حق الإنسان في السلامة الشخصية .. وضماناتها وانتهاكاتها (2)

ثالثا: انتهاكات الحق في السلامة الشخصية

ورغم نصوص المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية التي قررت الحق في سلامة الشخص وحرمت التعدي عليه، والضمانات التي قررتها النصوص لكفالة هذا الحق، فقد يقع انتهاك لهذا الحق عندما تطبقه الدولة، وهناك عموما ثلاث فئات من الأفعال تقابل هذا النوع من الانتهاك: التعذيب، والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ومحاولة الإعدام.

 أ – التعذيب

 ويقصد به أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحقه عمدا موظف عمومي أو أي شخص آخر يعمل بصفة رسمية أو بتحريض منه أو بموافقته أو بتغاضيه عنه، بشخص لأغراض مثل:

– الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف؛

–  معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث,

–  تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث,

 

-عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سـبب من الأسـباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه . 

هذا التعريف للتعذيب يتضمن ثلاثة عناصر: المعاناة الشديدة؛ إلحاقه عن قصد؛ من جانب موظف عمومي أو أي شخص آخر يعمل بصفة رسمية أو بتحريض منه أو بموافقته أو بتغاضيه عنه. وفي إطار هذا التعريف، يشكل الاغتصاب ضربا من ضروب التعذيب .

 

 ومن الأمثلة على التعذيب كمظهر لانتهاك الحق في السلامة الشخصية الآتي:

1-  في 26 / 6 / 2016 نشرت مُنظمة “هيومن رايتس مونيتور” تقريرا بعنوان “التعذيب دستور السجون المصرية “, حيث عددت المنظمة أساليب التعذيب المنتشرة في سجون مصر التي يتعرض لها المُعتقلون على يد أعضاء من جهاز أمن الدولة كما نشرتها وسائل الإعلام عن شرح تفصيلي لـ 12 وضعا يعذب بها المعتقلون داخل سجون الأمن الوطني كالآتي:

– وضع السرطان؛ توصل الكهرباء بضرس العقل، ويتم الضرب بآلات حادة مع رش المياه حتى ينزف دماء.

– وضع الذبيحة؛ يضرب المعتقل بعد تعليقه حيث تكون رأسه تحت ورجليه من فوق.

– وضع الشنطة؛ يؤمر المعتقل بالسجود عاريًا ثم يربط من يديه ورجليه، ثم يحمل كأنه حقيبة ويرمى على الطرقات، ثم يحمل إلى غرفة الجحيم.

– وضع البرواز؛ ربط الكفين بكلابشة ووضع الذراعين لأعلى ثم يدخلون خشبة ما بين يديه ورقبته من الخلف، فتلتصق الذقن بالصدر.

– وضع القلب على المرتبة؛ يقلب المعتقل على مرتبة مبلله بالماء، ويربط بكرسي ما بين يديه وكرسي آخر بين رجليه، حتى ينتج تورم في الجسد.

– وضع البرص؛ يعلق المعتقل من رجل واحدة على باب غرفة “الجحيم” ثم يضرب بالأحذية على الجسم والرأس، ويبصق عليه.

– التعذيب الجنسي؛ يؤمر المعتقل بالسجود عاريًا، ويقوم أفراد التعذيب بإدخال “قضيب” حديدي في مؤخرته ثم توصل الكهرباء حتى يغشى عليه أو يموت.

– وضع الكلب؛ يربط المعتقل بطوق حديد حول رقبته، ويقولون له لا تتحدث بكلمة واحدة أنت اليوم كلب, لا تكف عن النباح وإلا سيتم إدخالك بغرفة الجحيم.

– وضع الدودة؛ يؤمر المعتقل بالزحف مثل الدودة.

– وضع السلخ؛ يربط المعتقل من كفيه ويعلق في سقف غرفة “الجحيم” ثم يقوم أفراد التعذيب بإطفاء نيران السجائر في جسمه، حتى يتورم ويحترق الجلد ليقوموا بعد ذلك بسلخ الجلد المحترق.

– وضع تكسير الأصابع؛ يتم إمساك كل إصبع على حده ثم يجذبونه للخلف بكل قوة حتى ينفصل الإصبع أو ينكسر.

– وضع القرفصاء؛ يتم توصيل الكهرباء بالأذنين والعضو الذكري، ويأمرون المعتقل بالجلوس على وضع القرفصاء ويسكب عليه الماء.

2-  نشرت مُنظمة “هيومن رايتس مونيتور في 14 / 8 / 2016 تقريرا بعنوان: “في الذكرى الثالثة لمذبحة العصر.. آلام متجددة وعدالة لم تتحقق”, وتضمن التقرير ما قامت به قوات الشرطة المصرية والجيش والقوات الخاصة من فض لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة وبقية ميادين مصر، وذكرت أنه قد وصل عدد من قتلوا من المدنيين خلال الثلاثة أعوام الماضية ما يزيد عن 2821 ممن قتلوا بالرصاص الحي, ومنهم 502 داخل السجون نتيجة للتعذيب أو الإهمال الطبي، ناهيك عمن قتلوا في سيناء نتيجة للعمليات العسكرية التي استهدفت المدنيين بالقصف العشوائي والطائرات والأسلحة الثقيلة ممن لم يتمكن أحد من حصرهم لكثرتهم ولصعوبة وخطورة التوثيق.

وتم رصد أن أهم أغراض التعذيب في مقار التحقيَق والاحتجاز المصرية، إجبار المحتجز على الاعتراف بجريمة ً لم يقترفها، وذلك بالمخالفة للقوانين والمواثيق الدولية .

وخلال فترة الثلاث سنوات السابقة، لقي قرابة 400 شخص حتفهم، نتَيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد من قبل القائمين على إدارة السجون ومقار وأماكن الاحتجاز، واستناًدا لإحصائيات “مركز الندَيم لتأهَيل ضحاَيا التعذيب”، فقد تعرض 236 مواطن مصري للتعذيب داخل السجون ومقار وأماكن الاحتجاز خلال النصف الأول من العام 2016 . وهذا مثل واحد من مئات الأمثلة لحالات التعذيب التي تمثل انتهاكات للحق في السلامة الشخصية .

ب – المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة:

طلبت المادة 4 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من كل دولة طرف أن تكفل اعتبار كل عمل من أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي. والتفرقة بين التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ليس أمرا يسيرا في كل الحالات.

كما أنه ليس من الضروري للناشط الحقوقي إجراء هذه التفرقة. ويشكل التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انتهاكا لحقوق الإنسان يجب على الناشط الحقوقي جمع معلومات عنه والإبلاغ عنه.

ومن الأمثلة على المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة كمظهر انتهاكات الحق في السـلامة الشـخصية الآتي :

ما نشرته مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان JHR في 16/05/2016 وتحت عنوان :(عايز أتنفس) أنها: (تابعت ما يتعرض له المحبوسون، في ظل شدة حرارة الجو هذه الأيام، وفقًا لما وصل للمؤسسة من أخبارٍ عن بعض المحبوسين بسجون منطقة سجون طرة، وادي النطرون، برج العرب، تفيد إصابة العديد منهم بالجفاف، التهابات جلدية، وحالتهم سيئة، في ظل ارتفاع درجة الحرارة إلى أكثر من 45 درجة مئوية.

ووفقًا للدستور والقوانين المعنية ولائحة السجون والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر، فإنها تُلزم مسئولي هذه السجون بالتعامل مع الموقف بشكلٍ قانوني، وعدم الاستهتار بحياة المسجونين.

وقد تابعت المؤسسة حالة وفاة المواطن/ عبد العزيز السريحي، والد/ محمود عبد العزيز السريحي، المسجون بسجن برج العرب، نتيجة شدة الحرارة أثناء زيارة نجله، فإذا كان هذا حال الزائرين، فما بالنا بالمسجونين أنفسهم، وما يتعرضون له من انتهاكات) وهذا مثل واحد من مئات الأمثلة لحالات المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية التي تمثل انتهاكات للحق في السلامة الشخصية  منها:

التعذيب حتى الموت

 

ورغم النداءات والمناشدات الدولية، والجهود الحقوقية المستمرة في رصد ضحايا التعذيب في المعتقلات وأماكن الاحتجاز المصرية، تستمر وتصر السلطات الأمنية على تعذيب ضحاياها بشكل ممنهج، غاضة الطرف عن أبسط مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق والاتفاقيات الدولية، وتتعرض الغالبية الكاسحة من المُحتجزين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، فتستمر السلطات في انتهاج سياسة ممنهجة للتعذيب أودت بحياة المئات، كما تتصاعد وتيرة الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون على خلفيةٍ سياسية أثناء فترات اعتقالهم داخل سجون الدولة التي شرعنت التعذيب والقتل والسحل وكافة أنواع التعذيب المُمنهج وإهدار الكرامة تجاوزًا لنص المادة 126 من قانون العقوبات المصري التي تنص على أنّ “كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فَعَلَ ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل العمد”.

 

 الإهمال الطبي الممنهج

لم يكن التعذيب سلاح السلطات الوحيد للفتك بمعارضيها بل اتخذت من الإهمالٍ الطبي منهجًا مُتبعًا في التعامل مع المرضى من المُحتجزين قبل إدارات السجون، فضلًا عن منع دخول الأدوية لهم حتى لو كانت من حسابهم الشخصي أو من أموالهم الخاصة، مما يعطينا نبذة عن سياسة الموت المُتبعة، إذ تتركهم السلطات بين خيار الموت البطيء داخل زنازينهم، أو تنقلهم إلى مستشفيات السجن غير المجهزة بالمرة لاستقبال حالاتهم، لتمعن بذلك في اختيار الوسائل التي تتسبب في النهاية بقتل معارضيها، فضلًا عن إصابة كثير من المعتقلين بأمراض داخل السجن نتيجة سوء الوضع الصحي في الزنازين.

 ومن الأمثلة على الانتهاكات بحق المرأة

لم تسلم المرأة المصرية من السجن والتعذيب والقتل والإخفاء القسري والتعرض لكافة انتهاكات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الانتهاكات الجنسية التي وصلت حد الاغتصاب من قبل قوات الأمن ولم يتم التحقيق في شكاوي حالات التعذيب أو الاغتصاب التي قدمت للنيابة والمحاكم أو منظمات الأمم المتحدة.

وقد رصدت منظماتٌ حقوقية أرقامًا لانتهاكات بحق المرأة المصرية تنوعت فيما يأتي:

التحرش الجنسي: تم رصد وقوع 1147 حالة تحرش منذ 30 يونيو 2013 أثناء مشاركة المرأة في تظاهرات سياسية وأثناء اعتقالهم واحتجازهم.

كشف الحمل قسرًا: وقوع 317 حالة كشف حمل قسرًا على الفتيات والنساء المعتقلات في مصر منذ 30 يونيو 2013 أثناء ترحيلهن إلى السجون أو مقرات الاحتجاز، ومن أشهر المعتقلات اللاتي تعرضن لهذا الإجراء؛ “سناء سيف الإسلام”، البالغة من العمر 21 بعد اعتقالها من تظاهرة رافضة لقانون التظاهر بمحيط قصر الاتحادية.

الاغتصاب: تم رصد 50 حالة اغتصاب وثقت منهن 20 حالة قامت بها قوات الأمن ضد النساء والفتيات منذ 30 يونيو 2013، منهن 12 حالة بسجن الأبعادية.

قتل النساء: تم رصد 200 قتيلة من نساء المعارضة قُتلن على يد قوات الأمن المصرية منذ 30 يونيو 2013

الاعتقال: تم رصد 40 حالة لازالت في السجون، فضلا عن 9 فتيات مفقودات.

التعرض للضرب المبرح والسحل والتحرش من قبل قوات الأمن، وإجبارهن على ارتداء ملابس السجن الخفيفة الشفافة، وتعرضهن لتفتيش ذاتي مهين وصل إلى حد التحرش، وحجز الفتيات في عنابر الجنائيات مما يجعلهن في قلق دائم خوفا من إيذائهن.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …