ثلاثة ملفات ستحدد مسار تطور العلاقات الأمريكية بالمملكة السعودية بعد تولي ترمب مهامه الرئاسية. يقف على رأس هذه الملفات؛ الحرب الدائرة في اليمن، ويتبعها الاتفاق النووي الإيراني, وقانون “جاستا” الذي أتاح المجال لرفع الحصانة عن الدول وملاحقتها قانونيا.
في الملف اليمني، بات من الواضح أن السعودية تميل إلى الحسم العسكري الذي يتمثل في حده الأادنى بالسيطرة على العاصمة صنعاء، لتحسين الموقع التفاوضي والشرعي لحكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور، حسم عسكري يواجه استعصاءً وممانعة من بعض أعضاء التحالف العربي الذين يميلون إلى التسوية السياسية مع الحوثيين وصالح، ويتلكؤون في دعم السعودية وجهودها في اليمن بشكل يدفع نحو احتواء الجهود السعودية بل إضعاف دورها الاقليمي.
توجهٌ من الممكن أن يجد صدىً لدى إدارة الرئيس ترمب، خصوصا أنه يملك علاقات مميزة مع بعض القوى العربية، الداعية إلى احتواء الدور السعودي القيادي المفترض وتحجيمه؛ وهي مسألة تتوافق مع التوجهات اليمينية المتغلغلة في الإدراة الأمريكية، والمرتبطة بهاجس الإسلاموفوبيا.
السياسة ذاتها نجد تداعياتها في قانون “جاستا” الذي يهدف إلى تحجيم التأثير السياسي السعودي في أمريكا لصالح دول وكيانات سياسية تملك رصيدا جيدا لدى الإادارة الأمريكية المنتخبة؛ ما يعني أن الضغوط على السعودية ستتواصل لاحتواء دورها الاقليمي، وتلجيم قدرتها على التأثير الايدولوجي بتجريم توجهاتها الفكرية، ومحاولة إدانتها وربطها بالإرهاب والتطرف؛ ما يضعف قوتها الناعمة في العالم العربي والإسلامي، بدفعها نحو مسارات جديدة في سياساتها الخارجية تخدم مصالح قوى إقليمية تلقى استحسانا لدى تيارات يمينية أمريكية معادية للتوجهات العامة في السعودية.
الملف الأخير في العلاقة, ملف إشكالي ومتشعب لتأثير تداعياته على الإقليم بأكمله؛ فالاتفاق النووي الإايراني ما يزال طازجا، وشهية القوى الدولية والإقليمية ما زالت مفتوحة أمام تداعياته السياسية والاقتصادية؛ فأوروبا حصلت على عقود كبيرة تمكنت من خلالها وفي مدة قصيرة من البدء بتوريد طائرات إيرباص إلى إيران، وهي تنتظر معركة خلافة المرشد خامنئي ومدى تأثيرها على المسار السياسي الإيراني في ظل ضغوط أمريكية، تمثلت بتجديد العقوبات على إيران المتعلقة بدعم الإرهاب، واحتمالية أن تطال تداعيات قانون جاستا عباءة الحرس الثوري الإيراني، وقادته السياسيين والعسكريين، إلا أن النزعة الترمبية تميل لتسريع خطوات التأزيم مع طهران، ومراجعة السياسة المتعلقة بدورها الاقليمي؛ فإدارة ترمب مرتبكة بشأن من يدير الإقليم أو على الأقل من يشارك في إدارته؟ وكيف؟ أزمةٌ تعكس تصارع العقل السياسي مع العقل التجاري؛ ما يجعل سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة أقرب إلى المزاجية، والعلاقات الشخصية، والمرجعية التجارية لا السياسية والفكرية للمؤسسات الأمريكية التي تصوغ استراتيجيات، وتنتج تكتيكات متجانسة ومنسجمة مع الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية.
إزاء هذه التفاصيل، تتناسى الإدارة الجديدة بما تنسجه من تحالفات ضيقة ذات طابع شخصي بمرجعيات ضحلة؛ سياسيا وفكريا يطول شرحها؛ تتناسى أن هناك قوى دولية كروسيا والصين، وإقليمية فاعلة ومؤثرة ومتصارعة كتركيا وإيران وباكستان والسعودية، وأن هناك ساحة صراع تطل من خلالها القوى الدولية على المشهد الإقليمي، مترافقة مع هواجس قوية من السياسة الأمريكية المتبعة؛ قوى دولية قادرة على الاستثمار في تناقضات السياسة الأمريكية، والاستفادة من مستوى التذبذب المرتفع في أدائها.
في ضوء ذلك، فإن العلاقة بين الرياض وواشنطن ستشهد تذبذبا كبيرا خلال الأشهر بل السنوات القادمة تختبر قدرة السعودية على التعامل مع الإدارة الجديدة، والتحولات الحاصلة في الساحة الدولية، مسهمة إلى حد كبير في إعادة رسم الرياض لتحالفاتها وتوجهاتها واستكشاف خياراتها من جديد. فالإشكالية الأساسية لا تتعلق بميول السعودية وأهدافها المرتبطة بمصالحها الحيوية والأمنية، أو بسرعة استجابتها للتوجهات الجديدة للإدارة الأمريكية وحلفائها، إنما بإشكالية الإدارة الأمريكية الجديدة، وضحالة رؤيتها، وعدم انسجامها مع التحولات الإقليمية الدولية، فضلا عن حالة التصارع الداخلي التي تعانيها، وأخيرا ضيق أفقها ووأفق تحالفاتها؛ ما يتيح لكافة القوى الإقليمية المناورة، واتباع سياسة النفس الطويل لإدارة الأزمات، فهي أبرز الخيارات التي ستندفع إليها دول الإقليم لمراكمة مكاسبها الاستراتيجية، وتعريز تحالفاتها الإقليمية كبديل للمزاج الترامبي والتصارع الأمريكي الداخلي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات