ميليشيات من مختلف الجماعات المسلحة بقيادة سليماني
أقامت إيران منذ ثماننيات القرن الماضي شبكة متعددة الجنسيات تضم عشرات الآلاف من الشبان من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وحولتهم إلى آلة قتالية مدربة جيدًا.
مثل هؤلاء تولوا الدفاع عن بشار الأسد، في سوريا ومواجهة “تنظيم الدولة” في العراق، والسيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء.
وتعد الميليشيات الشيعية العابرة للحدود، الآن القوة المهيمنة في المنطقة، ما يمكّن إيران من تحقيق طموحاتها للسيطرة على الشرق الأوسط .
وقبل أكثر من ستة أشهر، تحدث الباحثون في موقع “بازفيد” Buzzfeed الاخباري الامريكي عن مقاتلي الميليشيات ووصفوا ما يعرفونه حول برنامج الميليشيات، الذي يشرف عليه فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وقائده قاسم سليماني، الذي غالبًا ما يظهر على خطوط الجبهة في العراق وسوريا.
وتكشف أقوال المقاتلين عن حجم البرنامج وهيكله.
وعلى الرغم من أنّه لا يمكن التحقق من العديد من التفاصيل بشكلٍ مستقل، لكن “بازفيد نيوز” يقول إنه تأكد من أنّ الجميع كانوا أعضاءً مقاتلين في مختلف الجماعات المسلحة، وتتطابق قصصهم، التي تم جمعها, مع بعضها البعض، فضلًا عن المعلومات التي جمعها مسؤولون عسكريون ومسئولو مخابرات أمريكيون.
عبر الحدود.. بلا أثر
«مصطفى الفريداوي» هو واحد من هؤلاء, ويذكر «الفريداوي»، وهو ذو لحية سوداء مشذبة بدقة، أيامه الأولى كعضو في الميليشيات الإيرانية، ويقول: «كانت مغامرة جديدة»، وفي حديثه في مطعمٍ فخم شمال بغداد في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، عرض «الفريداوي» كيف تم تجنيده وتدريبه وإرساله ليكون جزءًا من قوة قتالية تهدف إلى تعزيز نفوذ إيران في الشرق الأوسط.
ونشأ «الفريداوي» ابنًا لسائق حافلة في حي أور في شمال بغداد قبل أن يتابع خطى والده. ولم يكن هذا كافيًا لشاب يبحث عن معنى في حياته، وفي يونيو عام 2013، استجاب لدعوة للانضمام إلى جماعة ميليشيات شيعية تعرف باسم عصائب أهل الحق، وهي مجموعة شاركت في العقد الأول من القرن الماضي، في الهجوم على القوات الأمريكية، وانتهاك حقوق الإنسان بحق السنة.
وقد تم تدريب «الفريداوي» في قاعدة عسكرية عراقية في بلدة أبو غريب غرب بغداد، قبل أن يُرسل لمحاربة أهل السنة، وكانت مهمته الأولى الانضمام إلى فريق يبحث عن ثلاثة جنود عراقيين مفقودين في بلدة الكرمة شرق الفلوجة، وقد دخل «الفريداوي» ورفاقه في معركة نارية فظيعة، وقال: «كنت خائفًا جدًا». وأضاف: «كانوا يطلقون النار علينا مثل المجانين، واعتقد الجانب الآخر أننا خسرنا، لكننا لم نفعل».
وعلى مدى الأشهر القليلة اللاحقة، أظهر «الفريداوي» شجاعته، وسرعان ما ترقى في سلسلة القيادة. ومنذ بدأ كمتطوع من أجل القيام ببعض الخير لبلده المنهار، كما وصف بنفسه, العراق، كان يتطور بسرعة إلى مهنة جديدة: “مسلح محترف”.
وكانت مواهبه في ساحة المعركة واضحة وقد أكسبته سمعة جيدة أمام باقي الشباب، وقد أوصى به قادته لبرنامج التدريب العسكري والأيديولوجي لمدة 45 يومًا في إيران.
كان ذلك في يومٍ بارد من يناير عام 2014، حين وجد «الفريداوي» نفسه على متن حافلة مليئة بالمقاتلين الشيعة، توجهت جنوب الشرق نحو الحدود الطويلة مع إيران، وهم ينشدون باسم السيدة زينب!
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يغادر فيها العديد من هؤلاء العراق، ويزور مئات الآلاف من العراقيين إيران كل عام لزيارة أماكن الشيعة المقدسة أو الحصول على الرعاية الصحية، ولكن بدلًا من ختم جوازات سفرهم عبر الحدود، سلم هؤلاء أوراق الهوية الخاصة بهم إلى السلطات الإيرانية، وهواتفهم النقالة أيضًا.
وعلى الرغم من أنّهم دخلوا إيران، لكن لا يوجد أي أثر رسمي لوجودهم.
ومن ثمّ تم نقل هؤلاء الشباب إلى مطار الأهواز، في أقصى جنوب غرب إيران، وركبوا طائرة من هناك، وكان «الفريداوي»، الذي كان يبلغ من العمر 23 عامًا آنذاك، متحمسًا، فلم يسبق له أن ركب طائرة من قبل، وحصل على مقعد بجوار النافذة.
وظهرت من النافذة جبال ثلجية، ربما كان ذلك على مشارف العاصمة الإيرانية، طهران, لكن حتى يومنا هذا، فهو ليس متأكدًا بالضبط من المكان الذي أُخذ إليه، ولم يبلغهم أحد، وطلب منهم عدم طرح أسئلة، وبدأ التدريب العسكري على الفور، ومع انتهاء الدورة، كان «الفريداوي» مستعدًا للخطوة التالية من مغامرته، وهي القتال من أجل بشار في سوريا.
البدايات الأولى
أطاح الإيرانيون بالشاه الموالي للولايات المتحدة؛ محمد رضا بهلوي، وأقاموا نظاما جديدا كدولة ثيوقراطية، وعلى مدى العقد الماضي، تسبب البرنامج النووي الإيراني في حالة من الذعر في واشنطن، حيث كافحت الإدارات المتعاقبة من أجل التوصل إلى كيفية للتعامل مع هذا التهديد الإقليمي، وقد تُوجت هذه الجهود بالاتفاق النووي (5+1) المثير للجدل الذي وقع عليه «باراك أوباما» عام 2015.
وفي الوقت الذي تنتاب فيه واشنطن الهواجس تجاه البرنامج النووي الإيراني، ينشط المسؤولون في طهران مع الحقائق على الأرض في الشرق الأوسط. ومنذ غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، كانت إيران، تنظر إلى جارتها عازمةً على تولي زمام السيطرة على السلطة والتجارة والجيش، وكان هذا جزءًا واحدًا فقط من هدف إيران الأوسع نطاقًا، وهو الهيمنة الإقليمية من خليج عدن إلى شواطئ المتوسط.
ويرى أعداء إيران أنّ الميليشيات الشيعية ليست أكثر من مرتزقة، إلا أنّ «الفريداوي» ورفاقه يؤمنون بصدق قضيتهم، وفي أعينهم، فإنّ التهديد الذي يشكله «المتطرفون» السنة في المنطقة والولايات المتحدة وحلفاؤها حقيقيٌ جدًا، ويطالبون بأن يحملوا السلاح للدفاع عن دولهم وإيمانهم.
وفي صيف عام 2011، عندما كانت انتفاضات الربيع العربي تهز الأنظمة عبر الشرق الأوسط، تجمع مئات الشباب السوريين واللبنانيين في جبال البقاع في لبنان، وقد حصلوا على التدريب العسكري من حزب الله الشيعي، بحسب الصحفي اللبناني «فداء عيتاني»، الذي شهد ذلك بنفسه.
وفي ذلك الوقت، كان «عيتاني» مؤيدًا لحزب الله، حتى أنّه في بعض الأحيان حمل السلاح وتدرب جنبًا إلى جنب مع المجموعة. لكنّه منذ ذلك الحين تحول علنًا ضد حزب الله، ووافق على التحدث عن تجربته ورأيه في برنامج التدريب.
وبعد أن شهد بنفسه المشهد في وادي البقاع ذلك اليوم من عام 2011، تساءل: هل كانوا يستعدون لحربٍ أخرى ضد (إسرائيل)، وقيل لـ«عيتاني»: «نحن ندربهم على كل شيء، حكم البلاد، والدفاع عن النفس والدين، وكيفية استخدام البنية التحتية للدولة من الكهرباء والمياه والدفاع المدني».
وقال «عيتاني» إنّه فوجئ بطموح وحجم المشروع، الذي بدأ أصلًا خلال الثمانينيات مع الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، كوسيلة لإيران لاستيعاب الشباب الشيعة الذين نزلوا إلى الشوارع ضد القوة الغازية، وعلى مدى عقود، أصبح حزب الله أقوى على نحوٍ متزايدٍ كأداة للسياسة الخارجية الإيرانية، ويُتهم بارتكاب العنف في الشرق الأوسط وأوروبا، وحتى أمريكا اللاتينية.
والآن، يُستخدم هؤلاء الشبان في الحرب العابرة للحدود في سوريا، حيث كان السنة يقاتلون للإطاحة بنظام بشار المدعوم من إيران، وكان لسان حال إيران، إذا خسر بشار نكون قد حصلنا على جزءٍ صغيرٍ من سوريا، وإذا فاز نكون قد أخذنا سوريا كلها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات