حازم عياد يكتب: استعصاء سياسي أمريكي

وعود كثيرة تتطاير في الساحة الدولية والإقليمية بل المحلية لإعادة التموضع السياسي للانتقال الى حقبة جديدة من العلاقات الدولية والإقليمية تقف على رأسها روسيا والصين وإيران وتركيا والسعودية؛ في موازاة حالة من الغموض تفرضها الإدارة الأمريكية على المشهد السياسي معززة بتجاذبات قوية بين المؤسسة الرئاسية والتشريعية والأمنية .

 فالإدارة الأمريكية لم تحدد موقفها من مفاوضات الأستانة فرغم إعلان موسكو توجيه الدعوة الى واشنطن فإن وزارة الخارجية الأمريكية أنكرت تلقيها للدعوة؛ بانتظار تولي ترمب ووزير خارجيته الجديد المرشح تليرسون ليقرر ذلك على الأرجح.
 من جهة أخرى لم يستقر الموقف الأمريكي من إيران والسعودية على سياسة محددة يمكن التعاطي معها وفهمها؛ فالإدارة الأمريكية الجديدة لا تعتبر حقوق الإنسان من أولوياتها وتعتبر محاربة الإرهاب نقطة الارتكاز الأساسية والاهم من ذلك اعتمادها على الأحكام المسبقة لدى الرئيس المنتخب ترمب وعلاقاته الشخصية ذات المرجعية التجارية؛ فالإدارة الأمريكية وأعضائها المرشحين لم يحددوا كيفية التعامل مع قانون جاستا الذي استهدف حصانة الدول بما فيها السعودية وإيران كما لم تحدد موقفا واضحا من الاتفاق النووي تستطيع من خلاله رسم معالم سياسة إقليمية باتت اشد تعقيدا بانضمام أوروبا والصين وروسيا كشركاء في الاتفاق النووي بعد قرار مجلس الأمن الدولي الذي وفر مرجعية دولية تحكم مسار التعامل مع إيران واتفاقها النووي خلال السنوات الثماني القادمة؛ فأميركا لا تحتكر وحدها اتخاذ القرار بشان الاتفاق ومستقبله كما لا تملك حرية التعامل مع ملف الإرهاب دون الأخذ بعين الاعتبار مصالحها المتشابكة وحلفائها وخصومها المنافسين وفاقم ذلك كله رؤية الرئيس ترمب ومرجعيته التجارية وعلاقاته الشخصية التي تعد احد العوامل المهمة في صياغة أعضاء إدارته لملامح السياسة المقبلة فإرضاء الرئيس جزء من مهمتهم المقبلة.
ويزيد الأمور تعقيدا الحرب اليمنية وموقف الإدارة الأمريكية القادمة في 20 يناير- كانون الثاني، إذ لا زال غامضا ومن غير المعلوم الكيفية التي سترسم الإدارة القادمة من خلالها ملامح العلاقة مع السعودية فالأزمة اليمنية بوابة أساسية للتعاطي مع السعودية يحدد مقدار اقتراب واشنطن وابتعادها عن مسار المصالح السعودية.
 الموقف ذاته في ليبيا التي بدأت روسيا في تحقيق خروقات مباشرة فيه من خلال التعامل مع اللواء حفتر لتزيد من التباس الموقف الأمريكي ومدى توافقه مع الموقف الأمريكي؛ يقابله الموقف من أوكرانيا فرغم التعزيزات العسكرية الكبيرة للناتو والوليات المتحدة فالملفان يمسان أمن أوروبا في شرق أوروبا والمتوسط في أن واحد والتقدم الروسي باتجاه المتوسط بات أسلوبا راسخا لتشتيت انتباه الدول الأوربية وإفقادها تركيزه فهل يستطيع ترمب المساومة والمقايضة أم انه سيندفع لسياسة أكثر عدائية تجاه روسيا فالاستعصاء بات السمة الأساسية لرؤية ترمب للتعامل مع روسيا والعلاقة الشخصية والغزل مع بوتين فقد معناه حتى قبل استلامه لمهامه .
 تزداد الأمور تشويقا بإصرار أعضاء إدارة ترمب على نقل السفارة الأمريكية الى القدس؛ ما يدخلها في تعقيدات مشهد إقليمي ودولي أوسع حول آلية تحقيق الاستقرار في الإقليم خصوصا وان كثير من قادة البنتاغون ف المنطقة الوسطى عبروا أكثر من مرة عن تأثير القضية الفلسطينية السلبي على قدرتهم وفاعليتهم في إدارة الصراعات التي تخوضها واشنطن في أفغانستان وغيرها من أماكن في العالم.
  السياسة الأمريكية عصية على الفهم وفي ذات الوقت تواجه معوقات كبيرة بسبب تباينها وتناقضها فهي تريد الجمع بين الشيء وضده؛ ما يجعل رسم معالم رؤية واستراتيجية جديدة امرأ مستعصيا من الناحية السياسية؛ فالتناقض يعني غياب الفاعلية للسياسة الأمريكية خلال المرحلة الانتقالية مسالة ستمتد الى عاميين من الآن الى حين انعقاد انتخابات الكونغرس الأمريكي لإعادة ترتيب الأولويات وتحقيق التوازن الداخلي أو إضافة جرعة جديدة من الفوضى والتشتت في عملية صنع القرار الأمريكي؛ تشتت إربك حلفاء أمريكا وأصدقاؤها وأرهقهم باستعصاء رسم ملامح واضحة للاستراتيجيات الواجب تبنيها.
 استعصاء سيقود على الأرجح الى مزيد من التفاعل مع روسيا والتفاعل البيني بين القوى الإقليمية سلبا وإيجابا لتخفيف حدة ووطأة الارتباك والفوضى السياسية الناجمة عن تداعيات العامل الانتخابي الأمريكي؛ فالسياسة الخارجية الأمريكية تفقد جاذبيتها المعهودة للقوى الإقليمية والدولية التي تتعامل مع ملفات كبرى عقدها ترمب بتشعب علاقاته واختلاط العام بالخاص؛ قوى باتت تدرك أهمية إعادة التموضع السياسي لحماية مصالحها المهددة بسبب استعصاء الحلول السياسية ومحدودية الاعتماد على مدركات الرئيس الضيقة وعلاقاته الشخصية المتشعبة والغامضة. 

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …