مفارقة محزنة رصدها كثيرون عند رؤيتهم شيخا من الأسرة الحاكمة في الإمارات يتفاخر بذهابه للعلاج في إسرائيل ويلتقط الصور مع أطبائهم، وهو يرتدي “الكيباه”، أو القلنسوة الدينية اليهودية، بينما يمنع العلاج عن أشقائه العرب في قطاع غزة المحاصر حسبما رصد موقع الاستقلال.
الشيخ خالد القاسمي من إمارة الشارقة بالإمارات، لم يكن الوحيد الذي فعل ذلك بل تداعى، أخيرا، خليجيون آخرون بينهم مطربة كويتية تُدعى شمس، للتداوي في مستشفيات تل أبيب، واستضافة أطباء إسرائيليين، بل وحتى افتتاح فروع لمراكز طبية إسرائيلية في بلادهم.
وقبل التطبيع الرسمي بين 4 دول عربية وإسرائيل عام 2020، كانت صحف تل أبيب تعج بأخبار عن سفر مسؤولين عرب للعلاج في إسرائيل سرا، لكن عقب التطبيع أصبح كثير من العرب، خاصة الخليجيين، يتفاخرون بذلك.
ولا يقتصر العلاج في المستشفيات الإسرائيلية على الخليجيين ولكنه يشمل الأردنيين وكثيرا من القيادات الفلسطينية وعائلاتهم، ومنهم صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين الراحل.
تطبيع طبي
ولم يكتف الشيخ خالد القاسمي بالسفر إلى إسرائيل للعلاج من آثار حادث سيارة، ونشر صور له وهو أمام مركز “عيمك” الطبي، متفاخرا بأنه يتلقى العلاج هناك.
بل اكد ان وجوده في هذه المركز تم بفضل ابنته (أميرة) التي تدرس الطب هناك، وفق وسائل إعلام إسرائيلية، أكدت أن كثيرا من الخليجيين بدأوا في إرسال أبنائهم أيضا للدراسة في معاهد وجامعات إسرائيل!
وقال حساب “إسرائيل بالعربية” الحكومي عبر تويتر في 8 يناير، إن القاسمي تلقى العلاج في مشفى إسرائيلي، وهو أول شخصية من العائلة الحاكمة في الشارقة يصل للعلاج في إسرائيل.
وأضاف أن “الأمر تم بفضل الجهود التي قامت بها ابنته أميرة التي ستنهي دراسة الطب في مشفى عيمك حيث تلقى الشيخ العلاج”
من جانبه، أوضح موقع “إسرائيل توداي”، أن “القاسمي هو أول أمير عربي يُعرف بأنه تلقى العلاج في إسرائيل، وتمهد زيارته الطريق لمزيد من الإماراتيين للحصول العلاج في إسرائيل”.
وأضاف أن الشيخ دافع عن ارتدائه الكيباه أو القلنسوة اليهودية، قائلاً إنه يفعل ذلك “علامة على احترام الشعب اليهودي ودولة إسرائيل”
وقال في دعاية مجانية للإسرائيليين: “تلقيت أفضل علاج طبي في إسرائيل منذ حادث السيارة، لقد سافرت إلى عدة دول في أوروبا ودخلت المستشفى في عيادات مختلفة منذ إصابتي، ولكن منذ وصولي إلى إسرائيل، حدث تحسن كبير في وضعي”
وأضاف أنه تلقي دعوة إلى إسرائيل من قبل وزير الاتصالات الإسرائيلي الدرزي السابق أيوب قرا، المقرب من المسؤولين في الإمارات.
من جانبه قال الوزير الإسرائيلي “قرا”: “بعد دخول الشيخ خالد القاسمي إلى المستشفى في إسرائيل، قررت الإمارات منح جميع سكان الإمارات الحق في تلقي العلاج في إسرائيل، على نفقة الدولة”
أيضا ذكر موقع هيئة البث الإسرائيلية الحكومية باللغة العربية “مكان” في 9 يناير 2023، أن المطربة الخليجية “شمس” وصلت إلى إسرائيل لتلقي علاج في مركز طبي خاص في هرتسليا لدى الباحث وطبيب القلب نادر بطو.
وزعمت الفنانة الكويتية أن “ما دفعها لطلب العلم على يد الطبيب نادر بطو، هو الأخذ بدراسة الجانب الروحي المتسبب في أمراض القلب، إذ توصل إلى طريقة للتواصل مع الروح لعلاج المشكلة من جذورها، وقبل أن تتفاقم وتتسبب في أمراض بالقلب” وفق وصفها.
ونشرت “شمس” صورا لها بالمسجد الأقصى ودعاية للمستشفى الإسرائيلي عبر عدة تغريدات لها، لكنها حرصت على القول إنها زارت “فلسطين” لا “إسرائيل”
وبسبب ذلك هاجمها نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قائلا: “أنت في إسرائيل، في المدينة الإسرائيلية واليهودية “هرتسليا” نسبة لاسم الأب الروحي للصهيونية وإسرائيل ثيودور هرتسل وتستمتعين بفنادقها ومطاعمها والخمر في حاناتها”، وإذا لم تحترمي ذلك “اخرجي من هنا”
وطالب النائب الكويتي السابق وليد مساعد الطبطبائي بمنع المطربة شمس الكويتية من دخول البلاد ومحاسبتها بسبب زيارتها لإسرائيل وفلسطين.
وقال الدكتور بطو في حديث مع إذاعة “كان” إن الزيارة أثارت أصداء واسعة في العالم العربي، وقد تلقى العديد من العروضات والرسائل، أبرزها دعوة زيارة من القصر الرئاسي في أبو ظبي.
روابط مشينة
بعد شهر واحد من توقيع اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، تم توقيع اتفاق طبي للتعاون في تسويق تكنولوجيا العلاج الإسرائيلية للإمارات وتطوير تقنيات صحية، بحسب وكالة رويترز في 10 سبتمبر/ أيلول 2020.
ووقع مركز “شيبا” الطبي في إسرائيل وشركة “أبيكس الوطنية للاستثمار” في الإمارات، “اتفاقا مبدئيا” لتطوير تقنيات تتعلق بالرعاية الصحية في الإمارات ومنطقة الخليج.
ولاحقا، كشف موقع “سيركويت نيوز” في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أن “الطب الرقمي ربط المستشفيات في الخليج وإسرائيل”، مشيرا لمشاركة مركز شيبا الطبي الإسرائيلي خبراته التقنية مع أقدم مستشفى في البحرين أيضا.
وعقب انتشار وباء فيروس كورونا، أعلنت إسرائيل أن ثلاث دول خليجية تواصلت معها للمساعدة في مكافحة الجائحة، بحسب صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 10 مايو /أيار 2020، مشيرة إلى الإمارات والبحرين وربما الكويت، وفق زعمها.
ونقلت الصحيفة عن يوئيل هارفين، رئيس القسم الدولي بمركز شيبا الطبي، أن عضوا رفيع المستوى في العائلة الحاكمة الإماراتية قام بزيارة خاصة للمستشفى في مارس/آذار 2020، وظل منذ ذلك الحين على اتصال أسبوعي.
كما نقلت تأكيد الحاخام مارك شناير، الذي لديه علاقات واسعة في الخليج وساعد في إقامة صلة مع الحكومة البحرينية، أن ثلاثة من أعضاء مجلس التعاون الخليجي الستة يشاركون بطريقة أو بأخرى مع النظام الصحي في إسرائيل.
وعاد يوئيل هارفين ليقول لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 11 سبتمبر 2020، إنه تم الاتفاق مع الإمارات على إرسال العديد من الحالات المعقدة التي يتم إرسالها خارج الإمارات لإسرائيل باعتبارها أقرب من أوروبا، وأرخص من الولايات المتحدة.
وقال إنه “مرحب به، حيث إن العديد من العاملين في المجال الطبي يتحدثون العربية، لذلك لن يشعروا أنهم بعيدون عن منزلهم”
وعقب التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، كشف يوئيل هارفين، وهو مقدم احتياط بالجيش الإسرائيلي لصحيفة “يسرائيل هيوم” في 15 مارس/ أذار 2021 إن الأطباء الإسرائيليين سيسافرون إلى دبي لعلاج عسكريين إماراتيين أيضا.
أوضح أن 350 مريضًا بالسكري في القوات المسلحة الإماراتية والشرطة وخدمات مكافحة الحرائق سيعالجهم الأطباء الإسرائيليون.
وقالت وكالة “بلومبرغ” في 14 مارس/ آذار 2021، إن مستشفى شيبا الإسرائيلي افتتح مستشفى إسرائيلي في دبي لعلاج مسئولي الأمن في دبي.
وأوضحت أن المركز الإسرائيلي سيتعاون مع مركز التداوي الطبي في دبي بموجب عقد مدته ثلاث سنوات، ويرسل أطباء لتدريب العاملين في دبي.
سياحة علاجية
ومستفيدة من سفر سياح لإسرائيل من أوروبا وآسيا وإفريقيا، لزيارة كنيسة القيامة أو المسجد الأقصى، كشفت صحف عبرية عن زيارة عرب كثيرين حتى من قبل التطبيع للعلاج في إسرائيل.
وخلص تحقيق أعده الصحفي الإسرائيلي أساف جيبور، ونشره موقع صحيفة “ميكور ريشون” في 28 مايو/ أيار 2017 إلى أن أهم مظاهر التطبيع الخليجي-الإسرائيلي الصامت تعاظم السياحة الطبية الخليجية لإسرائيل، في مقابل سماح دول خليجية بفتح أسواقها أمام الشركات الطبية الإسرائيلية.
وبحسب التحقيق، فإن أفراداً من العائلات الحاكمة والأثرياء الخليجيين المعنيين بتلقي العلاج في إسرائيل، يصلون إلى قبرص، ومنها يتجهون إلى تل أبيب.
وذكر أن “أميرة من العائلة الحاكمة في البحرين كانت قد وصلت إلى قبرص، ومنها إلى مطار بن غوريون، حيث تم نقلها إلى مستشفى “رمبام” في حيفا”
وبين أنه أجري للأميرة، التي تبلغ من العمر 50 عاما، عملية جراحية عادت بعدها للبحرين، بعد أن تم التأكد من شفائها.
وأشار إلى أن هناك جهات إسرائيلية متخصصة في تنسيق سفر الخليجيين إلى إسرائيل لتلقي العلاج، وترتيب نقلهم للمستشفيات.
وتقوم هذه الجهات، وفقاً للتحقيق، بنقل المرضى من الأمراء والأثرياء الخليجيين من مطار “بن غوريون” إلى المستشفيات الإسرائيلية بشكل مباشر.
وفي يونيو/ حزيران 2017 كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن “خطة اسرائيلية لعلاج المرضى الخليجيين خاصة الأثرياء في تل أبيب”
ذكرت أن وزير السياحة الإسرائيلي حينئذ، يريف ليفين يعكف على وضع خطة هدفها تشجيع السياحة الطبية بين إسرائيل ودول الخليج، وأنه قام بإجراء اتصالات مع البيت الأبيض، لطلب التوسط مع عدد من دول الخليج.
قال الوزير للصحيفة: طلبت من واشنطن التوسط لإحضار مرضى خليجيين لتلقي العلاج في إسرائيل”
وفي يونيو 2011 بث التليفزيون الإسرائيلي فيلمًا وثائقيا عن وجود سياحة عربية وخليجية في إسرائيل بشكل سنوي.
التقرير زعم نقلا عن أرقام وزارة السياحة الإسرائيلية أن 30 ألف سائح عربي كانوا يزورون إسرائيل سنوياً (قبل التطبيع) لأغراض علاجية مختلفة معظمهم من دول الهلال النفطي بالخليج العربي.
وأوضح أنهم يدخلون إسرائيل خلسة عن طريق استخدام تأشيرات منفصلة عن جوازات سفرهم يحصلون عليها بمساعدة السفارات الإسرائيلية الرسمية في قبرص واليونان.
وأضاف أن الخزينة الإسرائيلية ربحت من هذه السياحة العلاجية العربية في إسرائيل خلال نصف عام 2011 فقط، نصف مليار شيكل إسرائيلي، وفق وزارة المالية الإسرائيلية في ميزانية 2011.
وتروج إسرائيل على نطاق واسع لما تسميه السياحة العلاجية في منطقة الخليج وهناك حوالي 70 مستشفى عاما ومركزا طبيا في إسرائيل، تمتلك وتدير الحكومة والمنظمات غير الربحية معظم تلك المستشفيات.
ويذكر موقع bookimed للسياحة العلاجية في 3 يناير 2023، أن إسرائيل أصبحت واحدة من الوجهات الطبية الأكثر شعبية بسبب رخص العلاج نسبيا عن أوروبا ووجود كفاءات طبية، فضلا عن العديد من العاملين الناطقين باللغة العربية
وتظهر معطيات وزارة الصحة الإسرائيلية أن نسبة العاملين العرب بالمهن الطبية داخل المستشفيات الإسرائيلية تصل إلى 38 بالمئة، بحسب موقع الجزيرة نت في 30 سبتمبر 2015.
بينما نسبة الأطباء العرب في إسرائيل تبلغ 20 بالمئة مقابل 17 بالمئة هي نسبة فلسطينيي الداخل إلى إجمالي سكان إسرائيل، ويرفض 33 بالمئة من الإسرائيليين تلقي العلاج من أطباء عرب لأسباب عنصرية.
أردنيون بمستشفيات إسرائيل
ولجأ الأردن إلى مستشفيات إسرائيل بعد إبرام اتفاقية سلام مبكرة مع إسرائيل عام 1994، لكن رحلات العلاج كانت سرية لتلافي ردود الأفعال الغاضبة.
لكن عقب اتفاقات “أبراهام” مع 4 دول عربية أخرى بدأت صحف تشير لنقل حالات مرضية أردنية، بينهم مسئولون، للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية.
وفي 4 نوفمبر 2020، كشفت قناة “كان” الرسمية الإسرائيلية، أن مسؤولا عسكريا أردنيا بارزا تم نقله لتلقي العناية الطبية العاجلة في مستشفى “هداسا” بعد إصابته بفيروس كورونا.
ثم لجأ أحد أشهر مدربي كرة القدم في الأردن إلى المستشفى ذاته بهدف تلقي العلاج من مرض السرطان الذي أنهك جسده.
وأثار لجوء شخصيات أردنية بارزة للعلاج في إسرائيل جدلاً وغضباً في الشارع الأردني، لأن هذا تم في وقت كانت تتحدث الحكومة الأردنية عن تطور خدماتها الطبية والصحية وتميزها في مستوى السياحة العلاجية.
ورصدت نقابة الأطباء ونشطاء مقاومة، بحسب موقع “إندبندانت عربية” في 5 يناير 2021، تزايدا في عدد الأردنيين الذين يتوجهون إلى تل أبيب لتلقي العلاج خصوصا ذوي الأمراض المستعصية كالسرطان.
وذلك رغم تحول مركز الحسين للسرطان في العاصمة عمان إلى مركز إقليمي معتمد من منظمة الصحة العالمية واستقباله حالات من دول عربية عدة.
وبالمقابل ترفض مستشفيات إسرائيلية علاج فلسطينيين لأسباب متطرفة وتم إقرار قانون إسرائيلي يجيز رفض علاج العرب كأحد شرط تيار الصهيونية الدينية المشارك في حكومة نتنياهو.
حيث تمت الاستجابة لعدد كبير من مطالب الصهيونية الدينية التي تسمح لإسرائيل بالتوسع بشكل غير مسبوق في تعزيز ممارسات التمييز العنصري، منها رفض علاج فلسطينيين، بحسب صحيفة “الشرق الأوسط” في 26 ديسمبر/كانون الأول 2022.
ومن بين هذه القوانين العنصرية، قانون يسمح للطبيب الإسرائيلي بأن يتخلى عن القَسَم المهني الذي يتعهد فيه بمعالجة أي مريض بين يديه، ويتيح له رفض علاج مريض “لو تناقض مع مبادئه الدينية”
ورفضت عيادة في مستوطنة “كريات غات” بالفعل تقديم العلاج لمحمود أبو طربوش (23 عاما) من فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948 لأنه عربي.
وفي 10 فبراير/ شباط 2022، قالت منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية، إن تل أبيب تواصل عرقلة طلبات خروج المرضى من قطاع غزة لتلقي العلاج سواء في الضفة الغربية أو إسرائيل أو الخارج.
وأضافت في تقرير لها أن إسرائيل تتباطأ في الموافقة على الطلبات ولا تقبل إصدار تصاريح إلا للعلاجات التي تُعتبر منقذة للحياة وتلك التي لا تتوافر في القطاع، لذلك يفقد مرضى كثيرون فرصة الحصول على العلاج ويظلون عُرضة للمعاناة.
وخلال عام 2021، أبلغت إسرائيل 37 بالمئة من مقدمي الطلبات أنها رُفضت أو أنها قيد الفحص أو لم يتلق مقدموها ردا أصلا، ورفضت طلبات 38 بالمئة من المرضى الأطفال و24 بالمئة من طلبات المرضى الذين يتجاوزون 60 عاما.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات