المتابع للإعلام المصري يشعر باشمئزاز لما يشنّه إعلاميون محسوبون على سلطة الانقلاب العسكري من حملة كبيرة على مؤسسة الأزهر، فحسب أحدهم، وهو أحمد موسى، فإنه «بحّ صوت السيسي على مدى عامين ونصف العام من أجل تجديد الخطاب الديني، ولم يفعل أحد شيئا، البقاء لله في الأزهر، والسيسي أعلن وفاته اليوم».
والمقصود بذلك تأسيس رئيس سلطة الانقلاب ما يسمى ” المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب والتطرف، وقد شارك في الحملة إعلاميون آخرون كعمرو أديب الذي قال إن «الرئاسة قررت التحرك في ملف تجديد الخطاب الديني بمفردها دون انتظار الأوقاف أو الأزهر بإقرار مجلس أعلى لتجديد الخطاب الديني»، وقامت جريدة محسوبة على الحكومة بإجراء استطلاع خرجت فيه بأن أغلبية من تم استطلاع رأيهم اعتبروا أن الأزهر لن يتمكن من «تجديد الخطاب الديني» أو «مواجهة الأفكار المتطرفة».
في موازاة ذلك قام محمد أبو حامد النائب في برلمان “التحية العسكرية” بتقديم مشروع لتعديل قانون تنظيم الأزهر إلى البرلمان، ينصّ على أن يكون تعيين أعضاء هيئة كبار العلماء عن طريق الرئاسة وليس شيخ الأزهر!
هذه الحملة تفتح مجموعة من الاحتمالات التي لا يبدو أن النظام في مصر مدرك لأبعادها التاريخية والمعرفية والسياسية.
تعتبر العلاقة بين الدولة المصرية الحديثة ومؤسسة الأزهر، تجسيداً للمعادلة المعقدة التي حرّكتها حملة نابليون بونابرت على مصر والتي اعتبرت حافزاً لـ«النهضة» المصرية التي تبنّت نماذج المؤسسات الغربية كالبرلمان والأحزاب والجامعات, وأثرت في النخبة المصرية الحديثة، بما فيها الأزهر نفسه، الذي تحوّل من التعليم الديني إلى جامعة للعلوم الحديثة.
كانت المعادلة بين الأزهر والدولة تعبيراً عن توازنات المجتمع المصريّ الفكرية وآماله وآلامه وتحولاته العميقة التي عبّرت عنها شخصيات مثل طه حسين، ابن الأزهر ثم السوربون الذي انتقل من الدراسة الدينية إلى الاشتباك مع علوم الأزهر التقليدية، ويحيى حقّي، الذي كتب «قنديل أم هاشم»، عن العلاقة المعقّدة في مصر بين العلم والتقاليد، وعبد الوهاب المسيري الذي كان أحد أقطاب الحزب الشيوعي المصري وانتهى منظرا كبيراً للإسلام السياسي، وسيد قطب الذي درس في الولايات المتحدة وانتهى كاتبا وأديبا ومنظرا إسلاميا في جماعة الإخوان وحكم عليه بالإعدام عام 1966.
لكن الهجمة على الأزهر هذه المرة يقودها أشخاص لا وجه لمقارنتهم بمن سبقهم؛ كأحمد موسى وعمرو أديب ومحمد أبو حامد ولميس الحديدي ومصطفى بكري, حيث الخطاب الفكري والسياسي المتدهور، وعلى التجاهل لضرورة الحفاظ على الاستقلالية النسبية لمؤسسة الأزهر، مع رغبة جامحة في تحويل كل المؤسسات إلى توابع تدور في فلك الجيش والأمن، وأن يتولى المناصب الدينية والعلمية، «إمّعات» يأتمرون بأمر الحاكم.
اتهامات ثقيلة الوزن يطلقها أصحاب الحملة ضد الأزهر، لها مآرب أخرى, فما يعتبرونه فشلا بمكافحة الإرهاب، القصد منه إخلاء مسؤولية أجهزة الدولة (والسيسي شخصياً) عن الفشل الذريع في الحفاظ على الأمن، وهي، حين تضع اللوم على الأزهر، توجّه، من حيث تدري أو لا تدري، ضحايا الإرهاب (وهم في الحالة الأخيرة الأقباط)، نحو المؤسسة التي تمثل الإسلام الرسمي، ما يترتب عليه بالتالي وجود صراع إسلامي ـ مسيحي.
وما كنا بحاجة إلى خبر كالذي نشرته جريدة «القبس» الكويتية عن إطلاق أجهزة الأمن المصرية سراح أحد مفجري الكنيستين بعد تسلمه من الكويت، ورغم علم تلك الأجهزة بتوجهاته, ومع ذلك بقي دون مراقبة, لنستنتج أن مؤسسات النظام المصرية الحالية وأجهزتها الأمنية تتحمل بشكل مباشر أو غير مباشر، المسؤولية في تعميم الإرهاب والطائفية.
الأزهر في النهاية، مؤسسة لها ما لها وعليها ما عليها، لكنّ عمل أجهزة الأمن على افتراس استقلاليته النسبية والتحريض عليه خطأ كارثيّ سيدفع المصريون جميعهم ثمنه.
غضب أزهري
علماء وقيادات الأزهر عبروا عن غضبهم إزاء تصاعد الهجمة الإعلامية على مشيخة الأزهر بعد التفجيرات التي طالت الكنيستين ، ووصف العلماء هذا الهجوم بالموجه ضد الإسلام من «ملاحدة وشيوعيين».
وقال أمين عام اللجنة العليا للدعوة الإسلامية في الأزهر الشريف، محمد زكي بدار في تصريحات صحفية إن «هذه الهجمة مردودة على أصحابها، فلو كان الأزهر الشريف في مناهجه ما يحرض على العدوان لكان يخرّج مليون إرهابي سنويا، ولكنه مفضي لنور وهدى ورحمة لأنه معبر عن رسالة الإسلام الوسطية السمحة التي منحت الحياة روحها ونورها وهداها، ولو كان ما يدعي المهاجمون صدقا، ما بقي الأزهر الشريف على حاله وما زاد عطاؤه».
وأضاف أن «الأزهر خرّج العلماء والحكماء والقادة والفقهاء، وهو الذي يفد إليه طلاب الحقيقة والباحثون عن الوسطية من كل الدنيا يهتدون بهديه ويستنيرون بنوره».
وتابع: «الهجوم الشديد على مؤسسة الأزهر وعطائها، هجوم على الإسلام ذاته، لمصلحة من يريد للإنسانية أن تكون بلا إسلام».
واعتبر أن «مصدر الهجوم هو الحقد الدفين، ويعبر المهاجمون زورا عن إفلاسهم العقدي والأخلاقي والمعرفي، وما يقوم به بعض الإعلام الرخيص على أيدي مرتزقة الفكر الآثم من ملاحدة وشيوعيين فهو تنفيذ لأجندة ممنهجة مدفوعة الثمن، للنيل من مصر الأزهر، بهدف زعزعة أمنها القومي، والتشكيك في رموزها وقادتها، بقصد انتزاع مكانة الأزهر وتأثيره من قلوب محبيه في مصر والعالم».
وأشار إلى أن «نقد السلطة السياسية للأزهر ليس غضبا، وإنما هو من باب التوجيه من ولي الأمر للمؤسسات المعنية لتنهض برسالتها، وتعبر عن عطائها، حلا لمشاكل المجتمع، خصوصا قضاياه المعاصرة، التي لا حل لها إلا من خلال تشديد الخطاب الإنساني الشامل للمجتمع كله».
وتابع: «من المفترض أن الإعلام يجدد وعي الأمة ويستنهض الهمم، ويحفظ الثوابت، ويصوب حركة الحياة، فلا مجال للهو واللعب والعبث بعقول الناس ونشر الفكر المسموم المتدني الذي يشيع الفاحشة في أرض الطهر والتوحيد، ويهمز ويلمز رموز الأمة بالمعايب والاستهزاء، من خلال إعلام هابط لا هم له إلا النقد الهدام لأصحاب العطاء، فلا نرى منه إلا القبح صباحا ومساء, نشرًا للفاحشة وإشاعة للقبح والعهر والعري والفجور».
وأشار إلى أنه يبشر هؤلاء الإعلاميين بأن «مأواهم مزابل التاريخ»، ثمرة لبرامجهم المتدنية، مختتما تصريحاته قائلاً: «لا مكان لملحد ولا زنديق ولا متفحش، في بلد فيه أنوار الأزهر تسطع، فليبحثوا لهم عن مكان آخر، فإن الأزهر الشريف سهم من سهام الله النافذة يمسكه للهيبة ويرمي به أعداء دينه، في عصر امتلأ بملء عشرين عصرا من زنادقة القبح والفحش والعهر، ونقول لأعداء مصر المباركة من خدم الأمريكان وعبد الصهاينة «موتوا بغيظكم» .
من جهته، قال عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر، الدكتور طه أبو كريشة، إن هذا «الهجوم في حقيقته هجوم على الدين نفسه من أولئك الذين لا يريدون أن يكون هناك في المجتمع من ينكر عليهم انحرافاتهم وخروجهم عن الدين، وهم يمثلون طائفة العلمانيين الذين يبغضون كل أمر يتصل بالدين من قريب أو بعيد، لأنهم يعلمون أن الأزهر هو الحارس لهذا الدين على مدى أكثر من ألف عام».
وأضاف: «نقول لهؤلاء الإعلاميين إن الأزهر هو الوارث لرسالة هذا الدين، فهذا اصطفاء واختيار وقدر من الله عز وجل، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى، وسوف تعود مكائد هؤلاء إلى نحورهم، وسوف يظل الأزهر شامخا قائما بأمانة هذه الرسالة».
وأشار إلى أن «قيادة الدولة تعلم علم اليقين أن الأزهر هو مصر ولا تكون أبدا بدونه»، لافتا إلى أن «من نفذ العمليات الإرهابية الأخيرة بالتحديد لم يتخرج من الأزهر»، واصفا اتهامات الإعلاميين بأنها «أباطيل لا سند لها من الواقع», مشددا على «أن كل الاتهامات تأتي من مغرضين يبغضون الدين في قلوبهم وبالتالي يكرهون كل من يعمل على رفع شأن الدين».
ورد وكيل الأزهر الشريف، عباس شومان، على ما وصفه بـ«الانفلات غير المسبوق» بالهجوم على المؤسسة الدينية في مصر، قائلا: «قد يستعجب البعض غض الأزهر الطرف عن هذا الانفلات غير المسبوق ممن لا يدركون حجم المخاطر التي يتعرض لها الوطن فيزيدون عليها محاولة شق الصف وإضعاف قوة نسيجه الواحد».
وأضاف «يعلم الجميع أن الأزهر لا تنقصه الحجة ولا يعدم الألسنة الصادعة بها، ولا يخشى رجاله في الله لومة لائم من الناس، ولكن الأزهر أكبر من أن يجره هؤلاء لمهاترات ليست في صالح الوطن الذي يداوي جراحه التي آلمت الأحرار فقط، بينما يتاجر بها هؤلاء المرفوضون من الكنائس قبل الأزهر».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات