تونس ..إقبال كبير من العائلات على تسجيل أطفالهم فى الكتاتيب

تشهد الكتاتيب في تونس خلال العامين الأخيرين عودة قوية، ويسجّل عددها تزايداً ملحوظاً وفق أرقام وزارة الشؤون الدينية المشرف المباشر عليها.

وفي انتظار نهاية السنة للحصول على الإحصاءات الرسمية، شهد العام الدراسي إقبالا أكثر من العام الماضي. وبالأرقام بلغ عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و5 سنوات والذين ألحقهم ذووهم بالكتاتيب في السنة الدراسية الماضية، 47 ألف طفل في مقابل 35500 طفل في السنة الدراسية السابقة.

ويبلغ عدد الكتاتيب في مختلف المحافظات 1664 كُتّاباً يشرف عليها «مؤدّبون ومؤدّبات» من أصحاب الشهادات العليا، 60 في المئة منهم من النساء.

ويوضح رمزي السالمي، رئيس مصلحة الكتاتيب القرآنية في وزارة الشؤون الدينية، أنّ الوزارة تعمل على إحداث 1500 كتّاب جديد في السنوات المقبلة، ما يتطلّب تضافر الجهود من أجل الارتقاء بمستواها من خلال القيام بجولات تفقّد دورية ومرافقة وتوجيه تربوي وعلمي، فضلاً عن تنظيم دورات صقل وإعداد في مجالات علم النفس التربوي والتعليم وحقوق الطفل والرعاية الصحية.

ويؤكّد السالمي أنّ «الإقبال الكبير على الكتاتيب أخيراً جعلها غير قادرة على استيعاب الأطفال الذين يرغب أولياؤهم في تسجيلهم».

وتعكف الوزارة على تأهيل عدد من الكتاتيب لإعادة فتحها، سيما وأن وزارة الشؤون الدينية تعتمد في برنامجها المقدّم إلى الأقسام التحضيرية على الوثيقة الإطارية التي أعدتها وزارة التربية، مع المحافظة على خصوصية الكتّاب في تحفيظ القرآن والتربية على آداب السنة النبوية. كما تعدّ الوزارة برنامجاً جديداً للنهوض بهذا القطاع ليواكب التطورات التعليمية الحديثة، وسيتضمن مقاربات تربوية وحقوقية وإسلامية، بغاية توجيه الطفل نحو القيم العربية الإسلامية وتأصيل الكتّاب في تاريخه الحضاري وبُعده الديني، مع تطبيق سياسة الدولة في هذا المجال ودرء أخطار الانغلاق والتطرف.

ويقول محمد علي خليفة (صحفي وأب لطفلين): «لم يعد مفهوم الكُتّاب مقتصراً على صورة «المودّب» الذي يعلّم الأطفال القرآن بسلطة العصا، بل إنّ كتاتيب عدة باتت تخضع لمواصفات تربوية سليمة وتعمل بمناهج تعليمية معترف بها وذات جدوى في تكوين الطفل».

ويضيف: «أنا سجلت ابني في كتّاب مُرخص له منذ مرحلة ما قبل عام 2011، وتشرف عليه مربّية حاملة شهادة جامعية في الاختصاص، وتتولّى تكوين الأطفال لسنتين (التمهيدي والتحضيري). والمهمّ في ذلك أنّ برنامج التدريس لا يقتصر فقط على تحفيظ القرآن كما يتبادر إلى الأذهان، بل يتضمّن تعليماً للحروف وطريقة نطقها وكتابتها وإنتاجها بطريقة إبداعية (باستعمال البريكولاج)، بعيداً من الإملاء والتلقين».

وتابع خليفة: «ما يُميّز الكُتّاب أيضاً أنّ الطفل يستثمر حفظ القرآن على مستويين، أولهما النُطق الصحيح للحروف وثانيهما تعزيز ملكة الحفظ لديه. وبالتالي، فإنّ الكتاتيب المرخّصة التي تعمل وفق مناهج تعليمية سليمة تمثّل حاضنة مهمة لتعليم الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة، بعيداً من الديماغوجية أو ترويج أفكار لا تتناسب وأعمار الأطفال».

فيما يرى غفران حسايني وهو باحث في الحضارة العربية الإسلامية، أنّ «الكتاتيب إذا ما تمّت مراقبة برامجها ومناهج تدريسها، فهي تساهم في إثراء الزاد اللغوي والأخلاقي والفكري للطفل بحفظه للقرآن الكريم».

ويذكر أن «أبرز أدباء العرب ومفكريهم قديماً وحديثاً تعلّموا القرآن في الكتاتيب، ولنا في الأديب التونسي محمود المسعودي نموذجاً. لكن مع هذه الأهمية للحفظ، تجب مراقبة طريقة الفهم حيث يتّسع أفق التفكير عند الطفل تدريجاً من دون الاقتصار على تلقينه فقط»، ناصحاً «رياض الأطفال بألاّ تعتبر عمل الكتاتيب ضرباً من التضييق على نشاطها، بل عليها مراعاة رغبة العائلات في تعليم أبنائها القرآن الكريم بالتوازي مع النشاطات الإبداعية والابتكارية الأخرى».

ويختم حسايني أنّ «المهم أن تكون هناك رقابة ومنهجية عمل تخدم تكوين الطفل التونسي في شتى المجالات. ولا يمكن أن يشكك أحد في أنّ حفظ القرآن يمنح الإنسان قوة لغوية بلاغية وفكرية وتوازن روحي وأخلاقي كبير».

يذكر أن اهتمام الدولة بتنظيم قطاع الكتاتيب تبلّور خلال السنوات التي تلت الثورة، حيث انتشرت الجمعيات والمدارس القرآنية التي كان أصحابها يستغلون تحفيظ القرآن لترسيخ فكر التطرّف لدى الناشئة. ومع تدخّل الوزارة المعنية، عاد إقبال العائلات على تسجيل أبنائهم في الكتاتيب المعتمدة من الدولة خصوصاً أن برامجها التربوية تحدد بالتنسيق مع وزارات التربية والمرأة والأسرة والطفولة والصحة.

شاهد أيضاً

هيئات إسلامية: خطة ترامب تصفية للقضية الفلسطينية

أصدر عدد من المؤسسات والهيئات العلمية والدعوية، إلى جانب عشرات العلماء من مختلف الدول العربية …