فجأة، تذكرت مقولة محمود دوريش في مقالته الشهيرة عام 1968، حينما صرخ قائلا: “ارحمونا من هذا الحب القاسي”، وكان حينها يطلب الرحمة من حب مفرط، حب – كما يقول- أعطى شِعر المقاومة مكانةً معنوية كبيرة في الوجدان العربي الخارج من هزيمة 67 أعلى من مكانته الأدبية. وها أنا أمام صرخة أخرى مشابهة، صرخة لها علاقة بفلسطين، ولكن هذه المرة من صوت مغاير، صوت صهيوني قح، يطلب من العالم بصراحة أن يكون أقل تضامنا مع إسرائيل، كي تفوق من غيبوبتها وهذيانها المجنون.
مُطلق الصرخةِ هو الشاعر الصهيوني المعروف بي ميخائيل، كتب أخيرا في هآرتس – مقالا – يوم 1/6/2016 بعنوان «العالم يصمت» وطلب من العالم كله أن يترجم مقالته إلى كل لغات العالم وأن ترسل إلى زعماء العالم جميعا قبل فوات الأوان!
يقول: مرة أخرى يتعرض الشعب اليهودي إلى خطر كبير. ليس كل الشعب، بل قسم منه. ذلك القسم الموجود في شرق البحر المتوسط. وهذه المرة لم يقم علينا الغرباء من أجل قتلنا. هذه المرة جاءوا من داخلنا. فبأيدينا قمنا بتنصيب من يسيطرون علينا، جماعة لا فائدة منها ولا حدود لأفعالها وهي تجر القطيع مباشرة نحو الحائط. والعالم يصمت. لقد وضعنا على رأسنا شخصًا يسعى إلى الرفاه. شخص اعتبره صديقه منذ الطفولة كاذبا ومخادعا. شخص يخشى من ظله، لا سيما من والده المتوفى وزوجته التي على قيد الحياة. هذا الشخص أنزل علينا حكومة عقارب, وضارّين، نصفها ضارون ونصفها عقارب. مع وزير دفاع يؤيد بشكل كبير التطهير العرقي، مع وزيرة للعدل تعتبر القانون هراوة لتصفية الحسابات القومية والسياسية، مع وزير للتربية والتعليم أصولي يريد إعادتنا ألف سنة إلى الوراء، إلى السنوات الجميلة لـ”يهوشع” مُدمر الشعوب، وإلى عهد الهيكل حيث يتم تكريم الله بقطع اللحم المشوي, والملوك الذين يسعون إلى الانتقام والبذخ، والذين هم على قناعة بأن الله قد نصبهم في المملكة الأبدية. ثم يتساءل: هل من الغريب أن العفن والفساد يأكلاننا, والعالم يصمت؟ إلى أن يصرخ: العالم يواصل الصمت. وكأنه لم يتعلم أي شيء ولم ينس أي شيء. يترك يهود الشرق الأوسط لحالهم، ليفعلوا بأنفسهم ما يخطر ببالهم. كان يمكنه بسهولة انقاذنا. طلب تأشيرة الدخول إلى كل العالم، رمز رفيع المستوى عن تقليص الدعم، هنا وهناك فيتو صغير، أفعال مثل الأفعال التي أعادت جنوب إفريقيا إلى رشدها… وستكون “دولة” اسرائيل خرجت من الصمت الذي تغرق فيه. ولكن العالم يصمت. أيها العالم القبيح تخل عن صمتك. فإذا استمر صمتك، أيها العالم غير المبالي، فسيكون ذلك برهانا على أنك “لا سامي” بالفعل، كما قالوا لنا تماما. أخيرا أطلب فقط أن تتم ترجمة جميع الكلمات أعلاه إلى جميع لغات الدول المتنورة وأن يتم إرسالها إلى زعمائها. صحيح أن التجربة تقول إن العالم سيستمر في صمته إلى أن يفوت الأوان، لكن خداع الذات أفضل من اليأس. وإذا قاموا باتهامي بتشويه سمعة البلاد، فسأقول دفاعا عن نفسي:
1- لقد قلت الحقيقة.
2- ما قلته هام للجمهور (حتى لو كان الحديث عن جمهور آخذ في التقلص).
هذه هي صرخة «شاعرهم» وبينها وبين صرخة شاعرنا نحو نصف قرن، تغير الكثير من الأشياء، قامت شعارات، ونامت أخرى، سقطت أقنعة، ورُفعت أخرى، لكن الشيء الأكثر أهمية الذي حدث، أن المشروع الصهيوني أصبح أكثر توحشا، إلى حد أنه بدأ مبكرا يأكل نفسه بنفسه، وفي الوقت الذي تنهمر عليه أمطار التأييد وتذبح بين يديه قرابين التقرب من قبل المجتمع الدولي «الرسمي» بدأت صحوة أخرى من نوع آخر؛ صحوة شعبية، هنا وفي العالم أجمع، تخلع عنها أوضاره وآثامه، التي ستقتله عاجلا أم آجلا!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات