من ناحية المضمون
يمكن القول إن مضمون ميثاق حماس ومضمون وثيقتها، وإن كان فيه اختلاف هنا أو هناك في الصياغة والأسلوب، فإنه لم يختلف في الثوابت والمبادئ العامة وخصوصاً فيما يتعلق بالعودة والقدس واللاجئين وعدم الاعتراف بشرعية وجود “إسرائيل”. بهذا الخصوص يرى أسامة الأشقر: “أن الوثيقة تمتاز بإيجازها ودقة صياغتها، وضبط موادها، وتقسيم جملها بعلامات ترقيمية تساعد على فهم المراد، ويظهر أنها خضعت لمراجعة شرعية وسياسية وقانونية ولغوية استثنائية حتى رأيناها بهذا الضبط الذي صدرت عليه”[1]. فيما يؤكد نهاد الشيخ خليل: “أن القراءة المتأنية للبنود الواردة في الوثيقة تُظهر أن حماس أعادت صياغة مواقفها بقالب مختلف، وتخلصت من بعض الأخطاء في المعلومات وفي الخطاب، وضمّنت مواقفها جوهراً وطنياً وسياسياً وقانونياً وأخلاقياً، وبثّت في ثنايا الوثيقة روح القيم الإسلامية التي تؤمن بالعدالة والمساواة والتصالحية، والكفاح من أجل استرداد الحقوق”[2]. وخلال تعليقه على نشر الوثيقة عبر قناة الجزيرة مباشر أكد محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة حماس: “أن الوثيقة السياسية التي أعلنتها الحركة تتضمن الثوابت الأربعة للحركة؛ العقيدة، والأرض، والإنسان، والمقدس، وآليات تحقيق هذه الثوابت، وتعبر عن ثقة الحركة بقدرتها العالية في الربط ما بين المبادئ والثوابت التي لا تتغير، وما بين وسائل التحقيق، كما عبرت عن حقيقة الفكر الذي تؤمن به الحركة، وكيف ترى نفسها فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً”[3]. ويرى بلال الشوبكي: “أنه لا تبدو وثيقة (حماس) الجديدة انقلاباً على الميثاق، فهي وثيقة منسجمة مع خطاب وسلوك الحركة السياسيين، ومتجاوزة لإشكالية الصياغة وخصوصاً في توصيف الصراع مع الاحتلال وتعريفه، وبدت مبالغة في التفسير والتوضيح”[4]. بدوره يرى الكاتب الفلسطيني سعيد الحاج أن ثمة فوارق واضحة بين ميثاق 1988، ووثيقة 2017 تعبر من زاوية ما, عمّا مرت به الحركة من خبرة وتجارب من جهة وضغوط وأزمات من جهة أخرى، بحيث تحمل هذه الفوارق معنى التكيف بنفس القدر الذي تحمل فيه معنى النضج. الفارق الأول يكمن في الخطاب والصياغات، بحيث تحللت الوثيقة إلى حدٍ بعيد من الحمل الأيديولوجي والعبارات الفضفاضة والمصطلحات الحادة لتخرج في صياغة متماسكة ومكتوبة بعناية، فضلاً عن البعد الحقوقي – القانوني واضح البصمات في الوثيقة (يبدو أحياناً كمرجعية لبعض المواد) ولعل ذلك نتاج عرضها على خبراء في القانون الدولي كما ذُكر. في الخطاب والأسلوب أيضاً تختلف النظرة للمجتمع الدولي في الوثيقة عنها في الميثاق، ابتعاداً عن التفسير التآمري والخطاب الحاد، ومروراً بالحديث عن المشتركات والقيم الإنسانية مثل الحق والعدالة والكرامة والحرية ورفض الظلم والتمييز، وصولاً إلى اعتبار تحرير فلسطين عملاً مشروعاً من زاوية إنسانية وقانونية والإشارة إلى مخالفة اتفاق أوسلو للقانون الدولي، وليس انتهاءً باعتبار الكيان الصهيوني خطراً على الأمن والسلم الدوليين[5].
سنحاول في هذه السطور التعرف إلى أوجه الاختلاف في مضمون رسائل حماس التي تكرر ذكرها في كلٍّ من الميثاق والوثيقة، أو تلك التي انفرد بها واحد منهما عن الآخر:
- في التعريف:
عرَّفت حماس نفسها في الميثاق في المادة الأولى منه بأنها: “حركة المقاومة الإسلامية، الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها عن الكون والحياة والإنسان وإليه تحتكم في كل تصوراتها ومنه تستلهم ترشيد خطاها”، كما أشارت في المادة الثانية بأنها “جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين، وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي…”، وفي المادة السابعة أشارت إلى عالمية الحركة بقولها: “بحكم انتشار المسلمين الذين ينهجون منهج حركة المقاومة الإسلامية في كل بقاع العالم، ويعملون على مناصرتها، وتبني مواقفها، وتعزيز جهادها، فهي حركة عالمية، وهي مؤهلة لذلك لوضوح فكرتها، ونبل غايتها، وسمو أهدافها”. فيما جاء تعريفها في الوثيقة السياسية بأنها: “حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها”. وهذا يعني أنها تعيد صياغة هويتها كما يرى طلال عوكل “باعتبارها حركة تحرر وطني بمرجعية إسلامية، وليس بمرجعيات تنظيمية دولية، ما يساعدها على طمأنة دول إقليمية وعربية مختلفة”[6]. ويرى الشيخ خليل: “أن الحركة في الوثيقة عرّفت نفسها بأنها حركة وطنية فلسطينية، ذات مرجعية فكرية إسلامية وسطية، وأكدت على قبولها التعددية، وإيمانها بالتسامح، ونبذها للتطرف واحترامها لخيارات الشعب الفلسطيني”[7].
يشير الباحث هنا إلى أن حماس لم تغفل في ميثاق الـ 1988 الإشارة إلى فلسطينيتها، فقد ورد ذلك صراحة في المادة السادسة من الباب الأول حيث جاء فيها ما يلي: “حركة المقاومة الإسلامية حركة فلسطينية متميزة، تعطي ولاءها لله، وتتخذ من الإسلام منهج حياة…”، وعليه فمن العبث الحديث دائماً عن ارتباط حماس بجماعة الإخوان المسلمين فقط، دون الإشارة إلى تمييزها نفسها بأنها حركة فلسطينية.
جدير بالذكر هنا أن الباحث كان عرّف الحركة بأنها: “حركة سياسية فلسطينية تستمد فكرها السياسي من الإسلام، لها جناحها المقاوم للاحتلال، كما لها أذرعها الأخرى، الاجتماعية والمؤسساتية والدعوية التي تخدم مجتمعة بُعدها السياسي، وتؤسس لممارستها السياسية على أرض الواقع”[8].
لكن: لماذا لم تُشر حماس في وثيقتها الجديدة إلى علاقتها بالإخوان المسلمين، وهي التي حرصت على بيان ذلك بقوة في ميثاقها؟
خلال إجابته على سؤال تفاعلي عرضه الباحث على حسابه على الفيسبوك في 4/5/2017، ذكر القيادي في حماس وممثلها في لبنان؛ علي بركة, أن حماس: “بنتُ الإخوان ولا داعي لإعلان طبيعة العلاقة بين البنت وأمها”. فيما يرى الشوبكي: “أنها وإذ لم تفعل ذلك فهي بذلك تعفي نفسها من مواجهة الأنظمة بتهمة الارتباط التنظيمي مع الإخوان، ولا تتحمل وزر إعلان القطيعة بنص صريح أمام أبناء الإخوان”[9]. كما يشير إلى أن حماس تظهر في وثيقتها الجديدة نُضجاً يتجاوز الخطابات الانفعالية التي صدرت عن القيادات الفلسطينية مراراً. وتدرك أن العلاقة مع الأنظمة العربية ضرورية لتأمين حركة الفلسطينيين بحدّها الأدنى، وضمان الإسناد المالي للمؤسسات الفلسطينية، كما تؤمن بأهمّية الدعم الشعبي العربي وخصوصاً ذلك الدعم الذي تناله من أعضاء الإخوان المسلمين في الوطن العربي. وهنا يبدو عدم إشارتها للعلاقة مع الإخوان في بنود وثيقتها الجديدة، سحباً للبساط من تحت أقدام من تعامل معها كجزء من تنظيم الإخوان، بما أعاق علاقتها مع دول كمصر والأردن والإمارات[10].
ويشير يوسف رزقة[11] إلى: “أن خصوصية القضية الفلسطينية تقتضي من (حماس) الوقوف عند هويتها الخاصة بأنها حركة تحرر وطني فلسطيني، وليست جزءاً من حركات خارج فلسطين”[12]. وكان مشعل أكد خلال عرضه الوثيقة السياسية “أن حركته جزء من مدرسة الإخوان المسلمين فكرياً، وقد كانت قبل انطلاقتها 1987 تُسمى تنظيم الإخوان المسلمين، غير أنها تنظيم فلسطيني مستقل قائم بذاته، ومرجعيته القيادة التنظيمية”[13]. بدوره قال كمال حبيب إن (حماس) كحركة تحرر وطني رأت أن ارتباطها بالإخوان سيمثل عبئاً عليها، خاصة في علاقاتها بمصر والسعودية[14]. وفي السياق ذاته يرى جمال المنشاوي، الخبير في الحركات الإسلامية: “أن هذه الخطوة تأخرت كثيراً لأن الطرفين بقدر ما انتفعوا من بعضهم البعض، بقدر ما تضرروا خاصة في الفترة الأخيرة، موضحاً أن هذا تصرف تكتيكي لكنه بلا شكّ يُضعف من معنويات الإخوان وإطارهم التنظيمي”[15].
ويرى الباحث بأن تفسير ابتعاد حماس عن الإشارة إلى العلاقة مع الإخوان كان بسبب وسم الجماعة بالإرهاب أمرٌ غير مسوغ، ذلك أن حماس نفسها ما زالت مدرجة على قوائم الإرهاب الأمريكية، وهناك العديد من قياداتها السياسية والعسكرية على رأس هذه القوائم، بل إن يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي للحركة في غزة أُدرج اسمه ضمن تلك القوائم. وبهذا الخصوص يقول د. محسن صالح: “أما الخشية من التضييق عليها بسبب الصلة بالإخوان؛ فإن (حماس) لديها من أسباب التضييق عليها ما هو أكبر؛ إذ إنها أقوى عمل مسلح مقاوم ضدّ المشروع الصهيوني، وهي مصنّفة إرهابية لدى الغرب، الذي لا تصنف معظم دوله الإخوان جماعة إرهابية”[16].
[1] أسامة الأشقر، مرجع سابق.
[2] مقابلة مع نهاد الشيخ خليل، 3/5/2017.
[3] الزهار: وثيقة حماس تضمنت الثوابت وآليات تحقيقها، موقع الرسالة نت، 2/5/2017، انظر:
http://alresalah.ps/ar/post/159891
[4] مقابلة أجراها الباحث عبر الفيس بوك مع بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الخليل، 3/5/2017.
[5] سعيد الحاج، وثيقة حماس السياسية: أبعد من النصوص المكتوبة، موقع علامات أون لاين، 6/5/2017، انظر:
http://alamatonline.com/archives/215205
[6] وثيقة حماس صالحة لأن تكون استراتيجية وطنية جامعة، صحيفة فلسطين، غزة، 3/5/2017، ص 8.
[7] مقابلة مع نهاد الشيخ خليل، 3/5/2017.
[8] وائل المبحوح، المعارضة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) 1994–2006: دراسة تحليلية (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2012)، ص 148.
[9] مقابلة مع بلال الشوبكي، 3/5/2017.
[10] المرجع نفسه.
[11] يوسف رزقة: أستاذ الأدب والنقد، والمستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق إسماعيل هنية.
[12] يوسف رزقة، قراءة في وثيقة حماس، صحيفة فلسطين، غزة، 3/5/2017، الصفحة الأخيرة.
[13] صحيفة فلسطين، غزة، 2/5/2017.
[14] صحيفة اليوم السابع، القاهرة، 1/5/2017.
[15] المرجع نفسه.
[16] محسن محمد صالح، مرجع سابق.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات