دبلوماسية الكواليس العُمانية تقترح غسل جلابيب أركان نظام القذافي وإعادتهم إلى السلطة!

ثمة مقالات تبدو رصينة ومُحايدة، ثم لا يلبث أن يتضحُ أنها بالون اختبار تُطلقه جهات رسمية لقياس ردود الفعل على مبادرات تُعدُها في الخفاء. ومقال الصحفي ريتشارد جالوسيان عن آفاق الحل السياسي في ليبيا، الصادر أخيرا في صحيفة «تايمز أوف عُمان»، هو من هذا النوع. 
فالصحافة في السلطنة «مُنضبطة» ومنسجمة مع أصحاب القرار، وكاتب المقال مُقرَبٌ من دوائر القرار في مسقط، لذا فهو لم ينطق عن رأيه، خاصة أن المقال صدر في صحيفة ناطقة باللغة الانجليزية, أي أنه مُوجهٌ للخارج، وتحديدا للأطراف المؤثرة في الملف الليبي.
اعتادت سلطنة عُمان منذ فترة بعيدة على استخدام تكتيك الاستشعار عن بُعد، لا سيما أنها «تخصصت» في دبلوماسية الكواليس، إذ تقوم بأدوار في العمق، بعيدا عن أنظار الإعلام، لجمع الأعداء أو الغُرماء حول طاولة واحدة.

هذا ما فعلته بين الأمريكيين والإيرانيين في عام 2013، تمهيدا لمفاوضات رسمية لاحقا حول البرنامج النووي الإيراني، وبعد ذلك بين الفريقين اليمنيين المُتحاربين، بفضل علاقاتها المتينة مع الحوثيين، ما شكل تمهيدا لمحادثات جنيف، وقبل ذلك بين العرب والإسرائيليين.

كما حافظت السلطنة على علاقاتها مع سفاح سوريا؛ بشار على عكس دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى ما جعلها مرمى لسهام ناقدة من داخل البيت الخليجي .

دور محوري

الأرجح أن الرؤية التي يطرحها الصحفي جالوسيان، المعروف بدفاعه عن السلطنة، ليست بعيدة عما يُخالجُ أفكار صُنَاع الدبلوماسية العُمانية في شأن المخارج الممكنة من الأزمة الليبية.

ورأى جالوسيان أن أنصار معمر القذافي، وتحديدا أسرته، يمكن أن يلعبوا دورا محوريا في تشكيل هيئة للحقيقة والمصالحة، على غرار ما عرفته افريقيا الجنوبية بعد القضاء على نظام الفصل العنصري!

واستطرادا اعتبر “جالوسيان” أن غالبية رؤساء القبائل ما زالوا مُؤيدين للنظام السابق، وأن في وسعهم أن يقوموا بمحاولة لتوحيد البلد، بدعم من الجنرال خليفة حفتر، وبمنأى عن حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج. وزاد جالوسيان أن إخلاء سبيل سيف الاسلام القذافي، الذي كان معتقلا في الزنتان، جعل التساؤل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه في بلد مُمزَق منطقيا ووجيها.

وأشار إلى أن سيف الاسلام دائم التواصل مع أشخاص داخل ليبيا وخارجها، لعرض خطته لـ”إنقاذ ليبيا” عليهم!

أكثر من ذلك، يجزم جالوسيان أن نجل القذافي يلعب حاليا في الملعب القَبَلي مُستندا إلى القبائل التي كانت تدعم والده، والتي تعتبره قادرا على قيادة عملية مصالحة شاملة.

في هذا السياق يعتقد جالوسيان أن الوحيد الذي يمكن أن يساعد سيف الاسلام على هذا الدور هو حفتر «بحكم علاقاته المتينة مع قبيلتي ورفلة، كبرى القبائل الليبية، وورشفانة اللتين كانتا تؤيدان القذافي وتُعارضان حاليا الجماعات المسلحة، وكلا القبيلتين من المنطقة الغربية». 
ويقول جالوسيان أيضا إن القبائل تعتقد أن في وسع جماعة القذافي إيجاد ترتيب مع الأطراف الليبية الأخرى من أجل الصفح عن الجرائم المرتكبة منذ 2011، لا سيما أن بعض المؤشرات على هذا التقارب بدأت تظهر، مع إخلاء سبيل شخصيات من رجال النظام السابق أخيرا، بعدما ظلوا في السجن نحو ست سنوات.

وتطرق جالوسيان إلى دور عائشة القذافي التي قال عنها إنها تستقطب الأضواء أيضا، مُعتبرا أنها تستطيع العمل إلى جانب شقيقها لمدِ أيديهما إلى كافة الليبيين، لاسيما أنها كسبت دعوى لدى محكمة العدل الأوروبية ضد العقوبات التي أقرها مجلس الأمن الدولي في حق النظام الليبي السابق، ما يُشكل حسب جالوسيان، مؤشرا إلى احتمال الإفراج عن أموال النظام المُجمَدة، وهي في النهاية أموال الشعب الليبي وتُقدر بمليارات الدولارات.

تجاهل للنخب الجديدة


إلى هنا تنتهي «أفكار» المُحلل السياسي، وهي نقاط تتطابق مع السياسة التي توختها عُمان إزاء الملف الليبي حتى الآن، ومن أبرز معالمها استضافة أفراد من أسرة القذافي أبرزهم عائشة، بعدما غادرت منفاها الاختياري السابق في الجزائر. وعلى الصعيد السياسي تُقاطع السلطنة النخب الليبية الجديدة، التي أطاحت بالقذافي ونظامه.

ومن هنا يبدو أن الموقف العُماني ماض في رفض الاعتراف بالقوى الليبية المُنبثقة من انتفاضة 17 فبراير 2011 والتمسك بما تبقى من اللاعبين السابقين في الساحة الليبية.

وهذا يعني إعادة عقارب الساعة عشر سنوات إلى الخلف، أي إلى مشروع «ليبيا الغد» الذي تزعمه سيف الاسلام في عهد والده، واعدًا بسن دستور وإدخال إصلاحات بنيوية على النظام السياسي، لكنه فشل فشلا ذريعا حين قرع والده الجرس إيذانا بنهاية الفسحة الانفتاحية بحسب الكاتب التونسي رشيد خشانة .

 وبهذا المعنى يُشكل احتضان عمان أفراد من أسرة القذافي احتضانا سياسيا لمشروع «مصالحة» يُفضي إلى غسل جلابيب أركان النظام السابق وإعادتهم إلى السلطة.

ولا يُشير مشروع جالوسيان إلى دور القوى الفاعلة الأخرى في المسرح الليبي، إذ أنه يتناسى أن ثلاث قوى رئيسية تتحكم حاليا بالمصير الليبي، هي:
 -المعارضون السابقون للقذافي ومنهم الجنرال حفتر وغالبية أعضاء البرلمان (مقره في طبرق).
–  الجماعات الإسلامية التي تسيطر على كل من طرابلس ومصراتة.
– أنصار النظام السابق الذين لا يمكن تجاهلهم أو إقصاؤهم، بشرط ألا تكون أياديهم مُلطخة بالدماء أو يكونوا ضالعين في الفساد.

جلادون وضحايا

أما مسار الحقيقة والمصالحة فلا يمكن أن يقوده أنصار النظام السابق، لأن أسس العدالة الانتقالية في التجارب المماثلة تقوم على منح الفرصة لضحايا القمع كي يكشفوا عن الحقائق ويخلعوا الأقنعة عن الجلادين، وليس أن يتولى قيادة العملية عُتاة النظام الراحل.

من هذه الزاوية تشكل التجربتان الجنوب افريقية والتونسية نموذجين لمصالحة لا تُعيد النظام المخلوع إلى سدة الحكم، ولا تستأصل أيضا من عمل في أجهزة الدولة طيلة فترة الاستبداد، التي استمرت، في ظل حكم القذافي اثنين وأربعين عاما.

وبتعبير آخر لا يمكن تجليسُ الجلاد في مقعد الضحية، وإنما ينبغي اجتراح عدالة انتقالية حقيقية، تكون مُقدمة لحوار شامل بين قوى سلمية لا إقصاء فيه ولا استثناء، كي يتيسَر سنُ دستور جديد وإجراء انتخابات عامة حرة وشفافة تُعيد السيادة لمن انتُزعت منه بانقلاب عسكري ذات يوم من سنة 1969.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …