ما بين تسريبات متداولة، واتهامات بالخيانة، والحديث عن وجود رهائن لدى منفذي الهجوم، ومطالبات بإقالة وزير الداخلية المصري؛ مجدي عبدالغفار، يتكشف العديد من الثغرات، التي تفاقم مأزق الأمن المصري، وتجعل من سيناريو مذبحة «الحيتان» (المنطقة التي شهدت الاشتباكات) أمرا قابلا للتكرار.
فالاشتباكات العنيفة، وكثافة النيران التي تعرضت لها الحملة الأمنية في صحراء الواحات البحرية، على بعد 135 كيلومترا من القاهرة، أوقعت 58 قتيلا على الأقل، بينهم قيادات رفيعة المستوى، حسبما ذكرت المصادر, وإن كانت وزارة الداخلية قد أعلنت رقما أقل من ذلك, وهي أكبر خسارة للداخلية المصرية منذ نحو 4 عقود تقريبا، مما دفع هذا الحادث ليكون محل تمحيص وتدقيق وتحليل لكشف أهم ماحمله من ثغرات فاقمت خسائره الفادحة بشريا ومعنويا، جراء تداول اتهامات صريحة بالخيانة كانت وراء الجمعة الدامي.
ثغرات ما وراء الكواليس
أولا: أول ما يثير الانتباه ثغرة توقيت العملية التي بدأت الساعة الثالثة عصر الجمعة الماضي، أي قبل غروب الشمس بساعتبن وربع الساعة تقريبا في منطقة جبلية غير مأهولة وغير مضاءة, ولم يكن في صالح الحملة الأمنية، فدخول ستار الليل ضاعف من ورطة قوة المداهمة، التي لم تكن على دراية من الأساس بدروب الصحراء.
ثانيا : اضطرار الحملة إلى الاستعانة بـ«دليل» في منطقة معروفة بكثرة الجبال الصخرية، رجح كفة الخصم، الذي كان على دراية جيدة بالمنطقة، ما منحه ميزة نسبية في إدارة دفة المعركة.
ثالثا: يبدو أن الدقة غابت عن مسؤولي العملية، سواء فيما يتعلق بخط السير، أو طبيعة الخصم، وحجم تسليحه، والدعم اللوجيستي المطلوب، فضلا عن غياب عمليات الاستطلاع، والاعتماد فقط على «دليل» أثناء الهجوم على تنظيم مسلح قد يضم عشرات الأفراد أو أكثر، ولا يُعرف حجم تسليحه.
رابعا: غياب الإسناد الجوي، وتنفيذ عملية المداهمة في عمق صحراوي دون غطاء من طائرات الاستطلاع والمروحيات المقاتلة، ما فاقم من حجم الخسائر، وهو ما أقرت به مصادر أمنية، أفادت بأن «الأمر كان يشبه الحرب فصدرت أوامر للقوات بالتراجع حتى وصول الغطاء الجوي»، بحسب صحيفة «الشروق» المصرية .
خامسا: تمتع الخصم بميزة نوعية، جعلته في وضع اشتباك أعلى المدقات الجبلية، والصخرية، مقارنة بقوة أمنية في الأسفل على الأرض تتعرض لنيران من أعلى دون غطاء جوي، ما أصاب قوات الأمن بالارتباك، بل استسلام بعض أفراده، وفق تسريبات متداولة.
خيانة وتحقيقات واسعة
سادسا: من اللافت أن القوة التي نفذت الهجوم، تعرضت لـ«كمين» محكم، جاء بعد أيام من سلسلة هجمات دامية استهدفت ارتكازات أمنية وبنكًا وكنيسة في مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، شمال شرقي البلاد، وفي ظل حالة تأهب أمني معلنة بالفعل، ما يعزز فرضية تسريب خط سير الحملة، وفق صحف مصرية، وباتت تلميحات الخيانة والتسريب- حال صحتها- أمرًا قد يتسبب في إقالة مسؤولين، وحركة تغييرات شرطية واسعة، فضلا عن تحقيقات بدأت بالفعل لكشف أسباب المذبحة.
المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق؛ الهارب في الإمارات، تبنى وجهة نظر تعزز فرضية تعرض القوة الأمنية لخيانة من داخل وزارة الداخلية، ووصف ما حدث في هجوم الواحات بأنه «لم يكن مجرد اغتيال كمين منعزل»، على حد تعبيره.
وتابع، قائلا: «أرجوكم.. لا تتعجلوا في الانتقام قبل أن تستوعبوا وتفهموا حقيقة ما دار أمس على أرض بلدنا الجريح، وفي عمقه. أرجوكم.. أدركوا أن ما حدث لم يكن مجرد اغتيال كمين منعزل، ولا هو مهاجمة بنك في مدينة حدودية، أبدا، لمن لا يفهم ولمن لا يريد أن يفهم ـ ما دار كان عملية عسكرية كاملة الأركان».
وجهة النظر تلك، تبناها كذلك الفريق «سامي عنان»، رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، فقد طالب في بيان رسمي له بأن «ينحي الجميع العواطف جانبا», وقال: «نَحّوا العواطف جانباً الآن، لغة العقل والرشد، هي ما نحتاجها حالياً، ابحثوا عن الأسباب والدوافع وضعوها في سياقها الصحيح، شخَّصوا المرض بواقعية وبعقلانية، أدركوا حجم الكارثة التي نمر بها ونعيشها».
وتساءل «عنان»، قائلا: «هل أبناؤنا -أعز وأكفأ ما نملك- يكونون ضحية الخيانة وضعف وسوء التخطيط وعدم دقة المعلومات؟».
وتابع: «احترموا عقولنا تمتلكوا قلوبنا، إن مصر تتشح بالسواد حزناً وغماً ونكداً على هذه الكارثة المروعة».
وتساءل الاعلامي المحسوب على معسكر الانقلاب؛ وائل الأبراشي عن احتمالية وجود عناصر الخيانة من داخل غرفة العمليات مستندا إلى تشيير مقاطع من الاتصالات اللاسلكية بين عناصر الأمن في العملية ونظيرتها في غرفة العمليات، مما يشير إلى احتمالية تسجيل هذه المحادثات.
معركة الاتصالات والرهائن
سابعا: زاد الوضع سوءا أن قائد القوات المصرية لم يتمكن من طلب تعزيزات برية أو جوية بسبب رداءة الاتصالات في الصحراء، بحسب «بي بي سي».
الصحفي البرلماني؛ مصطفى بكري، المعروف بقربه من الأجهزة الأمنية، كشف في تدوينة له عبر «تويتر»، عن انقطاع الاتصال بين القوات المحاصرة والقوات التي تؤمن الطريق الرئيسي، سواء عبر هاتف الثريا، أو الهاتف الجوال، ما يعني أن القوة المهاجمة ظلت محاصرة دون دعم أو إمدادات حتى فجر اليوم التالي، في حين كان من المفترض أنها تحظى بمنظومة لاسلكية مؤمنة من الاختراق والتنصت، وأن مركز العمليات في وزارة الداخلية على تواصل دائم معها.
ثامنا : ووفق مصادر عسكرية، تحدثت في وقت سابق لمواقع صحفية الكترونية، عن ثغرة فادحة تتمثل في أن الجنود القتلى في الأغلب خريجون جدد لا خبرة لهم، يؤدون خدمة التجنيد الإلزامية, ويدفع بهم الأمن إلى مناطق ساخنة، وبؤر ملتهبة، دون دراية بطبيعة الموقع، أو خبرة قتالية، أو تدريب نوعي.
تاسعا: يتضح أن من نصبوا الكمين يملكون خبرات عسكرية قتالية عالية، كما يمتلكون أسلحة متطورة، ولديهم فرق استطلاع مدربة، أكدت تفوقهم على قوات الأمن الرسمية، خططيا وتكتيكيا وميدانيا.
عاشرا: انهيار المعنويات وغياب الروح القتالية لرجال الأمن، بدا ذلك جليا، في التسريبات المتداولة عن استسلام أفراد من قوة المداهمة، وإلقاء أسلحتهم، وهو ما دفع ربما إلى انتهاء معركة «الحيتان»، بسيناريو الرهائن، وهو تطور آخر يزيد من ورطة الأمن المصري.
المعلومات تشير إلى خطف ضابط و3 مجندين، وبعد أن كان الأمر محل تشكيك، باتت صحف مصرية تتداول مناشدات ومطالبات «علاء الحايس»، والد النقيب «محمد الحايس»، ضابط مباحث قسم شرطة ثان أكتوبر، بمحافظة الجيزة، المختفي منذ الحادث, بالتحرك سريعا للعثور على نجله المفقود.
ويمثل ارتفاع عدد الضحايا، وتدمير مركبات القوة المهاجمة، واستيلاء المهاجمين على الأسلحة والذخيرة والهواتف التي كانت بحوزتهم، إحراجا كبيرا للمؤسسة الأمنية في مصر، التي خسرت معركة «الحيتان» وتورطت في معركة أخرى تتعلق بالرهائن، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت ستضحي بهم، أم ستلجأ للتفاوض لإطلاق سراحهم.
خلاصة القول، فإن مذبحة «الحيتان» بالواحات، تشكل إحراجا وتحديا كبيرين لعبدالفتاح السيسي؛ رئيس الانقلاب العسكري في مصر ، قبل أشهر من اعتزامه خوض الانتخابات الرئاسية لفترة ثانية، خاصة مع تبخر وعود الأمن والأمان، وتوالي الثغرات والأخطاء السياسية والأمنية، بشكل قد ينسف جدوى حملته للترشح ثانيا، تحت شعار «علشان تبنيها»، مما دفع بعض النشطاء لإضافة عبارة أخرى للحملة لتصبح (علشان تبنيها .. لازم تحميها) .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات