العقبات
قبل عِقد من الزمن، استخفَّ مسؤولون إسرائيليون بحركة المقاطعة واستبعدوا أي احتمال لنجاحها؛ حيث زعموا أن “إسرائيل” هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، ولهذا فهي بزعمهم تستحق دعم الشعوب وتعاطفها في جميع أنحاء العالم. لكنهم كانوا مخطئين تماماً، فتأثير الحركة ما زال عميقاً وبعيد المدى إلى حدٍّ أجبر “إسرائيل” على التوجه صوب الحكومات الغربية ملتمسة منها تجريم دعوات عمل الحركة. ففي أكتوبر 2015، أيدت محكمة الاستئناف العليا في فرنسا إدانة 12 من نشطاء التضامن الفلسطينيين على خلفية دعواتهم لمقاطعة البضائع الإسرائيلية, بل إن مجرد ارتداء قميص عليه شعار حركة المقاطعة (بي دي أس) يعدُّ الآن مخالفة قانونية (قد توازي عقوبة الجريمة الجنائية) في فرنسا. فكما فعلوا في الماضي، لجأت السلطات الفرنسية إلى التذرع بالتشريعات المتعلقة بـ”معاداة السامية” كوسيلة لتخويف وردع نشطاء التضامن الفلسطينيين.
في بريطانيا، كشفت الحكومة المحافظة المؤيدة لـ”إسرائيل” أيضاً عن خططٍ لمنع المجالس المحلية والهيئات العامة، وحتى بعض الاتحادات الطلابية الجامعية من مقاطعة الشركات التي تعمل في المستعمرات الاستيطانية الإسرائيلية غير الشرعية. ووصف متحدث باسم زعيم حزب العمال جيرمي كوربين قرار الحكومة بأنه “هجوم على الديموقراطية المحلية”.
لم يكن من المستغرب وجود معارضة قوية للمحاولات التي قامت بها الجماعات الموالية لـ”إسرائيل” في بريطانيا لقمع حركة المقاطعة (بي دي أس). ففي يونيو من هذه السنة، رفضت المحكمة العليا في لندن الادعاءات التي أدلت بها “هيومان رايتس ووتش” ضدّ مجلس مدينة ليستر، ومجلس مدينة سوانسي، ومجلس جويند، بعد أن كانت السلطات المحلية الثلاث قد أصدرت قرارات تدعم الفلسطينيين. وادعت هيومان رايتس ووتش اليهودية أن قرارات المجالس الداعمة لمقاطعة البضائع الإسرائيلية تنتهك واجبات قانون المساواة، وتتجاهل الحاجة للقضاء على التمييز ضدّ اليهود، وإنهاء المضايقات التي يتعرضون لها!
وقال القاضي الذي ترأس الجلسة، اللورد جاستيس سايمون، إن المجالس لم تخالف القانون. كما قال المحامون الذين يعملون بالنيابة عن المجالس أنهم كانوا يمارسون حقهم في حرية التعبير؛ وهو حقٌ محمي بموجب القانون العام المعمول به في إنجلترا وويلز، والمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
ويُلاحظ أنه على الرغم من خضوع بعض القوى الغربية البارزة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة للضغوط الإسرائيلية، تصدت الدول الأصغر مثل السويد وهولندا وأيرلندا لجميع المحاولات الرامية إلى قمع حركة المقاطعة (بي دي أس). ففي مارس 2016، أعادت وزارة الخارجية السويدية التأكيد على مبادئ الديموقراطية الأساسية بالقول إن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات “هي حركة من حركات المجتمع المدني”، وإنه “يتعيّنُ على الحكومات ألا تتدخل في توجهات منظمات المجتمع المدني”[i].
من جهتها، كانت الحكومات الهولندية والأيرلندية على القدر نفسه من الحزم؛ ففي هولندا، أكد وزير الشؤون الخارجية بيرت كوندرز أن المسؤولين الإسرائيليين لا يبرحون يثيرون موضوع حركة المقاطعة (بي دي أس) في لقاءاتهم الثنائية مع الحكومة الهولندية. وبالرغم من تصريح الوزير أن حكومته لا تدعم مقاطعة “إسرائيل”، إلا أن “تأييد الحركة يندرج في إطار حرية التعبير”. كما أشار إلى أن البيانات والاجتماعات التي تخص الحركة محمية بحقي حرية التعبير وحرية التجمع كما هو منصوص عليه في الدستور الهولندي، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان[ii].
ليس هناك شكّ أن قضية “المحرقة اليهودية” أو الهولوكوست ما زالت تشكل شعوراً تاريخياً بالذنب لدى الاتحاد الأوربي، ومناخاً شبه دائم تستغله “إسرائيل” لابتزاز الاتحاد. فـ”إسرائيل” غالباً ما تضع الانتقادات المشروعة الموجهة إليها في إطار معاداة السامية، مما يجعل الحكومات حذرة من فرض أيّ شكل من أشكال العقوبات عليها. لكن الوضع داخل أوساط المجتمع المدني يختلف بشكل ملحوظ. ففي حقيقة الأمر، تزداد صلابة المواقف تجاه سياسات الفصل العنصري الإسرائيلية، كما حدث في أيار/ مايو من هذه السنة، حينما حثّ أكثر من 300 من منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الإغاثية التابعة للمجموعات الكنسية، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية من 19 بلداً في جميع أنحاء أوروبا, الاتحادَ الأوروبي على الدفاع عن حقوق الأفراد والمؤسسات في المشاركة في “حملات المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات” التي يقودها فلسطينيون.
السيناريوهات المحتملة
كما هو واضح، لا توجد لدى “إسرائيل” خيارات كثيرة في محاولاتها لقمع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات؛ أي أنها ستستمر في المستقبل القريب في ممارسة الضغط الديبلوماسي على الحكومات في أيّ زمان ومكان. وها هي قد شرعت بالفعل في حملة مداهنة كبيرة تستهدف القارة الإفريقية حيث تتعمق جذور الذاكرة التاريخية لنظام الفصل العنصري البغيض في جنوب إفريقيا.
حتماً، ستستخدم “إسرائيل” قوتها الناعمة، واعدةً بنقل المساعدات التقنية والعلمية لبلدانٍ في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فمع وجود نُظمها المتطورة لصناعة الأسلحة، سوف تقدم العروض للحكومات الضعيفة والمهددة، واعدةً إياها بتغطية ثغراتها الأمنية. فسواء كنا نتحدث عن مجالات الهندسة، أم الرَّيّ، أم علوم الكمبيوتر، فليس هناك بلد عربي أو مسلم باستثناء تركيا لديه القدرة أو الرغبة في تحدي “الغزوة” الديبلوماسية لـ”إسرائيل” في إفريقيا. فلا عجب إذاً أن نشهد مستويات متزايدة من الدعم الحكومي للحصول على مقعد خاص لـ”إسرائيل” داخل الاتحاد الإفريقي.
في آسيا أيضاً، تُسرّع “إسرائيل” من جهودها الرامية إلى إيقاف الدعم التقليدي المقدم إلى فلسطين، ليس أقلها ما تقوم به مع دول عدم الانحياز. فها هي الهند، وهي عضو مؤسس للمنظمة، غدت من الشركاء الكبار لـ”إسرائيل” في المجالات العلمية والعسكرية, أي أنه لا أمل في احتمال فرض عقوبات هندية على “إسرائيل”.
من جهة أخرى، فبعد اكتساب “إسرائيل” المميز لرئاسة اللجنة القانونية للأمم المتحدة مؤخراً، فقد أصبح أمامها فرصة للتعامل بشكل جذري مع قضية لطالما أرَّقتها وقضّت مضجعها؛ وذلك من خلال القيام بحملات يسميها النشطاء المؤيدون للقضية الفلسطينية حملات “نزع الشرعية”. إن الركيزة الأساسية لاستراتيجية “إسرائيل” هذه تتمثل في نزع شرعية أولئك الذين يجرؤون على انتقاد سياساتها عن طريق تشويه سمعتهم. وبالتالي، لن تتوقف الجدالات حول كيفية تلميع صورة الاحتلال، وإعادة تعريف مصطلح الصهيونية، وجعل أي انتقاد لـ”إسرائيل” عملاً “معادياً للسامية”.
الاستراتيجية المطلوبة
على الرغم من أنها عاشت ظروفها ومميزاتها الخاصة على مرّ تاريخها، إلا أن “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” الفلسطينية ظلت تستلهم مسارها من الحركة التي سبقتها في جنوب إفريقيا، حيث تمّ إسقاط صرح الفصل العنصري بعد سنين من حملات المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات على مستوى العالم. وكان من أسباب نجاح الحركة أنها استطاعت تكوين تحالف من الحكومات والأشخاص الأوفياء الذين استطاعوا التأثير على السياسات المحلية والدولية على حدّ سواء في مؤسسات كالأمم المتحدة. ولذلك، فعلى حركة المقاطعة (بي دي أس) التي تقاوم النظام العنصري الإسرائيلي أن تبني تحالفات مماثلة، وأن تُؤمّن الدعم من الحكومات في شمال الأرض وجنوبها.
بعد 15 عاماً، أثبتت حركة المقاطعة (بي دي أس) الدولية أنها وسيلة فعالة للغاية لدعم القضية الفلسطينية. ولكن إذا أرادت الحركة الاستفادة من كامل إمكاناتها، فعليها أن تحظى بدعم سياسي غير محدود ولا مشروط من جميع القوى الفلسطينية. ففي الوقت الحاضر، هناك الكثير من التساؤلات والشكوك حول ما إذا كانت السلطة الفلسطينية قد احتضنت حملة المقاطعة (بي دي أس) بشكل تام. وبالتالي، فإن على الفلسطينيين أخذ زمام المبادرة، لأن إصرار السلطة الفلسطينية على مواصلة حملتها لإنهاء الاحتلال بالطرق السلمية التقليدية، ما زال تنقصه أكثر الأدوات نجاعةً، ألا وهو حملة المقاطعة (بي دي أس)[iii].
ما زال الرئيس محمود عباس صريحاً في رفضه للدعوات المطالبة بتوسيع معارضته السلمية للكيان الإسرائيلي إلى مقاطعة كاملة تماشياً مع حملة المقاطعة (بي دي أس). ففي 2013، قام برحلته المشهورة إلى جنوب إفريقيا حيث أعلن عن رفضه لجهود حملة المقاطعة (بي دي أس) في البلاد وقال: “نحن لا نؤيد حملات المقاطعة ضدّ إسرائيل”، وتابع قائلاً: “لكننا نطالب الجميع بمقاطعة منتجات المستوطنات لأنها تقع في أراضينا، وهي غير قانونية”. وقد سبّبَ ذلك التصريح غضباً بين الفلسطينيين ومؤيديهم على الرغم من إصدار “توضيح” من قبل السفارة الفلسطينية في جنوب إفريقيا لاحقاً[iv].
المقترحات والتوصيات
1-ينبغي على الفلسطينيين زيادة مستوى أنشطة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات، ودعم وتفعيل أنشطة اللجان والمؤسسات العاملة في هذا المجال على مستوى العالم.
2-العمل الجاد على فصل الاقتصاد الفلسطيني عن الاقتصاد الإسرائيلي وإنهاء تبعيته له؛ ومقاطعة فلسطينيي الداخل للمنتجات الإسرائيلية.
3-حشد أكبر قدر من المؤيدين على المستويين الرسمي والشعبي لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات.
4-إعادة تفعيل اللجان المعنية في مواجهة حملات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
كتب هذا التقدير الاستراتيجي الدكتور داوود عبد الله، مدير مؤسسة مرصد الشرق الأوسط Middle East Monitor (MEMO) في لندن.
[i] A. Abunimah, “Sweden denies Israeli claims that it opposes BDS”, The Electronic Intifada, 16/3/2016.
[ii] “Dutch Foreign Minister: Calls to boycott Israel protected free speech by the constitution”, Haaretz, 27/5/2016, http://www.haaretz.com/world-news/europe/1.721888
[iii] K. Hawwash, “It’s time that the Palestinian Authority embraced the BDS call”, Middle East Monitor, 19/2/2016.
[iv] A. Abunimah, “In South Africa, Abbas opposes boycott of Israel”, The Electronic Intifada, 12/12/2013.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات