون على الحفاظ على الاتفاق النووي سليما، بحيث يمكن للبلاد الاستمرار في تصدير النفط وجذب الاستثمارات من أوروبا والصين وروسيا. وستتجه إيران إلى حلفائها في أوروبا وروسيا للمساعدة في حماية إطار الاتفاق, فبعد كل شيء، كانت العقوبات التي رفعتها خطةُ العمل الشاملة موجهة ضد الشركات الأوروبية أيضًا، وليس إيران فقط.

ونتيجة لذلك، دافع معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق كوسيلة للسماح لمعاملاتهم الاقتصادية مع إيران بالاستمرار، مع كبح برنامج طهران النووي, ولذلك فإن القارة الأوروبية ستناشد الولايات المتحدة تأييد الاتفاق.

وستنضم روسيا إلى أوروبا في دعمها لخطة العمل المشتركة، حيث بدأت العلاقات الوثيقة التي أقيمت منذ عامين من التعاون بينها وبين إيران, في سوريا, تؤتي ثمارها للجانبين.

الحرب السورية

وبقدر اكتساب روسيا وإيران أرضًا في سوريا، فقد خسرت السعودية والولايات المتحدة تلك الأرض.

ولكن على الرغم من تراجع نفوذها على الجماعات المسلحة في البلاد، ستبحث واشنطن والرياض عن سبل للاستفادة من الحرب السورية الشاقة لتقويض طهران.

وأدت 6 أعوام من الصراع في سوريا, إلى جانب القتال ضد تنظيم الدولة إلى خروج عدد كبير من الميليشيات المدعومة من إيران تنتشر في جميع أنحاء بلاد الشام.

وتحرص إيران على استخدام هذه الجماعات لاستكمال الجسر البري الذي يربطها بالبحر الأبيض المتوسط ​​للمرة الأولى منذ أن حكمت الإمبراطورية الساسانية بلاد فارس في القرن السابع.

إلا أن الولايات المتحدة والسعودية و(إسرائيل) عازمة على القضاء على حلفاء طهران المحليين.

وقد يكون حزب الله, وهو جماعة مسلحة لبنانية وأحد أقوى الشركاء غير الحكوميين لإيران, الهدف الرئيسي لهذه الحملة.

وعلى الرغم من أنه سيكون من الصعب جدا عزل المجموعة والضغط عليها في وطنها، فإن حزب الله أكثر عرضة للعمل العسكري ضده في سوريا، حيث يحارب إلى جانب قوات بشار الأسد.

وطالما استمرت الحرب، سيكون لدى (إسرائيل) نافذة لضرب الحزب، وهي تتمتع – في ذلك – بدعم الولايات المتحدة والسعودية.

وفي معظم الأحيان، حققت الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية السورية – إلى حد كبير – هدفها المتمثل في ضرب تنظيم الدولة الذي فقد مساحات كبيرة من الأراضي في سوريا والعراق طوال عام 2017.

ومع هزيمة عدوهم المشترك، سيتعين على الأطراف أن تواجه القضايا الأكثر تعقيدا وحساسية التي أثارها الصراع.

وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار ما زال غير محتمل العام المقبل، فإن الجولات المستقبلية من محادثات السلام قد تسفر في النهاية عن ترتيب لتقاسم السلطة، تحتل دائرة «الأسد» الداخلية فيه مكانا، ويبدأ من خلاله عملية صياغة الدستور.

ومع ذلك، فإن أي اتفاق توافق عليه دمشق سيكون في معظمه عملية تجميلية، وأي اتفاق يؤكد سلطة الأسد سوف يرفضه المعارضون.

وبغض النظر عن ذلك، فإن روسيا عازمة على إيجاد مخرج سريع من الصراع يحمي المكاسب التي حققتها على مدى العامين الماضيين.

وللقيام بذلك، سيتعين عليها كبح جماح الحكومتين الإيرانية والسورية، اللتين تهتمان بضمان انتصار عسكري كامل أكثر من التوصل إلى حل تفاوضي.

وسيتعين على روسيا أيضا أن تبقى على حوار مفتوح وعملي مع تركيا، التي لديها طموحاتها الخاصة في سوريا.

ويعد هدف أنقرة الأساسي هو منع ظهور دولة كردية على طول حدودها الجنوبية، من خلال الحفاظ على تقسيم القوات الكردية في المنطقة.

ونتيجة لذلك، ستركز مفاوضات روسيا مع تركيا في العام المقبل على مصير الأكراد السوريين الذين طالبوا بمنطقتهم المستقلة.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها، ستلعب روسيا دورا عسكريا ودبلوماسيا بارزا في سوريا عام 2018, إلا أن قدرتها على التدخل في شؤون الشرق الأوسط على حساب الولايات المتحدة لن تقتصر على سوريا, إذ ستوسع روسيا نطاق وصولها إلى زوايا أخرى في المنطقة، من خلال تعزيز روابطها الاقتصادية والسياسية مع دول الخليج العربي، إضافة إلى مصر والعراق وليبيا وتركيا.

التدافع في ساحة المعركة

وقد يكون المد والجزر في الحرب الأهلية السورية قد تحول لصالح إيران، ولكن السعودية قد تكون أفضل حظا في ساحات القتال الأخرى؛ المادية والسياسية على حد سواء, في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى أمل الاستفادة من العداء الأمريكي المتجدد تجاه إيران، ستحاول السعودية مواجهة النفوذ المتنامي لمنافستها بين جيرانها الأضعف، مثل اليمن والعراق ولبنان.

ومع ذلك، فإن مضاعفة جهود السعودية ستتمثل في محاولة الرياض حشد حلفائها السنيين المتشابهين في الرأي ضد إيران الشيعية.

وعلى الورق، يعد شركاء السعودية أقوى بكثير من وكلاء إيران الضعفاء, ولكن في الممارسة العملية، هم أقل موثوقية.

وسوف تكافح المملكة لتجميع الدعم الذي تحتاجه لقيادة أي عمل ملموس ضد إيران.

وبسبب هذا الفشل – على الأقل جزئيا – ستواجه السعودية صعوبة في دحر الوجود العسكري الإيراني في سوريا والعراق، حيث تفتقر المملكة إلى القدرات اللازمة للتفوق على إيران وحلفائها.

وقد تكون اليمن مكانا مرجحا لأن تنجح السعودية.

واتخذت الحرب الأهلية في البلاد منعطفا مفاجئا نهاية عام 2017، عندما قتل المتمردون الحوثيون حليفهم السابق؛ الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وأدت وفاته إلى تخلي العديد من أتباعه عن التحالف مع الحوثيين، وربما يتحول زخم المعركة لصالح تحالف مجلس التعاون الخليجي الذي تقوده السعودية، إذا حمل أتباع صالح السلاح ضد الحوثيين.

وفي كلتا الحالتين، سيكون الحوثيون أكثر يأسا من أي وقت مضى للحصول على المساعدات من إيران على المدى القصير، وسوف يكون مجلس التعاون أكثر تصميما من أي وقت مضى على منعهم من الحصول عليها.

وبذلك، يصبح اليمن مركزا لحرب عنيفة بالوكالة بين مجلس التعاون الخليجي وإيران، حيث يكثف التحالف جهوده لتخفيف قبضة الحوثيين على العاصمة صنعاء.

والآن، بعد أن بدأت الانقسامات داخل تحالف المتمردين، فإن التوصل إلى تسوية سياسية للصراع سيكون بعيد المنال، خاصة وأن أصحاب المصالح الآخرين في اليمن؛ بما في ذلك الانفصاليون الجنوبيون, سيغتنمون الفرصة للضغط لأجل مطالبهم السياسية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …