داخل أجهزة الأمم المتحدة .. فساد وتحيز وسيطرة الأقوى

أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس الإثنين، انتخاب قطر لولاية ثانية بمجلس حقوق الإنسان، وتتنافست ست دول هي قطر وأفغانستان وماليزيا والمالديف ونيبال وباكستان، على أربعة مقاعد مخصصة للدول الآسيوية والمطلة على المحيط الهادئ.

وكشف تحقيق أجرته «الهيئة المستقلة لمراقبة الأمم المتحدة» داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة معلومات مذهلة عن محاولات سلطات الإمارات الأمنية التلاعب بقضايا حقوق الإنسان وتوظيفها في صراعها السياسي المحموم ضد قطر.
إضافة إلى ما وصفه تقرير الهيئة عن وجود تعبئة وضغط سياسيين «لا أخلاقيين» تمارسهما الإمارات عن طريق إغراق المجلس بمعلومات مضللة والضغط على المقررين الخاصين التابعين لمجلس حقوق الإنسان, وتقوم الإمارات بانتهاك القوانين المالية والتجارية الأوروبية، وهو ما يعني أن سلطات الإمارات تقوم بعمليات جنائية تستوجب ملاحقة قانونية وأمنية.
ولعلّ أكثر ما يثير الاستغراب في ممارسات الإمارات تدخل أجهزتها الأمنية للعمل على أنها منظمات دفاع عن حقوق الإنسان، فحسب تقرير الهيئة فإن إحدى المنظمات المحلية الرئيسية في الإمارات، وهي «الفدرالية العربية لحقوق الإنسان» ليست أكثر من قناع للأجهزة الأمنية وأنها، تحت هذا القناع الإنسانيّ، تستخدم المال السياسي الأمني لتقديم رشاوى لأفراد ومنظمات غير حكومية للمساهمة في حملاتها المنهجية ضد قطر عبر ربطها بمزاعم تمويل ورعاية الإرهاب وانتهاك حقوق العمالة.
والمثير للعجب أن المنظمة المذكورة تقوم أيضاً بحملات تشويه ضد المنظمات العالمية المعروفة في قضايا الدفاع عن حقوق الإنسان كمنظمتي هيومان رايتس ووتش, والعفو الدولية.
محاولات المنظمة المذكورة توظيف المؤسسات الدولية في صراع أبو ظبي ضد قطر وظفت أساليب ضباط الأمن، وهو ما أثار ردود فعل عكسيّة ضدها، كما حصل مع أحد المسؤولين الدوليين الذي طلب منه شخص قال إنه منسق «الفدرالية العربية لحقوق الإنسان» ربط قطر بالإرهاب لقاء مبلغ من المال!

وعند التحقيق أكثر في مصداقية المنظمة المذكورة اكتشفت الهيئة أنها غير مسجلة رسميا, وبالتالي فهي جهة غير شرعية تقوم بصرف أموال غير معلن عنها وهو ما يعتبر فساداً مالياً فاضحاً.
لم تكتف سلطات الإمارات المعنيّة بالملفّ بهذا السجل الشائن الذي يسيء عالميّاً لنضالات منظمات حقيقية, بل قامت أيضاً بدفع مبالغ لمنظمات مدنية عربية وإفريقية لتكون عيونها أو مخالبها أو ألسنتها في مؤسسات الأمم المتحدة وهو أمر يكشف عن تكالب محموم على تنفيذ أجندات سياسية وأمنية من دون أي اكتراث بأي أعراف أو أخلاق أو قوانين.
التقرير أشار إلى أن ممارسات الإمارات في الضغط والتلاعب والتضليل تتشابه مع ممارسات دول بينها السعودية وإسرائيل وإيران، ولكن الواضح أن أبوظبي أضافت «بصمتها» الخاصة وإنجازاتها التي تفوقت فيها على أقرانها، ومنها، مثلاً، قيامها بتجنيد عدد من اللاجئين الأفارقة في سويسرا ليقوموا بالتظاهر ضد قطر وهو تصرّف غريب، فما علاقة أولئك اللاجئين الأفارقة في سويسرا بقطر ليتظاهروا ضدها؟

ويتهم الكثيرون الأمم المتحدة بعدم جدواها وافتقارها للمواقف والسياسات والادوار الفاعلة، والجميع يتصارع إما للسيطرة عليها أو التأثير فيها.

الانتقادات التي توجه للامم المتحدة تنطلق من ألسنة السياسيين الكبار واولهم الرئيس الأمريكي كما يتفوه بها ضحايا الظلم والاستبداد بحسب رأي الكاتب البحريني د. سعيد الشهابي.

وهكذا تبدو المنظمة التي مضى على تشكيلها قرابة السبعين عاما مرفوضة ومرغوبة في الوقت نفسه.

الابتزازات للمنظمة تتخذ اشكالا شتى أهمها التهديد بالتوقف عن دفع الالتزامات المالية من قبل الدول الاعضاء. 
وقد اعتاد الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تجمع الاضداد في دوراتها السنوية؛ فيعتلي المنبر الرئيس ترامب ويعقبه الرئيس الايراني، حسن روحاني، وكلاهما يوجه سهامه للآخر ويعتبر ذلك إنجازا.

ولم يخف البريطانيون انزعاجهم من خلو القاعة من الحاضرين عندما ألقت رئيسة وزرائهم كلمتها التي استغرقت 15 دقيقة وانتقدت فيها الانسحاب الأمريكي من اتفاقية المناخ.

كما لم يخف الأمريكيون امتعاضهم عندما أخلد بعض الزعماء للنوم خلال كلمة ترامب ومنهم روبرت موجابي، رئيس زيمبابوي.

وبغض النظر عما يقوله المنتقدون فإن اجتماع هؤلاء القادة المتناقضين في سياساتهم وأيديولوجياتهم إنما يؤكد ضرورة وجود هذا المنبر.

لكن هذه الضرورة لا تلغي ضرورة أخرى لا تقل اهمية, وهي إصلاح المنظمة وتوسيع صلاحياتها، وإعادة النظر في عضوية مجلس الأمن الذي تتمتع فيه خمس دول فحسب بعضوية دائمة, والأمر الذي يتفق عليه الجميع ان الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها تحتاج لإصلاح شامل كي يكون أداؤها فاعلا.

المشكلة أن هذا الاصلاح منوط بإرادة الدول الاعضاء، وبالتالي ستستمر المماحكات فيما بينها بالاضافة للحسابات السياسية لكل منها، وبذلك فإن أي إصلاح مرتقب لن يكون إلا محدودا وشكليا.

فالجمعية العمومية تحولت إلى برلمان يخطب فيه الزعماء ولا يتسع لغيرهم، وقراراتها غير ملزمة.

أما مجلس الامن فعضويته محددة بالدول الخمس الدائمة العضوية والدول العشر المؤقتة، وبرغم النداءات الكثيرة لتوسيع عضويته لتكون أكثر تمثيلا لموازين القوى إلا أن هناك رفضا مستمرا لذلك.

وواضح عجز المنظمة عن أداء دور فاعل على الصعيد الدولي، خصوصا مع وجود حالة الاستقطاب السياسي في العالم التي تمنع صدور أي قرار لا يقبل به جميع الأعضاء، فحق النقض «الفيتو» يحول دون ذلك.
وتشعر الشعوب بخيبة أمل كبيرة عندما ترى فراغا قياديا خصوصا امام النزاعات والصراعات الاقليمية او الدولية.

فحتى الآن لم يستطع العالم التوافق على موقف موحد لحماية مسلمي ميانمار بالضغط على حكومة ذلك البلد أو فرض عقوبات اقتصادية عليها او إرسال قوات دولية لمنع الجرائم التي ترتكب يوميا بحق مسلمي الروهينجا.

وكانت المنظمة قد فشلت في منع مجازر التطهير العرقي في رواندا ويوغوسلافيا السابقة, بل حتى مع تواجد القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة فقد عجزت عن حماية مسلمي البوسنة, فحدثت مجزرة سربرينتسا التي راح ضحيتها ثمانية آلاف من المسلمين، وتمثل الحالة الفلسطينية الفشل الأكبر للأمم المتحدة، فقد بدأت المشكلة مع تأسيس المنظمة واستمرت معها حتى اليوم, ولم تستطع حماية الشعب الفلسطيني أو وقف الاحتلال الاسرائيلي لاراضيه, وما تزال مدينة القدس محتلة برغم اعتراض الأمم المتحدة.

لقد جاء إنشاء المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية على أمل أن تستطيع منع الصراعات المستقبلية، ولكن حروبا كثيرة حدثت بدون قرار دولي، ومنها الحرب على العراق التي خاضها التحالف الانجلو – أمريكي في 2003، وأدت لإسقاط نظام صدام حسين.

ويزداد الخطر هذه الأيام بوجود حاكم كالرئيس الأمريكي ترامب، الذي يتصرف خارج أطر الدبلوماسية والعمل المشترك.
وبرغم شعور الكثيرين بعدم فاعلية المنظمة إلا أن الاهتمام بدوراتها السنوية لم يتراجع، بل أصبحت الدول تتنافس لتوسيع مشاركتها ووفودها, ويحرص الرؤساء على مخاطبة العالم من على منبر الأمم المتحدة.

 

مجلس حقوق الإنسان

أما مجلس حقوق الانسان فهو الآخر مثير للجدل والنقد من قبل نشطاء حقوق الإنسان؛ فعضويته تشمل دولا لها سجلات سوداء في حقوق الإنسان، وقد تراجعت المنظومة الحقوقية منذ تشكيله قبل 12 عاما.

لقد توسعت دائرة الانتهاكات من قبل الانظمة القمعية بعد أن اتضح أن المجلس أصبح تحت سيطرة الدول الاعضاء الـ 47 التي تتضامن في ما بينها لمنع صدور قرارات قوية ضد أي منها.

وفي العامين الأخيرين وُجهت انتقادات كثيرة للمجلس بعد ان أصبح واضحا أن السعودية المتهمة بانتهاكات واسعة لحقوق مواطنيها أصبحت تمارس نفوذا واسعا على دول المجلس وتحول دون ممارسة دور فاعل للدول التي تُنتهك حقوق مواطنيها.

حقائق مؤلمة تكشف أمورا عديدة أولها ضرورة وجود عمل دولي مشترك يهدف لحماية الشعوب وليس الأنظمة فحسب، وثانيها أن هناك حاجة ملحة لإصلاح ما هو موجود من عمل مشترك يتمثل بالأمم المتحدة ومؤسساتها خصوصا مجلس حقوق الإنسان، وثالثها حماية هذه المؤسسات من التأثيرات السياسية وعدم السماح بابتزازها ماليا كما تفعل أمريكا وبعض دول الخليج، ورابعها أن من الضرورة بمكان تدشين عملية إصلاحية تعيد للعالم توازنه الاخلاقي والسياسي وتمنع القفز على الثوابت سواء بالتهديد او الابتزاز او استخدام أساليب القوة العسكرية أو المالية، وأخيرا مطلوب إعادة قدر من المبادئ والقيم والاخلاق للعمل الدولي المشترك لكي يمكن حماية المضطهدين على خلفيات عرقية او دينية او سياسية.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …