حراك الريف المغربي المستمر منذ أكثر من 7 شهور احتجاجاً على مقتل بائع السمك محسن فكري، يتسع ويتطور، وتقابله حالة من الإرباك في تعاطي السلطات المغربية المختلفة، ليتحوّل الحراك تدريجيا إلى حركة اجتماعية ذات بعد سياسي بحسب مراقبين ومحللين لمسيرة 11 يونيو الماضي، خاصة بعد قرار جماعة “العدل والإحسان” النزول مرة أخرى للشارع ودعم مطالب المسيرات السلمية.
حجم المشاركين في المسيرة التي شهدتها العاصمة المغربية الرباط الأحد الماضي لا تزال محل اهتمام المراقبين كونها أكبر مسيرة يعرفها المغرب منذ 2011، والتنوع السياسي للمشاركين، من يساريين وجماعات ذات مرجعية اسلامية إلى شخصيات طبية أو قيادات في أحزاب مشاركة بالحكومة إلى جمعيات أهلية وحقوقية ونقابات، وأيضاً قدوم مشاركين من جميع جهات المغرب ومن مختلف الأعمار, مع التأكيد على سلمية الدعم والحراك رغم رفع سقف الشعارات والمطالب, وأولها إطلاق سراح النشطاء المعتقلين من قادة الحراك والهجوم العنيف على السلطة واتهامها بالفساد والقمع.
ومنذ اعتقال قائد الحراك ناصر الزفزافي وعشرات النشطاء الآخرين، خرجت مسيرات ومظاهرات في مدن ومناطق عدة مباشرة بعد صلاة التراويح، وخرجت مسيرة عارمة في مدينة الحسيمة ردد خلالها المحتجون شعارات تطالب بالإطلاق الفوري للمعتقلين والاستجابة للمطالب الاجتماعية ورافعين شعارات ضد وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، الذي يتواجد على رأس وفد وزاري في المدينة منذ أيام، ومن بين شعارات المسيرات «حنا بغينا المطالب وهم باغيين المصائب، فيما نظم المتظاهرون أشكالاً تعبيرية متعددة وألقوا كلمات عبروا من خلالها عن إصرارهم على البقاء في الشارع ومواصلة الاحتجاج إلى غاية تحقيق المطالب.
وفي إمزورن القريبة من الحسيمة، خرج أيضاً آلاف المتظاهرين رافعين شعار إطلاق سراح المعتقلين، وذلك من خلال مسيرة جابت الشوارع، تخللتها أشكال تعبيرية أبرزها إشعال أضواء الهواتف النقالة وسط جنح الظلام, وتجمع ساكنة منطقة تمسمان في وقفة احتجاجية استعملوا خلالها القرع على الأواني المنزلية تزامناً مع رفع الشعارات المنددة بالعسكرة والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين.
ورغم محدودية المطالبات حتى الآن، بوقف الاعتقالات وإطلاق سراح المعتقلين وإبعاد المقاربة الأمنية في إدارة ملف الحراك ومطالبه، فإن السلطات لا زالت متمسكة بهذه المقاربة من خلال تطويق مظاهرات هنا أو هناك واستدعاء ناشطين للتحقيق، يتبع ذلك اعتقالات وإحالات على النيابة العامة.
وقال محام عضو لجنة الدفاع عن معتقلي حراك الريف إنه تم عشية يوم الإثنين الماضي تقديم مجموعة من معتقلي حراك الريف الذين تم إيقافهم للاستماع إليهم أمام وكيل الملك (النائب العام) لدى المحكمة الابتدائية بالحسيمة، وعددهم 10 وبعد دراسة الملف أصدر قرارا بإيداع ثمانية منهم بالسجن المحلي في الحسيمة، وإطلاق سراح اثنين آخرين بعد حفظ ملفهما.
وأوضح المحامي ياسين الفاسي أن النشطاء الذين تم الاحتفاظ بهم بالسجن سوف يتم تقديمهم للمثول أمام المحكمة الابتدائية بالحسيمة لمحاكمتهم.
وادعى وزير العدل والحريات محمد أوجار، أن ما يقع من اعتقالات متتالية في الحسيمة، يتم وفق مقتضيات القانون وقال في مجلس النواب حول اتهام للسلطة بانتهاج «سياسة اعتقالية» في الحسيمة وليس سياسة جنائية، إن الحكومة حرصت على سلامة الإجراءات القانونية في ما يخص متابعة هؤلاء النشطاء، داعياً للعمل على مقاربة الموضوع برؤية وطنية.
وأكد حزب التقدم والاشتراكية، المشارك في الحكومة «على ضرورة مواصلة التعاطي الجدي والفعال مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية العادلة والمشروعة المعبر عنها من قبل المواطنات والمواطنين، في إقليم الحسيمة وفي غيره من أقاليم البلاد، على أساس عدالة اجتماعية ومجالية حقيقية، وإعطاء الأولوية للفئات المحرومة والمناطق المهمشة … وإعمال منهجية الديمقراطية التشاركية القائمة على الحوار والتشاور مع كل الفاعلين المحليين من أحزاب سياسية ومنظمات نقابية وتعبيرات مدنية مختلفة.
عودة “العدل والإحسان” للمشهد
إلى ذلك أثارت عودة جماعة العدل والإحسان، ذات المرجعية الاسلامية، إلى الشارع للمشاركة في الاحتجاجات الداعمة لحراك الريف شمال المغرب، الكثير من الجدل.
ففي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن أي حراك اجتماعي أو سياسي وطني في الشارع لن يكون له صدى وتأثير كبير في غياب هذه القوة التنظيمية، يرى خصومها، أن الجماعة تحاول القفز على الحراك للترويج لمطالبها السياسية، خصوصا بعد انسحابها الفجائي من حركة 20 فبراير في العام 2011 الذي اعتبر مراقبون أن الغرض منه كان السطو على مسار الحركة والركوب على مطالبها للوصول إلى أهداف أخرى لم تكن ضمن أجندة الأطياف الأخرى المختلفة عن الجماعة منهجا وأيديولوجيا.
وتعتبر جماعة العدل والاحسان، شبه المحظورة، اقوى الجماعات المغربية ذات المرجعية الاسلامية، وترفض السلطات منح الشرعية القانونية لنشاطها رغم تمسك الجماعة بمرتكزات اعتمدتها منذ تأسيسها وهي العلنية ورفض السرية، والسلمية ورفض العنف، ورفض الارتباط بالخارج.
وقال الكاتب والإعلامي المغربي، ابراهيم حياني إن «عودة جماعة العدل والإحسان، إلى الشارع منذ الانسحاب من حركة 20 فبراير، سيكون له تداعيات كبيرة وبالطبع ستجعل الأمور تأخذ أبعادا جديدة، وأضاف في مقال نشر على موقع « لكم» الالكتروني «من الآثار الإيجابية لعودة العدل والإحسان، هو إعادة الزخم لحراك الشارع لما كان عليه خلال 2011، وبالتالي فإن السلطة السياسية ستكون مجبرة على العودة للطاولة مرة ثانية وسيكون لزاماً عليها إعادة النظر في حساباتها من جديد، والأهم بالنسبة للمواطن أن قوس الإصلاح سيفتح من جديد مع سقف أعلى هذه المرة، وسيبقي على ألم ذلك الضرس بعد أن اعتقد النظام مطمئناً أنه بتحييد العدالة والتنمية يكون قد أعاد الأمور لنصابها كما كانت عليه قبل 2011 . معتبراً في الوقت ذاته، أنه من حق الحركة كما من حق أي جماعة أو حركة أخرى النزول إلى الشارع للاحتجاج إسوة بكل التيارات والتنظيمات الأخرى، وبالتالي فإنه ليس من حق أي طرف أو جهة منعها أو إقصائها من ذلك. هذا من جهة، أما من جهة ثانية فحتما سيكون لهذه العودة الكثير مما لها وما عليها، حيث هناك جوانب إيجابية ونقط ضوء كثيرة لهذه الخطوة.
وأشار الكاتب، إلى أن الجماعة، تشكل أكبر وسيلة ضغط للنظام، سواء من خلال مشاركته أسس الشرعية نفسها (المرجعية الدينية)، أو حتى من خلال تقديم نفسها كبديل بمشروع سياسي ومجتمعي متكامل وجاهز حسب خطابات وأدبيات زعماء الحركة، وهو ما يجعل منها كياناً تحسب له السلطة ألف حساب، وستحول بكل ما أوتيت من قوة دون تغوله أكثر في المجتمع والمؤسسات أو حتى إقامة تحالفات أو توافق مع أي تيار آخر في الساحة وخاصة من اليسار.
واتهمت جريدة «آخر ساعة»، لسان حزب الاصالة والمعاصرة (ليبرالي) جماعة العدل والإحسان، باستغلال مسيرة الرباط الأخيرة لدعم حراك الريف، لاستعراض قوتها في الشارع بعد غياب طويل.
وقالت الجريدة إن « نداء الجماعة للمشاركة في المسيرة، حاد عن المطالب الاجتماعية لحراك الريف عندما دعا للتظاهر ضد «الحكرة والتعسف والقمع الذي تواجه به الدولة حراك المطالبين بحقوقهم العادلة والمشروعة»، وهو ما رأت فيه الجريدة «مطالب اجتماعية في مظهرها، وسياسية في جوهرها».
ورداً على ذلك، قال حسن بن ناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية بجماعة العدل والإحسان: «هذه الاتهامات ليس للجماعة فقط وانما للشعب بعدم الأهلية وبعدم القدرة على تمييز مصالحه، وبالتالي فالجماعة مستهدفة بكل الاحوال يتهمونها بالشيء ونقيضه، قبل المسيرة كانوا يقولون باتت الجماعة ذابت وتبخرت ولم يبق لها وجود, واليوم يتهمونها… الجماعة حاضرة وستبقى حاضرة في جميع الاحتجاجات وداعمة للنظالات الشعبية، وإذا لاحظتم أننا كنا متواجدين بقوة في احتجاجات لدعم المطالب الشعبية.
وأضاف بن ناجح إن «الجماعة تقوم بما يمليه ضميرها وما هو في مصلحة شعبنا، وما يخرجنا إلى الشارع هو دعم للمطالب المشروعة وهي الكرامة، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، العيش الكريم و نزاهة القضاء. ولا يهمنا ما يقوله المناوئون الشعبية.
وعرفت جماعة العدل والاحسان، بمشاركتها في عدة احتجاجات، منها حركة 20 فبراير سنة 2011، وأخرى ضد شركة أمانديس بطنجة في العام 2015، واحتجاجات «الأساتذة المتدربين» في العام 2016.
وتؤثر الجماعة، التي تأسست على يد الشيخ عبد السلام ياسين، سنة 1974، ولا تعترف بشرعية «إمارة المؤمنين في المغرب, في المشهد السياسي والحركي المغربي بقوة، متبنية نهجها الرافض لتغيير العلاقة مع النظام الملكي وتملك حضورا ليس بالهين، داخل الأوساط المغربية، الجامعية منها خصوصاً.
وتواجه سياسة تضييق الخناق من قبل النظام المغربي، الذي يصفها «بالجماعة المحظورة»، ويتهم أعضاءها بتهمة الانتماء إلى «جماعة غير قانونية»، ما عرض عدد من قيادات الجماعة للمحاكمات بتهم الإساءة إلى الدولة المغربية. ويذكر أنه في فبراير الماضي، تفجر ملف آخر بين النظام المغربي والجماعة، حيث تمت إقالة وإعفاء العشرات من أعضائها من وظائفهم بوزارات مختلفة.
ويرى إدريس الكنبوري، الأستاذ الباحث في الجماعات الإسلامية، أن الخطاب السياسي للجماعة لا يزال غير واضح بما فيه الكفاية للجهات الرسمية في البلاد، سواء من حيث الأهداف التي تنشدها، أو من حيث الأشكال التعبيرية التي تتوسل بها إليها.
وأكد الكنبوري أن الجماعة في تعاطيها السياسي مع الأحداث تترك هامشاً للتراجع قبل حصول الصدام مع السلطات، كما وقع خلال مرحلة الربيع العربي، حيث صعدت مواقفها وتحركاتها الميدانية تجاه الحكومة قبل أن تعلن الانسحاب بشكل مفاجئ من حركة 20 فبراير الاحتجاجية مبررة ذلك بالحذر من الصدام، إلا أنها تضع قدما مع الفرقاء السياسيين وقدما مع الشارع مما يثير حولها الجدال والحديث في النوايا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات