تنشط وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي الإيراني بكثافة قومية ومذهبية غير مسبوقة في التعبئة المغلفة بالعداء غير المسبوق للعرب.
وتيرة وشكل هذا العداء المعلن والصريح ترعاه مؤسسات النظام الإيراني بكافة مستوياته، بل لا تتوانى عن دعمه بالمال والكادر والمعلومات.
معزوفة الكراهية للعرب باتت تشكل القاسم المشترك بين فئات الشعب الإيراني، ومحاولة استثارة المشاعر القومية والمذهبية بشكل غير مسبوق .. معزوفة يرقص عليها العلماني، ويترنم على مزاميرها الملاّ ، أسماء واصطلاحات وتعبيرات مثيرة ما أنزل الله بها من سلطان في وصف العرب، وليس الدول العربية وحكامها وحسب.
اليوم، نشهد ما يشبه إعادة إنتاج لثقافة الكراهية بشكلها “المودرن” مع توظيف التاريخ والأدبيات السياسية التي رسختها الثورة الإيرانية مع فارق جوهري مهم، هو أن العداء اللفظيّ الجديد يتخذ طابعاً خاصاً، من خلال بروز مفهوم النشيد الحماسي لاستثارة الإيرانيين ضد العرب، والشكل الثاني أسلوب وإستراتيجية الدعوة لـ “فيديو كليب” من خلال تبني بعض الطاقات الدعوية الشبابية التي تحظى بحضور جماهيري واسع بين فئات الشباب والفتيات من جيل شباب الديجتيال؛ أو ما أصطلح عليه في إيران شباب 4G .
يمكن وصف ما يتم برمجته في إيران بمحاولة توظيف التكنولوجيا الحديثة وجيل الشباب لتعبئة الشعب الإيراني ومحاولة قولبة الحداثة وتوظيفها لغرس أدوات الكراهية ضد الشعب الآخر ” العرب” .
ما يتم اليوم في إيران، لا تبدو معه هذه الكراهية مصممّة فقط لنقد السياسات الرسمية العربية، بأكثر ما يبدو نوعاً من غرس الكراهية عن طريق التشهير بالقيم والعادات والتقاليد والتراث واغتيال الشخصية ، بل ونسف المنظومة القيمية العربية بمجموعها.
دوافع إيران
من المؤكد أن سياسة كراهية الآخر قد انتقلت – خلال السنوات القليلة الماضية – من المناهج والكتب المدرسية الإيرانية من إطارها النظري، لتتبناها الدولة والثورة والنخب الإيرانية، وهذا يتضح من خلال حجم المنشور والمتداول على وسائل الإعلام الإيرانية، والمواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بشتى أشكالها، بحيث لم تعد هذه الحالة خاضعة لأي معيار أدبي وأخلاقي وواقعي وعلمي بل وإنساني، بل هي حالة يمكن وصفها بحالة هستيريا تعكس قبح الثورة في التعاطي مع كراهية الآخر ” العربي” ، وتفتقد لأبسط أدبيات الأخلاق والحوار . ولعل أكثر الدلائل وضوحاً على حدوث مثل هذا التحوّل، أن نقد العرب والحط من تاريخهم وحضارتهم سرعان ما اتسع ليصبح قضية يومية في وسائل التواصل الاجتماعي، ولتصبح ساحات المحادثة (الشات) ساحة للتفنن في رسم حالة العداء للعرب عموماً ؛ بل وللتاريخ والثقافة والقيم الاجتماعية، ولم يقف الأمر عند ذلك؛ بل انتقل إلى إستراتيجية عامة للتشهير وإطلاق النكات حول القيم الدينية، والفكرية، والاجتماعية والروحية والثقافية للعرب .
من المؤكد أن إيران الثورة التي استنزفت أسباب وجودها بعد زيف شعارات الموت لأمريكا ، والموت لإسرائيل، بدأت تبحث عن عدو جديد لتستنزف طاقات شعبها فيه، وتعيد تعبئته بشكل مقيت؛ فوجدت ضالتها بالعرب، وليعكس هذا التوجه الحقد الدفين على العرب المسلمين الذين فتحوا بلاد فارس، وليجسد السلوك الإيراني الطامح لبناء مجاله الحيوي على أطلال البلاد العربية وأنقاضها، فلم يجد بُداً من تعبئة شعبه وشحنه قومياً ومذهبيا لتسهيل مهمة تجنيده للقتال خلال مداخل الأزمات العربية؛ لا سيما في العراق وسوريا.
أشكال وطرق التعبئة الإيرانية الحديثة ضد العرب
أولًا: النشيد الحماسي: تجهد وتتسابق الاوركسترا التابعة للحرس الثوري وقوات التعبئة والقطاعات الأهلية الإيرانية في ابتكار وتأليف القصائد والنشيد المغنى لبث الأفكار المذهبية، وبث النزعة القومية، ومحاولة استثارة الشعب الإيراني وتعبئته للخارج بغرض تجنيده من خلال توظيف مداخل الأزمات الإقليمية منطلقاً لها؛ فنجد على سبيل المثال لا الحصر نشيدًا إيرانيا يدعو للقتال في سوريا؛ حيث تركز كلماته على أهمية الذهاب للدفاع عن الحرم ” (زينب) و(رقية) “، ويستحث الشباب للجهاد من خلال جعل روحه على كفه فداء للوطن ” إيران” ، ويضيف النشيد أن الهدف النهائي ليس تحرير العراق وسوريا؛ بل لأن طريق القدس يمر عبر حلب.
يوظف النشيد السيرة العاشورائية لاستثارة الشعب الإيراني فيقول: أنه ومنذ كان طفلاً فهو خادم للإمام الحسين
وأنه مدافع عن آل البيت كما دافع الحسين عن الحرم
وكما دافع عليٌّ عن الكعبة والإسلام.
هذا النشيد الحماسي وغيره يحاول استثارة الشعب الإيراني مذهبياً وقومياً، والتوسل بشعارات الثورة الإيرانية بعد 35 عاماً من التكرار والضخ المذهبي غير المسبوق ، مع تغيير في بعض المفاهيم والجغرافيا؛ فبعد أن كان طريق القدس في الأناشيد الحماسية الإيرانية يمر عبر كربلاء، انتقل ليصبح عبر الضاحية الجنوبية وبيروت، ثم انتقل بقدرة قادر ليكون عبر حلب.
هذه الشعارات تجد صداها لدى معارضي النظام الإيراني ومؤيديه؛ والنظام أجاد بامتياز اللعب والتعبئة من خلال التوسل بإثارة حالة العداء بين العرب والعجم، والإيرانيين الشيعة “الذين يحملون لواء الإسلام الحقيقي” ، والعرب السنة ” الأمة الضالة ” .
النتيجة أن هذه الشعارات تجد من يطبل لها في إيران على مختلف فئات الشعب وتلاوينهم السياسية والفكرية والعقائدية.
ثانياً: الدعوة كليب: الداعية رائفي بور نموذجاً.. شاب إيراني يحمل درجة الدكتوراه، بوق واعد من أبواق النظام بنكهة شبابية مضحكة، امتهن الدعوة والإرشاد، وإعطاء المحاضرات من خلال التوسل بوسائل التواصل الإيراني، حيث يقوم ببث محاضراته على اليوتيوب بطريقة منمقة ساخرة، لديه فريق كامل مدعوم من مكتب المرشد خامنئي بشكل مباشر، وله موازنة بأمر المرشد لمساعدته؛ بهدف جذب جيل الشباب بفئاته العمرية المختلفة، بعد إدراك النظام الإيراني بتآكل شرعيته نتيجة اعتماده على جيل الكهول ” مراجع التقليد ” فحاول تجديد خطابه، والاعتماد على جيل جديد من الشباب لمخاطبة واستقطاب الفئة العمرية النشطة في إيران ” 15 – 45″ ، ومحاولة توجيههم حسب أجندة النظام، فوجد ضالته بالداعية رائفي بور الذي تبناه، وحاول توظيفه لخدمة أغراضه.
الداعية الساخر بور يتحدث ويفتي على اليوتيوب في كل المسائل بدءاً بتفسير لوحة العشاء الأخير بأسلوب جنسي بحت؛ ومروراً باليوتيوبات الأخرى الخاصة برسم صورة العرب بشكل جنسي أيضاً، حيث يتم توجيهها للشعب الإيراني مستهزأ من خلالها بالعرب، حيث يبدأ حديثه عن العرب في الحالة البدائية الأولى، واصفاً حياتهم البدائية كرعاع وقتله مأجورين، وقبائل متناحرة، ويتمثل كيف كانت بيئة العرب مرتعاً للعهر وممارسة الرذيلة وطقوس الجنس الجماعي، ويصف بلاد العرب – كما هي الآن حسب زعمه – بأنها أرض أصحاب الرايات ” الدعارة “، ويستعرض كيف كان العرب يسمَون باسم أمهاتهم لأنهم مجهولو النسب، ويخلص إلى أن العرب بمجموعهم أبناء الزنى، وأن بلادهم كانت وما زالت مرتعاً للدعارة، وأن زعماءهم وقادتهم من يرعون ذلك في مشيخاتهم, وهي لا تستحق أن تحمل اسم دول، وأن على إيران أن تسحقها لإقامة شرع الله ومنهجه القويم .
يهاجم رائفي بور العرب بصورة دورية ممنهجة، ويطلق عليهم النكات المختلفة التي تصفهم بأقذر الصفات، ويقوم بإطلاق سلسلة حلقات عن العرب بشكل دائم، طبعاً هذا لا يمكن أن يتم دون رعاية ودعم مباشر من مكتب المرشد.. كل ذلك بهدف توظيفه لأهداف النظام والترويج لما يريد. ولرائفي بور متابعون يقارب عددهم 15 مليون إيراني، وهذا الأمر يتضح من خلال حجم متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي لايحظرها النظام أو يشوش عليها، بل يروج لها ويدعمها.
من هنا بدأت المؤسسات الثورية الإيرانية تتسابق في رعاية أية فعالية درامية، موسيقية، مسرحية.. تجسد العنصرية الرخيصة ضد العرب، حيث تكاد كراهية العرب تصبح ظاهرة عامة تتم وتجري تحت رعاية رسمية، وهذا يتضح من خلال كثافة الحملات العدائية التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية بشكل يومي.
إن شيطنة العرب واحتقارهم ووصفهم بأقذر الصفات وتصوير مجتمعهم التاريخي بأنه مجتمع (الدعارة) وأنهم أشرار (لأنهم عرب) وهم أشدّ خطراً من قوى الاستكبار العالمي؛ أمريكا وإسرائيل، وهم فوق ذلك خطر داهم (لأنهم سنة أهل بدع وضلال), يندرج في سياق حملة كراهية ممنهجة تقودها قوى المجتمع المدني الإيراني ونخبه، بأدوات رسمية.
وممّا يدعو للتساؤل حقاً، أن مَنْ ينشرون هذه الكراهية يشكون غالباً من وجود خطاب كراهية لإيران والتشيع في العالم العربي، وهذه مفارقة غريبة عجيبة ينبغي التوقف عندها في خطاب الكراهية الرسمي الجديد في إيران الثورة والدولة .
في تقديري أن إيران تحوّلت إلى مصاصي دماء بعد أن حقنت الدولة والثورة شعبها منذ نعومة أظفاره بمصل الكراهية والحقد، وقدسية الثأر من الآخر ” العربي ، السني”، والسؤال المطروح في خضمّ هذه الهستيريا التي جسدها خطاب الكراهية الإيراني هو التالي: كيف ينبغي أن نجدد فهم إيران الدولة والثورة والشعب والنخب في إطار هذا السياق؟ وكيف علينا أن نبني خطاباً وإستراتيجية ناجعة وفاعلة لمواجهتها، وفق هذه التطورات، أم علينا أن نمارس دبلوماسية الانتظار عسى الله أن يهدي إيران وشعبها وهو ما يريده حكامنا على الدوام؟!
_________________
نشيد إيراني يدعو للقتال بسوريا:
اذهب الى الحرم وروحي بكفي
غايتي ليس تحرير العراق وسوريا
بل طريق القدس يمر عبر حلب!
لمشاهدة النشيد على تويتر اضغط هنا
…………..
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات