خارطة المعارك في سوريا.. الاستنزاف والتفاوض

خارطة المعارك الجديدة في سوريا فرصة ثمينة لتسليط الاضواء على تفاعلات المصالح المتضاربة والمشاريع المتصارعة، فالمعارك الدائرة في سوريا تنخرط فيها دول اقليمية وقوى محلية متنافسة ومتصارعة بدون تنسيق مع النظام السوري أو مشاروته، فالنظام غائب ومشغول بحملات العلاقات العامة التي لم تعد تغني أتباعه أو تسمنهم من جوع.

المعارك الناشبة تعبر عن جهود محمومة للأطراف الإقليمية والدولية لرسم خطوط تماس جديدة تعزز نفوذها، وتحفظ مصالحها السياسية وتعد لجولة دموية جديدة من الصراع في سوريا تؤكدها المصالح المتضاربة بين المتنافسين في الساحة الإقليمية والدولية.

معارك يخوضها المتصارعون؛ دولا وكيانات سياسية, من ضمنهم حلفاء النظام السوري المتآكل؛ كروسيا وإيران وحزب الله والأكراد الانفصاليون، أو خصومه؛ كتركيا والمعارضة وأمريكا ومن معها من الانفصاليين الأكراد, وخصومها وعلى رأسهم داعش.

وبالنظر إلى هذه الخارطة نجد اشتعالا لافتا ومباغتا للمواجهات في “يبرود” بين المعارضة السورية ومليشيات حزب الله، بعيدا عن معارك النظام الدموية في تدمر ودير الزور، لتثير أسئلة محيرة حول دوافع هذه المواجهة وغاياتها، فالمعارك التي يخوضها حزب الله في يبرود والغوطة والقلمون تعكس أجندته الخاصة بترسيخ أقدامه في منطقة تعد حيوية لبقائه ووجوده في المعادلة السورية خصوصا أن روسيا بدأت تمد نفوذها بعد معركة حلب باتجاه حمص ومناطق قريبة من الحدود اللبنانية من خلال المصالحات والهدن.

الخارطة تتشكل من نقاط تماس عديدة, فمعارك الغوطة تطرح مزيدًا من الأسئلة حول حقيقة الدور الذي يلعبه النظام في ادارة الحرب وتحديد الأولويات، فما الهدف من إشعال المواجهة في الغوطة في حين يتكبد خسائر كبيرة في تدمر وريف حمص الشرقي نتيجة تقدم داعش, بل وفي دير الزور إذا بات موقفه حرجا للغاية، فهل النظام الغائب الحاضر مجرد شماعة للمعارك التي تخوضها إيران وحزب الله على الجبهات الحيوية بالنسبة لهما؟

من ناحية أخرى، تدخل القوات الروسية مدينة حلب وأحياءها الشرقية مضعضِعةً النفوذ الإيراني في الشمال؛ فبعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها المليشيا الإيرانية جاء الروس لقطف ثمار هذا الإنجاز، على أمل ترجمته الى توافقات سياسية مع تركيا والمعارضة السورية, مهددةً بإزاحة طهران عن الخارطة السياسية، ومعززة هذه الضغوط بغارات عنيفة على إدلب.

 الأهم من ذلك أن حصار كفريا والفوعة ما زال مستمرا والهجمات على غرب حلب وقوات النجباء والمليشيا الإيرانية لم تتوقف, موقعةً خسائر فادحة دون تدخل فاعل من سلاح الجو الروسي.

تزداد خارطة المعارك تعقيدا بالنظر إلى التقدم التركي في مدينة الباب وبدون تنسيق مع قوات (قسد) الكردية والقوات الأمريكية المساندة لها والزاحفة على ريف الرقة، معززة سيطرتها على مناطق نفوذها ومقتربة من شمال الفرات، معارك في ظاهرها متقاطعة، غير أنها تعاني من تضارب واضح في المصالح بين الإدارة الأمريكية وتركيا، مسألة عبر عنها إعلان إدراة اوباما تزويد قوات (قسد) بمضادات جوية محمولة ستقدم للمليشيا الكردية استعدادا لجولة جديدة من الحرب في سوريا تختلط فيها الأوراق وتشتعل فيها الجبهات كافة.

الملاحظ أن النظام السوري غائب تماما عن إدارة وقيادة هذه المعارك، ودوره مقتصر على العلاقات العامة من خلال شاشات التلفزة في حين أنه فاقد للقرار السياسي والعسكري، فالروس يعيدون تشكيل وحدات الجيش السوري ويعقدون الصفقات مع المعارضة ومع القوى الإقليمية في حين يقتصر دوره على العلاقات العامة وتلقي الضربات واسترضاء الحلفاء، فحزب الله وإيران يقدمان أداءً لا يختلف عن روسيا في الجوهر، وآخر ما يفكران فيه الاستئذان من النظام ورئيسه لتحديد موعد المعركة أو وجهتها.

ما يدور على الساحة السورية ميداينا ينبئ ببدء الاستعداد لجولات جديدة من المواجهة، فالأطراف كافة تسعى إلى تعزيز مناطق نفوذها، ورسم خطوط حمراء لخصومها ومنافسيها، فإيران تخشى أن تكون الخاسر الأكبر من التحولات الجديدة، وواشنطن ومن خلفها طهران تريد أن تبقى لاعبا فاعلا يحد من قدرة روسيا وتركيا على رسم ملامح العملية السياسية الممكنة، ويحافظ على حالة الاستنزاف الشامل للقوى المتصارعة.

المشهد السوري مليء بالتفاعلات التي ستتحول شيئا فشيئا إلى حقائق تمهد الطريق لجولة جديدة من المواجهة وليس لجولة تفاوض جديدة في جنيف، أمر عكسته تصريحات الإدراة الأمريكية والقادة السياسيين والعسكريين في طهران المحذرة من حرب طويلة.

شاهد أيضاً

ترامب هدد السعودية بوقف اسلحة لرفضها المشاركة في خرق سيطرة إيران على هرمز

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا كشفت فيه أن الرئيس الامريكي دونالد ترامب هدد السعودية …