ثورة العطش في بلاد النيل

تفتح سعاد حنفية المياه لتغسل الخضر فلا تجد الماء, ويأتي سعيد من العمل يتصبب عرقًا ويدخل الحمام ممنيًا نفسه بدش حمام يطفئ لهيب جسده, ويلطف عنه معاناة الصيام فلا يجد في الدش نقطة ماء .. وتجري بدرية إلى الحمام حاملة طفلها لتغسل له يديه اللتين وضعهما في الطبق فلا تسمع إلا صفير الحنفية بعد أن خلت المواسير من المياه.

فقد انقطعت مياه الاستعمال المنزلي في عدد كبير من المحافظات المصرية، حتى فاض الكيل بالأهالي فخرجوا يحتجون في الشوارع والطرقات, وقطع بعضهم الطرق بجذوع النخيل، وأشعلوا إطارات السيارات، وردّدوا هتافات معادية للنظام، احتجاجاً على معاناتهم المستمرة مع انقطاع المياه أياماً متواصلة، رغم حاجتهم الشديدة إليها مع ارتفاع درجة الحرارة ولإعداد مستلزمات البيوت في شهر رمضان. الاحتجاجات أدت إلى توقف حركة المرور داخل عدد من المحافظات وبينها وبين محافظات أخرى, وتكدس السيارات.

الأهالي من محافظات الصعيد، والوجه البحري، على السواء, عبروا عن غضبهم وسخطهم من استمرار انقطاع المياه، وعدم استجابة السلطات رغم أنهم دموا العديد من الشكاوى والبلاغات دون جدوى.

مسؤول حكومي زعم أن ارتفاع درجة الحرارة تسبب في انقطاع التيار الكهربائي، بسبب شدة الأحمال، ما أثر سلباً على عمل بعض محطات المياه التي تعتمد بشكل كلي على رفع المياه بالكهرباء.

وقال المسؤول إن الكثير من شبكات الكهرباء، خصوصاً في محافظات الصعيد، في حاجة للصيانة أو التجديد، إما بسبب انتهاء عمرها الافتراضي أو الأعطال الجسيمة، وعلى الرغم من ذلك يتم التعامل معها كوحدات منتجة، معترفاً أن مصر مهددة بشح مياه وكهرباء!  وهو تصريح يناقض تصريحات كبار المسؤولين الذين يقولون بغير ذلك.

أين هي إذن خطط الإحلال والتجديد، ومليارات الجنيهات التي أعلنت الدولة توفيرها لتمويل إحلال مواسير المياه في عدد من المحافظات؟ يتساءل المواطنون؟ وكيف تعجز شركات المياه عن توفير كوب ماء نظيف للمواطن؟ سؤال آخر يحير المصريين.

مياه الشرب .. حاجة أساسية للمواطنين تفشل سلطة الانقلاب في مصر في توفيرها, الأمر الذي يمثل تهديدا لحياة المصريين وتنغيصا لحياتهم اليومية.

وما يزيد من الغضب الشعبي أن سلطة الانقلاب لا تتحرك لتخفيف المعاناة عن السواد الأعظم من المصريين, إذ يبدو أن المواطن في آخر جدول اهتمامات الانقلاب وقائده, وربما تعجز سلطة الانقلاب عن حل المشكلة بسبب ضحالة تفكيرها وعدم أخذها بالأساليب العلمية في حل المشكلات.

وإذا كان جزء من أزمة مياه الشرب يعود لمشكلات فنية في محطات المياه بسبب انقطاع الكهرباء أو الحاجة للصيانة والتجديد والإحلال, فماذا عن مياه الري بعد تراجع منسوب المياه وحصة مصر في مياه النيل ما أثر على العديد من الزراعات الاستراتيجية مثل الأرز خاصة بعد أن بدأت اثيوبيا في مليء بحيرة سد النهضة بالمياه.

من الواضح أن مصر  تواجه العديد من التحديات فى مواردها المائية تنذر بثورة عطش خلال العام الحالي، خاصة أن  نهر النيل يشهد  أكبر موجة جفاف منذ 100 عام، أدت إلى تراجع واردات المياه إلى بحيرة ناصر إلى الثلث.

الغريب أن بعض التقارير تشير إلى زيادة المساحات المنزرعة بالأرز هذا العام من 2,5 مليون فدان بدلاً من 1,1 مليون فدان حيث رغم أن زراعة الأرز تحتاج لمياه ري كثيفة, وفي المقابل تعرضت آلاف الافدنة المزروعة أرزا في عدة محافظات في الوجه البحري للبوار بسبب انخفاض منسوب المياه في نهر النيل والترع المتفرعة عنه.

وما يعكس تفاقم أزمة المياه في مصر ودخول مصر عصر الشح المائي تزايد الحديث في الفترة الأخيرة من قبل مسئولين ومن قبل قائد الانقلاب ذاته عن اعادة استخدام مياه المجاري في الشرب لحل أزمة مياه الشرب.

علمًا بأن التوسع في استخدام مياه المجاري في الشرب يعد اقرارا صريحا من سلطة الانقلاب بالتنازل عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل لصالح إثيوبيا. وبعد أن تيقن النظام أن العطش بات وشيكًا وأنه لا بد من البحث عن بدائل لمواجهة السنوات العجاف القادمة، جاء الإعلان عن تحلية مياه الصرف الصحي، لكي تكون صالحة للشرب.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …