خطر التشيع والتبشير على الأمن القومي العربي (3)

التبشير وأثره في تغيير معتقدات الأفراد والجماعات

تنتشر الديانات بمختلف مناشئها؛ سماوية أو وثنية، عبر طرق رئيسية معروفة، وأبرزها تقليد المواليد الجدد لآبائهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يولد الطفل على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، أو عن طريق الاحتكاك بأقوام من ديانات أخرى، ويعد التبشير واحدا من أهم العوامل المؤدية إلى التحول من ديانة لأخرى.

التبشير مصطلح مسيحي يقصد به نشر الإنجيل بين مجموعة من البشر في محاولة لتنصيرهم، وتعرف الكنيسة الكاثوليكية التبشير بأنه: “عمل رعوي موجه إلى الذين لا يعرفون رسالة المسيح” وطبقًا لما جاء في العهد الجديد، فإن المسيح قد أوصى تلاميذه ومن خلالهم جميع المسيحيين أن ينشروا الديانة إلى كافة أصقاع الأرض.
اليهودية لا تهتم كثيرا بالتبشير لأن الدين اليهودي يختص بعرق بني إسرائيل، والدين الذي جاء به موسى عليه السلام، وإذا ما قبلوا أحدا في دينهم فإنما يفعلون ذلك لأسباب سياسية أو اجتماعية أو مالية أو مجتمعة كما حصل مع بعض الممثلين المشهورين في هوليود، وربما هذا وغيره مثل حصر الزواج داخل الديانة اليهودية، يفسر ضآلة عدد اليهود في العالم على الرغم من أن ديانتهم سابقة للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ذلك أن ظهور موسى عليه السلام في مصر يعود لتاريخ 1250 قبل الميلاد.
في النصرانية حركة تبشير واسعة النطاق تحظى بدعم سياسي ومالي من الفاتيكان ومجالس الكنائس والدول المسيحية، وهي دعوة تختار أكثر المجتمعات فقرا وتخلفا في أسيا وأفريقيا عن طريق إقامة مراكز إنتاجية وافتتاح المدارس والمراكز الصحية لتقديم الخدمات الضرورية للفقراء ثم استدراجهم إلى التنصر، وعلى الرغم من أن التبشير المسيحي في الوقت الحاضر لم يأخذ طابع العنف من قبل المبشرين، إلا أن زرع مثل هذه البؤر الذي يأخذ طابعا إنسانيا مجردا في ظاهره من أي غرض سياسي, ويتم تحت رعاية دول تدافع عنه بالاستناد إلى مبادئ حقوق الإنسان، على الرغم من ذلك سرعان ما تظهر النوايا الحقيقية من وراء هذه الحملات، وتجربة فصل إقليم تيمور الشرقية عن إندونيسيا تعطينا تصورا عن الأهداف الحقيقية للتبشير وكذلك ما حصل عند فصل جنوب السودان عن شماله، كما أن ما حصل في أمريكا وأفريقيا في بداية التوسع الاستعماري بداية عصر النهضة في أوربا، أكد أن قادة أوروبا وملوكها دعموا بقوة حملات التنصير في المجتمعات اللادينية أو التي تدين بديانات أخرى، وتاريخ أوربا المسيحية يحفظ ذكريات مؤلمة عن دور محاكم التفتيش في فرض النصرانية على مسلمي الأندلس أو القتل أو الترحيل، وكانت العيون ترصد المسلمين في إسبانيا من خلال صرفيات الماء، بسبب الوضوء وشروط الطهارة التي حددتها الشريعة الإسلامية، فتم الفتك بمئات الآلاف من المسلمين بعد تعريضهم لأسوأ ما يمكن أن يلاقيه إنسان من تعذيب واضطهاد بسبب معتقده الديني. 
للتبشير وسائل متعددة تتحكم بنجاحه أو إخفاقه، وسرعة الاستجابة له أو تأخر ظهور النتائج، مع عدم إمكانية الحكم على ثبات المتحولين على دينهم الجديد، غير أن الجهات الداعمة للتبشير تراهن على الجيل الجديد الذي سيولد من مجتمع المتحولين لدمجهم عقائديا في دينهم الذي اختاره آباؤهم طوعا أو كرها. 
ويمكن إجمال العوامل المساعدة على نجاح التبشير في:
1 – اختياره للبيئة التي تعاني من فقر مدقع وتبحث عن المخلص بصرف النظر عن الجهة أو الدين اللذين ينتمي لهما، وهنا تلعب الفرص المقدمة من جهة التبشير في فتح المدارس لتعليم الأطفال ووضع مادة الدين كمادة رئيسية في مناهج التعليم حتى يجد المتخرج نفسه وقد أصبح مشروعا لداعية للدين الجديد من خلال فرص تنهال عليه من جهات نافذة مثل مجلس الكنائس العالمي أو جامعات يسوعية في أوربا والولايات المتحدة.
وهناك المستشفيات والمراكز الطبية التي يعمل بها متطوعون أطباء من القساوسة وموظفون صحيون من المؤسسات الدينية
2 – وجود مركز قوة سياسية ومالية تدعم خطة التبشير وعلى استعداد لتقديم الدعم العسكري له ميدانيا أو السياسي في المحافل الدولية إذا اقتضت الضرورة.
أما الإسلام دين التوحيد فإن فتوحاته لم تحمل أحدا من سكان البلدان المفتوحة على ترك دينه واعتناق الإسلام بل حدد لكل فريق ما له وما عليه، وانتشر الإسلام استنادا على سلوك المسلمين وصدقهم وأمانتهم ووفائهم بعهودهم مما جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجا عن يقين وقناعة لا عن خوف، وعندنا قصة القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي وقصة دخوله إلى سمرقند عام 87هـ – 705 م، ثم قصة الشكوى التي رفعها كهان البلاد إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ثم قرار القاضي المسلم الذي أجبر جيش المسلمين على ترك سمرقند مما أدى إلى تحول أهلها إلى الإسلام بعدما عرفوا عظمة دين الله الحق، هذه القصة تؤكد أن الإسلام يعرض على البلدان التي يراد فتحها الإسلام أو الجزية أو الحرب، وفي قصة سمرقند فإن من بقي على دينه ودفع الجزية حظي برعاية لا توفرها أية سلطة أخرى.
لكن علينا أن نضع حدا فاصلا بين إسلام التوحيد الذي نزل على قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وبين حركات الغلو والفرق الغالية التي أساءت للإسلام، فتاريخ التشيع الذي بدأ من “بلاد فارس” على أيدي مجموعة من واضعي الحديث على ألسنة الأئمة الاثني عشر، له تاريخ حافل في فرض التشيع بقوة السلاح وخاصة في بداية صعود إسماعيل الصفوي بداية القرن الثامن عشر الميلادي لحكم بلاد فارس، إذ خيّر المسلمين بين التشيع والسيف، لأنه كان يبحث عن شرعية يستند عليها لتثبيت أركان حكمه لمعرفته أن العقيدة الدينية أقوى عقيدة يحملها الإنسان.
وما يحصل الآن في العراق وسوريا واليمن من فرض التشيع امتداد لما حصل في التاريخ المرتبط بالحقبة الصفوية مع قسوة مرئية تروّج صورها وتفاصيلها مراكز متخصصة بإيصال الرعب الجمعي إلى ذروته، كي ينساق الناس للتشيع خوفا من تعرضهم لانتهاكات لا يتمكنون من تحملها أو ردها، وتبدأ هذه الأساليب بإهانة المعتقدات والرموز الدينية والتاريخية للمخالفين، فإن اعترضوا, واجهوا رد فعل في غاية الوحشية وإن قبلوا فقد فقدوا كرامتهم ورجولتهم أمام أنفسهم وأفراد أسرهم وتحولوا إلى مجرد كائنات حية منزوعة الإرادة والكرامة، وهذا ما ترمي إليه الجهات المنظمة لحملات التشييع، لأنه سيكون الخطوة الأولى على طريق استرقاق المسلمين وإذلالهم.
الإسلام بمذاهبه الأربعة لم يحاول يوما فرض منهاج مذهبي معين على الآخرين ربما باستثناء ما وقع من صراع بين الأحناف والشوافع في أصفهان قبل اجتياح المغول للشرق العربي، ومجرد حصول مثل هذا النزاع المستند على اختلاف الانتماء للمذهب يعكس حقيقة أن دور بلاد فارس هو زرع بذور الانقسام في صفوف المسلمين.
من المعروف أن الشيعة على مرّ التاريخ لم يرسلوا دعاتهم إلى المجتمعات غير الإسلامية كالمسيحية والوثنية والهندوسية والبوذية لتحويلهم للإسلام، بل كانت جهودهم وتحركاتهم تنحصر في المجتمعات حديثة الإسلام بعد أن تنجح الجهات السنية في تحويلهم للإسلام، أو تذهب إلى مجتمعات إسلامية فقيرة وتعاني من ضعف وخواء فكريين نتيجة الجهل وعدم وجود دعاة يعلمّون الناس أمور دينهم فيختلط السليم مع السقيم من المعتقدات، أو تنتشر فيها ممارسات دينية دخيلة مثل سلوك بعض الفرق الصوفية التي تحفل بالبدع والممارسات الشاذة، ومن خلال نشر أحاديث منسوبة للنبي الكريم أو لأئمتهم تعّرض بأصحاب النبي وتكفّرهم، تنشر فكرها الضال، فالتشيع لا يستطيع تحقيق نجاح إلا من خلال الجهل ونقص الوعي في مجتمعات فقيرة، وعن طريق إنفاق المال على المعدمين وتقديم العروض لهم للدراسة في الحوزات العملية والجامعات الإيرانية ويتم استقطاب السذج من الناس وحشو عقولهم بالخرافات والأساطير وكل ما هو غريب عن المنطق وجوهر الإسلام، ومع الجهل ينتشر التشيع استغفالا للسذج والبسطاء بأن ما يطرح عليهم هو الإسلام.
خلاصة القول أن الاحتلال الإيراني أخطر بكثير من خطر أي احتلال آخر، لأنه يتستر بالإسلام ويزايد على حَمَلة رسالته، وهو في حقيقته مشروع قومي عنصري يحمل موروثا حاقدا على الأمة العربية، بسبب تراكم كمي ونوعي من الهزائم الفارسية أمام العرب آخرها في حرب الثماني سنوات من عام 1980 إلى 1988 والتي تجرّع فيها الخميني كأس السمّ باعترافه.

والمشروع الفارسي يعي جيدا أنه غير قادر على التمدد بوجه مكشوف, لذا فإنه ارتدى قناع الولاء لآل البيت واتخذ من التشيع مطية علها توصله إلى غاياته القومية.
إن تدّخل الاحتلال الفارسي بمعتقدات الناس ينطوي على خطورة كبرى، لأنه باسم الإسلام يسعى لتهديد الأمن القومي العربي والإساءة لجوهر الإسلام وفرض نظرية الولي الفقيه التي تحكم بموجب تفويض من المعصوم الذي يتلقى تعليماته من الله عن طريق الإمام الغائب, بالقوة الناعمة في مرحلة ما ثم الانتقال إلى القوة الخشنة.
وحتى الاحتلال الإسرائيلي يتلاشى خطره عندما نعرف أن إسرائيل تحمل مشروعا صهيونيا يهوديا فيه الخنادق منفصلة ومتصادمة لاستحالة اللقاء بين اليهودية والإسلام، أما أن يأتي محتل وهو يسعى لتذويب العرب باسم الإسلام الذين هم من حملوا مشعله وأوصلوه إلى إيران نفسها فهذه هي الشعوبية مجسّدة على الأرض.

الهوامش

  1. الكافي 1/139-241 طهران كتاب الحجة، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة، انظر الخمينية، سعيد حوي، دار عمار, عمان، الطبعة الثالثة 2016.
      2- خلال عملي في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون, طلب الدكتور مصطفى جواد, يوما من محمد سعيد الصحاف فريقا تلفزيونيا لتوثيق اكتشاف تاريخي وأثري وديني مهم جدا، كان ذلك في النصف الأول من عام 1969، وحينما خرج معه الفريق التلفزيوني كانت مثابتهم في منطقة الكرخ في منطقة العيادة الشعبية القريبة من مستشفى الولادة في الكرخ، ووجد الفريق التلفزيوني، أن مجموعة من المسّاحين كانت قد وصلت إلى المنطقة قبلهم، وقد جلبوا نواظيرهم وأدوات تحديد المواقع على الأرض على نحو دقيق، وقال لي أحد المصورين إن الدكتور مصطفى جواد، كان يتنقل من مكان إلى آخر في مساحة صغيرة جدا، ويذرع خطوات ثم يتوقف، ويغير اتجاهه ثم يفعل الشيء نفسه، فيدقق في ورقة كان يحملها، ثم توقف في مكان معين وقال هنا قبر موسى الكاظم عليه السلام، ومع هذه الكلمة كانت أفواه الفريق تفتح بذهول، ماذا؟ ومن يرقد تحت قبة الكاظم الذهبية إذن؟ ولمن تقدم النذور؟ ومن الذي يزوره مئات الآلاف من الناس ويسمونه قاضي الحاجات؟ أهي مزحة من الدكتور جواد الذي يعرف عنه أنه لا يمزح حتى في القضايا البسيطة، فكيف إذا ارتبط الأمر بقضية لها هذه الخصوصية والحساسية الدينية الطائفية والسياسية والاجتماعية في مجتمع يقرب الشيعة فيه من نصف عدد سكان العراق، وهم على استعداد لقبول أن الشمس تدور حول القمر ولا يقبلون فرضية أن موسى الكاظم يرقد في مكان آخر غير الذي يزورونه ويقدمون له النذور ويطلبون منه تحقيق أمنياتهم؟  نقلا عن:  د. نزار السامرائي، جسر الإعلام وعربات السياسة، معد للنشر.  أما قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ففيه روايات عديدة، منها أن الخليفة العباسي هارون الرشيد كان في نزهة في ظاهر الكوفة فوجد غزالا مطمئنا إلى جانب ذئب، فدُهش للحالة وسأل كيف يحصل هذا، فقيل له هنا يرقد علي بن أبي طالب، فأمر ببناء قبة فوق القبر، وهناك رأي يقول بأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مدفون في مدينة “مزار شريف” في أفغانستان، وتنسج حول الموضوع حكايات كثيرة منها أن الناقة التي وُضع عليها جثمان الإمام علي قد حلقت في الفضاء وهبطت في مزار شريف، وأثناء الحرب العراقية الإيرانية أثار أكثر من معمم إيراني أن النجف لا تضم جثمان الإمام علي, والحقيقة أنه مدفون في إيران، وهناك رأي يقول بأن المغيرة بن شعبة هو المدفون تحت القبة الذهبية في مدينة النجف، وعلى العموم فإن عدم حسم الجدل بشأن الموضوع يؤكد أن منطق الاستثمار المالي والمذهبي هو العامل الرئيس لتعدد الروايات.  
    4 – الكافي للكليني: (1/438).
    5 – العقد الفريد لابن عبد ربه، ج1، ص275. 

……………………………….

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …