خبراء: تأجيل السيسي خفض قيمة الجنيه رسالة للمجتمع الدولي بأن “الوضع لا يحتمل”

ألمح عبدالفتاح السيسي أنه لن يقوم بتخفيض سعر الجنيه أمام الدولار، خشية أن يؤثر ذلك على حياة المصريين، وقد كشف خبراء اقتصاديون عن سبب إعلان السيسي ذلك الأمر في ذلك التوقيت، مشيرين إلى أن الاقتصاد المصري قد يشهد انتعاشا خاصة مع تتدفق السائحين، إضافة إلى ارتفاع عائدات قناة السويس، وتدفق الاستثمارات.

ولكن حسب مراقبين سياسيين إن السيسي قد يؤجل الخطوة، حتى الانتهاء من الانتخابات الرئاسية، في ظل تملل من الشعب بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، مشيرين أنها رسالة للمجتمع الدولي أنها الوضع في مصر لا يحتمل أكثر من ذلك وقد يؤدي إلى انفجار قد يؤثر على المنطقة بأثرها.

والأربعاء، ألمح السيسي إلى أن من المستبعد خفض قيمة العملة مرة أخرى قريبا وذلك في تصريحاته خلال مؤتمر للشباب، وقال إن تلك الخطوة من شأنها أن تضر بالأمن القومي والمواطنين.

وقال السيسي “نحن مرنين فيه… لكن عندما يتعرض الموضوع لأمن مصر القومي وإن الشعب المصري يضيع.. لا، لا، لا، لا”.

وأضاف “بتكلم بجد.. هذ الموضوع أنا أقوله على الهواء.. عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم، لا ما نقعدش في مكانا، لا ما نقدرش”.

ومضى يقول “حتى لو الكلام ده يتعارض مع.. حتى لو الكلام ده يتعارض مع..”، ولم يتم عبارته لكنها إشارة واضحة لالتزامات مصر مع صندوق النقد الدولي.

وخفضت مصر قيمة الجنيه حوالي 50 بالمئة منذ فبراير 2022، بعدما دفعت الحرب الروسية الأوكرانية المستثمرين الأجانب إلى سحب أكثر من 20 مليار دولار من أسواق أدوات الخزانة المصرية، ما تسبب في نقص حاد بالعملة الأجنبية.

في العام الماضي تراجعت قيمة العملة المصرية وسط ظروف اقتصادية صعبة، ويبلغ سعر الدولار حاليا نحو 30.90 جنيها مقابل 15,6 في 2022.

وظل سعر الصرف الرسمي ثابتا حوالي أكثر من ثلاثة أشهر بينما تراجعت العملة المصرية في السوق السوداء إلى حوالي 39 جنيها للدولار.

ووعدت مصر بالسماح للعرض والطلب بتحديد سعر العملة في إطار حزمة إنقاذ حجمها ثلاثة مليارات دولار على مدى 46 شهرا، وقعتها مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر.

ولم يبدأ الصندوق بعد مراجعة كانت مقررة في مارس لمستوى التقدم الذي أحرزته مصر في تحقيق التزاماتها بموجب اتفاق ديسمبر.

ماذا تعني تصريحات السيسي؟

يشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مصطفى كامل السيد، لتعبير “المرونة”، ويقول إنه ينطبق على موقف مصر من شروط الاتفاق الذي وقعته مع صندوق النقد الدولي.

ومن الخطورة أن تخرج القاهرة عن هذا الاتفاق، لكن وفقا للوضع الحالي فإن مصر “تتمهل في الاستجابة لبعض شروط الصندوق، وهناك صعوبات عملية تواجه تنفيذ بعضها”، وفقا لحديثه لموقع “الحرة”.

ويشير السيد وهو خبير مختص في سياسات التنمية إلى “شرط صندوق النقد الخاص بترك سعر العملة يتحدد وفقا لقوة السوق”.

ويقول “موقف الحكومة المصرية يتسم بالمرونة، وبالتالي فمصر لن تنتقل لترك سعر الجنيه المصري يتحدد بحسب قوة السوق على الفور”.

ولا يوجد خروج على الاتفاق مع الصندوق لكن هناك نوعا من التمهل في الاستجابة لبعض هذه الشروط، وفقا لأستاذ العلوم السياسية.

ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي المصري، عبدالنبي عبدالمطلب، أن تصريحات السيسي بمثابة “رسالة موجهة لصندوق النقد الدولي بأن مصر لن ترضخ لشروط قد تراها مجحفة”.

وفي حديثه لموقع “الحرة” يشير الخبير الاقتصادي إلى واقعة حدثت سابقا في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، عند أصر صندوق النقد الدولي عام 1995 على “التحرير الكامل لسعر صرف المصري السابق، الجنيه”، ورفضت الحكومة المصرية ذلك.

وفي عام 1997، جاءت الأزمة المالية الآسيوية التي عرفت بـ”أزمة النمور الآسيوية”، ووجهت وقتها مصر رسالة لصندوق النقد الدولي بأن “وجهة نظرها كانت على حق”، حسب الخبير الاقتصادي.

ويقول عبدالمطلب “لو كانت مصر استجابت وقتها لمطالب الصندوق لكان الاقتصاد المصري قد انهار مثلما حدث مع دول النمور الآسيوية”.

ولذلك يشير إلى أن مصر تطلب المزيد من الوقت لـ”دراسة الآثار الخاصة بتحرير سعر صرف الجنيه، وبيع بعض الأصول الحكومية”.

ويوضح الخبير الاقتصادي أن “طرح الشركات الحكومية في البورصة”، قد لا يؤتي ثماره في ظل الظروف العالمية الحالية التي تتميز بـ”عدم اليقين”.

ولذلك يصف الباحث بالاقتصاد السياسي، أبوبكر الديب، تصريحات السيسي بـ”المطمئنة” والتي تعني “وقف مسار خفض قيمه الجنيه المصري”.

وتشير تصريحات السيسي إلى “إمكانية تأجيل المطالبات القاسية لصندوق النقد الدولي والتي تضر بالمجتمع المصري”، وفقا لحديثه لموقع “الحرة”.

سر التوقيت؟

يؤكد أبوبكر الديب تحسن مدخلات النقد الأجنبي لمصر، بعد زيادة حجم الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع الصادرات وعوائد القطاع السياحي وقناة السويس والاستثمارات المباشرة.

ويوضح أن معدل نمو الصادرات المصرية قد ارتفع بنسبة 53.1 بالمئة خلال العام المالي 2021-2022 لتسجل 43.9 مليار دولار، وارتفعت إيرادات السياحة بنسبة 121.1 بالمئة لتصل إلى 10.7 مليارات دولار.

وارتفعت عائدات قناة السويس وبلغت نحو 8 مليارات دولار في الفترة نفسها كما ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لتصل إلى ما يقارب 9 مليارات دولار، وفقا للباحث بالاقتصاد السياسي.

ومن جانبه يرى السيد أن هناك اعتقادا لدى دوائر داخل الحكومة المصرية أن “الشهور القادمة سوف تشهد المزيد من تدفق السياح إلى مصر وبالتالي ارتفاع حصيلة مصر من النقد الأجنبي”.

وكشفت وزارة السياحة والآثار المصرية أن مصر استقبلت في أبريل الماضي 1.35 مليون سائح أجنبي، وهو رقم قياسي لشهر واحد في تاريخ البلاد، لصحيفة “المصري اليوم”.

وزار أكثر من 7 ملايين سائح أجنبي مصر في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، وتستهدف البلاد استقبال 15 مليون سائح بنهاية هذا العام، ومن 18 إلى 20 مليون سائح خلال العام المقبل، وفقا لموقع “مصراوي”.

ويشير السيد إلى بعد آخر، ويقول قد يصادف النجاح “برنامج بيع الأصول الحكومية بالعملة الصعبة”، مما سيضع مصر في موقف أفضل إذا ما قررت “الانتقال للتعويم الحر للجنيه المصري”، حسبما يوضح أستاذ العلوم السياسية.

يشير السيد إلى “الآثار السلبية لانخفاض قيمه الجنيه المصري على المواطن”، حيث تعتمد البلاد على استيراد الكثير من السلع الأساسية وعلى رأسها القمح واللحوم.

وهناك أيضا صعوبات تتعلق بصعوبة توفير العملات الأجنبية لأصحاب المصانع الذين يحتاجون إليها “لاستيراد مستلزمات الإنتاج”، حسب خبير سياسات التنمية.

ويوضح السيد أن رفع قيمة العملات الأجنبية في مواجهة الجنيه المصري سيؤدي إلى “تضاعف المشاكل التي تواجه الحكومة المصرية سوءً باستيراد السلع الغذائية أو مستلزمات الإنتاج”، واصفا الموقف بـ”الصعب”.

لكن السيسي يفضل “التمهل في الاستجابة لشروط الصندوق خوفا من الآثار التي قد تلحق بالغالبية الساحقة من المصريين المعتمدين على السلع المستوردة”، حسبما يوضح السيد.

ويشير إلى أن التضخم وقتها “لن يقتصر على المواد الغذائية وسوف يمتد لسلع أخرى”، مؤكدا أن الحكومة المصرية في “موقف صعب للغاية”.

ولذلك يري عبدالمطلب أن هناك بعض الاقتصاديين من أصحاب الخبرة أصبحوا “قريبين من موقع اتخاذ القرار”، ونصحوا السيسي بـ”التريث في الاستجابة لتحرير سعر الصرف”، لما لذلك من تداعيات سلبية على المواطنين أو مستقبل الاقتصاد ككل.

ويريد السيسي أن يقول للمواطن “أنه يشعر بما يشعر به ويبذل مجهود قدر المستطاع حتى لا يضار”، حسب عبدالمطلب.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن حديث السيسي بمثابة رسالة للمؤسسات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي بأن “الضغط على الشعوب في ظل هذه الأوضاع قد يولد انفجارات، لا مصر ولا المجتمع الدولي على استعداد لتحملها”.

والمجتمع الدولي “ليس على استعداد أن تعاني مصر من مشكلات أو هزات اجتماعية” في ظل الأوضاع غير المستقرة التي تشهدها بعض دول المنطقة مثل السودان وليبيا، وكذلك تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على العالم، حسب عبدالمطلب.

ويتفق معه الديب الذي يؤكد أن “كل الإجراءات الإصلاحية الاستباقية تهدف لإصلاح حال المواطنين وعدم وصولهم لأزمات من أي نوع أو اضطرابات اجتماعية”.

 

شاهد أيضاً

النهضة التونسية تدعو لتوافق وطني جديد وتحذر من تهديد الاستقرار السياسي والاجتماعي

جددت حركة النهضة التونسية انتقادها الحاد للمسار السياسي القائم في البلاد منذ 25 يوليو 2021، …