جمال سلطان يكتب : عندما أقسم وزير العدل على أن يسجنني !

كان ذلك في العام 2015، عندما بدأنا في صحيفة “المصريون” حملة ضد الفساد، ونشرنا ملفا عن فساد القاضي الشهير، المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، وأحد رموز المرحلة الجديدة، وأكثرها صخبا وحضورا في الإعلام، كان الزند يظهر يوميا على وسائل الإعلام، إما خطيبا أو متحدثا أو ضيفا، وكان يتحدث بوصفه صانع خطة الإطاحة بالإخوان من السلطة في يوليو 2013.
نشرنا أكثر من ملف صحفي عن واقعتي فساد تتعلقان به، الأولى ملف فساده في “أرض نادي القضاة في بورسعيد”، وكانت قيمتها في ذلك الوقت حوالي عشرين مليون جنيه، بما يعادل اليوم قرابة 200 مليون جنيه ، والملف الثاني هو ملف فساده في الاستيلاء على “أرض الحمام” في محافظة مرسى مطروح، وهو ملف خطير للغاية، وكان قد فتح تحقيق معه فيها بعد ثورة يناير من قبل قاضي تحقيق، وكان على وشك إصدار قرار بالتحفظ على أمواله وعزله تمهيدا لمحاكمته، فأنقذه انقلاب 2013 من هذا المسار الخطير.
أثار ما نشرناه عن ملفات الفساد هذه وقتها ضجة كبيرة، وهاج “الزند” وماج وهدد وتوعدنا بالسجن علانية، وقدم رئيس نادي القضاة ضدنا ثلاثة بلاغات، أحدها ضدي مباشرة والآخر ضد الأستاذ محمود سلطان والثالث ضد الزميلة الصحفية إيمان فتحي التي أعدت الملف الخاص بفساده، وطالب بحبسنا جميعا ودفع تعويض مالي ضخم، بادعاء سبه وقذفه وهو شخصية عامة معروفة، وقاض كبير، بل ورئيس نادي القضاة.
كان الزند وقتها صاحب نفوذ كبير، سياسيا وإعلاميا وقضائيا، ويسيطر على عدد كبير من القضاة ورجال النيابة، ويتعصبون له تعصبا شديدا، فكنا نخشى بطشهم بنا مجاملة لزعيمهم، ورئيس ناديهم، لكن كان من حظنا أن رئيس نيابة الاستئناف الذي حقق معنا كان شخصية نبيلة وعادلة ويعتز بقدسية المكان الذي يعمل من خلاله، فأدار معنا التحقيقات في مكتبه بدار القضاء العالي ـ قبل انتقاله إلى التجمع الخامس ـ بنزاهة وحيادية، وكنا نلاحظ حيرته من ضعف دعوى أحمد الزند وقوة مستنداتنا، خاصة وأن ملفات الفساد التي تحدثنا عنها كانت بعض مستنداتها صادرة من الجهاز المركزي للمحاسبات، أعلى جهة رقابية في الدولة، وكان التحقيق معنا يتجه نحو الحفظ، حتى صدر قرار مفاجئ من السيسي في التعديل الوزاري باختيار المستشار “أحمد الزند” وزيرا للعدل، بعدها بأشهر قليلة فوجئنا بقرار سحب التحقيقات معنا من النيابة ونقلها إلى “قاضي تحقيق”، فأدركنا أن مخطط “الزند” للتنكيل بنا قد بدأ، وأنه سوف يستخدم رجاله في القضاء لإنجاز هذه المهمة.
ظهر الزند في وسائل الإعلام وقتها يهاجمنا بعنف، ويهددنا بالسجن، وأنه سوف “يعلمنا الأدب” حسب قوله، وكان مدعوما في حملته علينا بقنوات فضائية وإعلاميين أمثال أحمد موسى ومحمد الباز ، ثم زادت عصبيته فأقسم على أن يدخلنا السجن وأن يجعلنا “ننام على البرش” في برد الشتاء، حسب نص كلامه، والبرش هو فراش رخيص ينام عليه المسجون على الأرض في زنزانته مما يسبب له عادة أمراضا متعلقة بالعظام والمفاصل والروماتيزم، وكان عجيبا وفجا أن يتحدث قاض عن الدولة بأنها أداة تعذيب وتنكيل بالمعارضين، هكذا علانية، وبدون مداراة.
انتهت جلستنا مع “قاضي التحقيق” في التجمع الخامس سريعا، تقريبا كانت جلسة واحدة، وأوحى إلينا القاضي المحقق بأن القضية ستتجه للحفظ وأنه لا مشكلة، غير أننا فوجئنا بعدها بأيام بإحالتنا إلى المحاكمة بتهمة سب وقذف وزير العدل .
كانت معركتنا مع الوزير تشغل مساحة غير قليلة من الرأي العام وقتها، فدعتني قناة “بي بي سي” البريطانية لإجراء حوار حول الموضوع، تم بثه على الهواء من استديوهات القناة في القاهرة، وكان معي الأستاذ هشام يونس رئيس تحرير الأهرام المسائي وقتها، وأمين صندوق نقابة الصحفيين حاليا، وكان مؤيدا لما نشرناه حول فساد الزند، في هذه الحلقة هاجمت الوزير بشدة، واتهمته باستغلال منصبه لترويع الصحفيين، والتهديد بسجنهم، وأن ملفات الفساد التي قدمناها تستند إلى تقارير الجهات الرقابية الرسمية في الدولة، كانت الحلقة قوية، استفزت الوزير أحمد الزند كثيرا، فأرغى وأزبد في التصريحات، وهو شخص فيه كبر ورعونة، فوقع في شر أعماله.
استضافه الزميل حمدي رزق في قناة صدى البلد، وسأله ـ على الهواء مباشرة ـ عن خلافه معي ومع صحيفة المصريون، وقال له : سيادة الوزير، هل ستحبس الصحفيين؟ فأجاب بكل عنجهية وكبر : نعم اللي غلط يتحبس حتى لو كان النبي !!، زلة لسانه المشينة، بسبب عجرفته وكبره، دفعتني إلى كتابة مقال عاجل، نشرته على موقع الصحيفة ثم نشرته في نسختها المطبوعة، كان عنوانه ” الزند يورط الحكومة في جريمة ازدراء أديان”، اتهمته فيه بازدراء دين الإسلام، وإهانة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو وزير في الحكومة ويمثلها، وأن السيسي إذا صمت على ما حدث فهو شريك في هذا كله، وكتبت في المقال بالحرف الواحد: “والآن أصبح الرئيس السيسي شخصيا مطالب بتقديم اعتذار لملايين المسلمين في مصر وخارجها عن الإهانة التي وجهها “وزيره” لمقام النبي الكريم”.
في اليوم التالي مباشرة طلب منه السيسي تقديم استقالته من الوزارة، ولم يكن قد أكمل عاما واحدا فيها، أخذه العناد فرفض وقال أن زلة اللسان لا تستدعي ذلك، وظن أنه “مركز قوة” في النظام ـ كان السيسي لم يمض عليه في الحكم سوى عامين ـ وقام أنصاره من القضاة والمستشارين في نادي القضاة بعمل اعتصام واحتجاج، وتقدم مئات القضاة بمذكرة يلوحون فيها بالاستقالة إذا خرج “زعيمهم” الزند من الوزارة.
كان سلوكه فيه “غشومية” وجهل سياسي بموازين القوة الجديدة التي تشكلت اليوم في الدولة، وطبيعة الحكم العسكري، فأصدر السيسي قرارا عاجلا بعزله من منصبه، ثم أمره بلزوم منزله، وعدم ظهوره في أي وسيلة إعلامية، وأن لا يدلي بأي تصريح أو حوار في أي مناسبة، وهو أمر يحمل إشارة التهديد بفتح ملفاته وإدخاله إلى السجن، فاختفى أحمد الزند من وقتها، بعد أن كان ملئ السمع والبصر، ولم يعد أحد يسمع عنه شيئا، ولا يرى صورته في أي صحيفة أو قناة تليفزيونية، اختفى تماما، حتى لم يعد أحد يعرف هل هو حي أو ميت.
كان عزل الزند من الوزارة حبل إنقاذ لنا من السجن، حيث اختفت سلطة تأثيره على القضاة، بل أصبح منبوذا ويخشى أي قاض أن يظهر مجاملا له، فجرت جلسات محاكمتنا سريعا، وقررت المحكمة الاكتفاء بتغريمنا بمبلغ مالي بسيط، دون أي أحكام بالسجن، لتطوى صفحة عصيبة، كانت من أشد معاركنا الصحفية صعوبة وخطورة في ذلك الوقت.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …