دكتور علي حسن يكتب : الإخوان بين الدعوة والعمل السياسي .. ملامح النجاح والفشل

التجربة أثبتت صلاح الإخوان للعمل التربوي والدعوى وعدم صلاحهم (صلاحيتهم) للعمل الحزبي والسياسي.

هذه الجملة قيلت على لسان أحد الدعاة المحسوبين على الإخوان في معرض تعليقه على الدعوات المطالبة باعتزال الإخوان العمل السياسي (الذي لم يحسنوه) والتفرغ للدعوة. مع التأكيد على ضرورة الفصل التام بين ما هو دعوى وما هو سياسي كعمل مؤسسي وليس فردي.

رأيت أن هذا الكلام يحتاج لبعض التجرد لمناقشته ليس من باب الدفاع والتشبث بالرأي ولكن من باب العرض كما نفعل في مقدمة أي بحث علمي حينما نقوم باستعراض التاريخ البحثي في ذات المجال أو المقارب له ثم استعراض الفجوات ومن ثم تحديد أهداف ومنطلقات البحث الجديد.

وعليه وجب علينا أن نضع بعض الأسئلة ونحاول الإجابة عليها من خلال أحداث ووقائع تاريخية مثبتة.

أولا: هل أزمة مصر السياسية تتلخص في وجود الإخوان وخوف السلطة منهم وحدهم مما يؤدى لغلق المجال العام أمام الجميع؟

تأسس الإخوان عام 1928 ولم يصبح لهم مقرا رسميا في العاصمة القاهرة إلا في عام 1932 وخلال هذه الفترة كانت الدعوة تنتشر ببطء ودون ضجيج في المحافظات.

لم تسجل للإخوان مشاركة رسمية في كل الانتخابات البرلمانية التي تمت خلال العهد الملكي من العام 1928 وحتى 1952 وهناك حالة واحدة حولها خلاف تاريخي في تنازل المؤسس الإمام حسن البنا عن المشاركة في انتخابات البرلمان بعد مقابلة مع النحاس باشا نظير بعض الامتيازات. كما لم تسجل لهم مشاركة رسمية سواء في النقابات أو المحليات خلال تلك الفترة. أي أن جل نشاطهم السياسي في الشأن المصري انحصر في البيانات والكلمات سواء المكتوبة من خلال مجلتهم التي صدرت عام 1934 أو مؤتمراتهم الجماهيرية بالإضافة لبعض الرسائل المرسلة من مرشدهم المؤسس إلى المنظمات الدولية.

ورغم ذلك تم التنكيل بهم وقتل مرشدهم على يد الحكومة المصرية والزج بهم في المعتقلات على خلفية دورهم الملموس والمشهود في حرب تحرير فلسطين عام 1948. ورغم كل ما جري من تنكيل ومع قوتهم المتعاظمة حينها من بعد تأسيس النظام الخاص عام 1938 إلا أن الإخوان ومؤسسهم (رحمه الله) لم يميلوا أبدا لمواجهة الدولة وإشعال حرب أهلية بعد القبض على أفرادها المشاركين في حرب التحرير والذي أضعف جبهة الجيوش العربية كثيرا. بل إن هناك بعضا من قادة الجيش المصري في حرب 48 ممن كتبوا مذكراتهم قد أشاروا إلى موقف غاية في الغرابة من بعض سجناء الإخوان حين طلبوا من سجانيهم السماح لهم بالخروج لدعم الجيش المحاصر في احدى المواجهات مع اشتراط عودتهم لتسليم أنفسهم إن هم خرجوا من المواجهة سالمين وهو ما تم بالفعل!

وخلال تلك الفترة التي امتدت لـ 24 عاما تقريبا لم تسجل على الإخوان حوادث عنف إلا في مناسبتين هما اغتيال النقراشي باشا رئيس الوزراء الذي مكن الصهاينة من فلسطين والقاضي أحمد الخازندار وهو الحادث الذي تبرأ منه الإمام البنا وأعلن رسميا أنه تم دون إذن منه بل وصرح أن من قاموا به ليسوا إخوانا وهناك إضافة مخابراتية ألحقت به “وليسوا مسلمين”.

ومن الواجب التذكير به هنا أن نذكر أن مصر في الفترة من 38 وحتى 1950 شهدت تعاقب 11 وزارة على الحكم كما شهدت بعض تلك الوزارات سياسات بالغة الشدة والقسوة ضد كل صوت معارض وكان الاغتيال السياسي منتشرا حينها للمتعاونين مع الاحتلال كمثال أمين عثمان وزير المالية والذي حوكم في مقتله الضابط محمد أنور السادات والذي صار رئيسا فيما بعد.

كما أن الواقع يشهد خلال تلك الفترة من تاريخ مصر أن التنكيل كان يطال كل من يعلن رفضه للاحتلال الإنجليزي ومواجهته أو مواجهة الحكومات الخاضعة له والمنفذة لسياساته على حساب الوطن ومصالحه. ولم يكن الإخوان وحدهم في ذاك المضمار بل طال الأذى كل وطني غيور على بلده.

والسؤال هنا مع هذا الملخص السريع لتلك الفترة، هل كان التنكيل الحكومي بالمعارضين والمناوئين للاحتلال سببه وجود الإخوان؟ هل يمكن اعتبار صمت الإخوان على ما جرى لهم على يد السلطة فشلا سياسيا ؟ وهل عدم التصعيد أمام السلطة الغاشمة والمتعاونة مع الإنجليز والذي انتهي بمقتل مرشدهم على يد السلطة فشلا ؟  وهل تعد مشاركتهم بالأساس في حرب التحرير خطأ جلب عليهم الويلات ؟

الفترة من 52 وحتى 1971

لا ينكر منصف متابع دور الإخوان الرئيس في التجهيز لثورة 52 فتنظيم الضباط الأحرار نفسه لم ينشأ إلا على يد ضباط الإخوان ومن أبرزهم صلاح شادي وعبد المنعم عبد الرؤوف وانضم لهم لاحقا عبد الناصر ثم تغير الإسم إلى الضباط الأحرار ليكون مظلة أوسع.

الاختلاف ثم المواجهة مع عبد الناصر تمت على مراحل بدأت من داخل مجلس قيادة الثورة نفسه مع الاختلاف بين محمد نجيب أول رئيس للجمهورية والذي كان من أنصار عودة الجيش لسكناته بعد الإطاحة بالملك واصطدام ذلك بتطلعات عبد الناصر ومؤيديه داخل مجلس قيادة الثورة ، ومن ثم انتقل الخلاف خارج أروقة مجلس قيادة الثورة حين ساهم الإخوان في عودة نجيب للحكومة والرئاسة والتي أُجبر على الاستقالة منها في مظاهرات فبراير 54 وتلك المظاهرات كانت شعبية بامتياز وانحازت لنجيب الذي اشتهر حينها بوقوفه ضد فساد الضباط الذي ذاع صيته وفاحت رائحته في عموم القطر خلال عامين فقط من الإطاحة بالملك.

وخلال أشهر قليلة جدا من تلك الحادثة كان الوضع قد استتب لعبد الناصر بعدما استغل حادثة المنشية والتي لا يزال مختلفا عليها إلى الآن. وأنقل فيه شهادة الدكتور محمود جامع حين قابل حسين الشافعي في آخر عمره واستحلفه أن يذكر له حقيقة حادث المنشية فقال له هذه أسرار بيت قد أقسمنا ألا نخرجها.

وبعد استتباب الأمر لعبدالناصر نكل بكل شخص قد يشتم فيه رائحة تهديد له حيث لم يترك بجواره إلا من يمجدونه ويرفعونه لمنزلة القديس. لم يترك شخصا من رفقاء الثورة أو رجال السياسة إلا ونكل به وأغلق المجال العام كله أمام الحريات إلا حرية تمجيده وتأييده. ولم توجد حياة سياسية أو نيابية سليمة بل كان الأصل أن المؤسسات كلها (وإن بدت عليها قشرة نيابية) همها الأوحد هو دعم قرارات الزعيم الأوحد وتمجيده. فلم يشكل الإخوان حينها تهديدا له وقد أغلقت على من بقى منهم حيا الزنازين.

وبالطبع نال الإخوان ما نالهم من إعدامات وتصفية وسجن واعتقال في أحداث يعلمها القاصي والداني وانتهت بالنكسة والهزيمة المروعة لنظام عبد الناصر ومن ثم وفاته وتولية السادات حكم مصر.

فهل نحاسب الإخوان على استبداد عبد الناصر وإجرامه في حق الشعب بأكمله ؟ وهل يصح أن نحاسبهم على تسمم مناخ سياسي لم يكونوا ضمن عناصره؟

 إن الإجهاز على الضحية وترك الجاني ما هو إلا حيلة الضعفاء معدومي الحيلة أو فاقدي المنطق.

قد يقول قائل ولماذا ترك الإخوان المجال للجيش وقتها ولم يستفيدوا من قوتهم ومن وجود آلاف المسلحين منهم لتأمين القاهرة والمدن الكبري وقت الثورة (باعتراف المنصفين من رموز ومؤرخي تلك الحقبة) ؟ وبالطبع الإجابة عندهم هي الرغبة في عدم اظهار صبغة إسلامية لثورة الشعب أو انقلاب الجيش على النظام الملكي حماية لتلك الثورة من العداوات الأجنبية ، ولا يزال للموقف تقديرات متباينة بين من يراه صوابا أو خطأ وهذا ديدن القرارات السياسية عموما، وخصوصا حين نقيمها بعد رؤية آثارها لا وفق معطيات اتخاذها.

 

الفترة من 1971 وحتى 1981

وهي الفترة التي بدأ فيها السادات حكمه بمحاولة التخلص من تبعات فترة سلفه عبد الناصر وأولها فتح الباب للحريات رويدا رويدا لخلق جو عام طبيعي وصحي داخل المجتمع يعينه على التحضير لمعركة تحرير سيناء وهو ما تم بالفعل واحتشد الشعب بأكمله حينها خلف قيادته. مع العلم أن السادات نفسه بدء حكمه بالتخلص من كل رجال سلفه والإطاحة بهم في حركة سماها هو ثورة التصحيح وأمعن في التشديد على الناصريين الذين رأوا فيه انقطاعا لمسيرة زعيمهم وملهمهم.

وقد كانت إحدى اللحظات الفارقة في القطيعة بين السادات والناصريين أو من أطلق عليهم حينها اليسار هي انتفاضة الخبز أو ما أطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية عام 1977.

وقد سمح السادات بعودة الإخوان تدريجيا للحياة العامة والسياسية بعد الإفراج عنهم وهو ما استفاد منه الإخوان أفضل استفادة خلال تلك السنوات العشر حيث أعادوا تنظيم صفوفهم والانتشار بدعوتهم ومواجهة التشدد والتنطع  ، وخلال سنوات معدودة ظهر أثرهم جليا في الشعب المصري بعودة مظاهر التدين والالتزام وسط عموم الشعب وهي الجهود التي يهاجمها كل ناقم وكاره للعمل الإسلامي إلى الآن.

لم يؤد وجود الإخوان وانتشارهم في المجتمع حينها لخنق الحياة السياسية بل كانت جميع القوى والتيارات السياسية في مصر تعمل وفق السقف المتاح والمظلة الرئاسية التي كان يرسمها السادات بصفته “كبير العيلة”.  بل نُسب إلى السادات رغبته في انشغال القوى السياسية ما بين إسلاميين ويسار أو شيوعيين بالمناكفات فيما بينهم ليفعل هو ما يحلوا له ويضعف كلاهما الآخر. وكان للإخوان ومن يدعمونهم حضورا على استحياء في انتخابات البرلمان لعام 1976 والذي نحج فيه الشيخ صلاح ابو اسماعيل رحمه الله عن دائرة الدقي بدعم من الإخوان. وفى برلمان 1979 كان لهم أو لمن يدعمونهم تواجدا محدودا أيضا فنجح في الانتخابات كلا من الشيخ صلاح ابو اسماعيل والأستاذ حسن الجمل والأستاذ محمد المراغي في دوائر الدقي والمنيل ومصر القديمة على الترتيب. والملاحظ أن كل المرشحين كانوا في العاصمة فقط.

ظلت الأوضاع السياسية في مصر طبيعية على نحو ما إلى أن جاءت كامب ديفيد وإصرار السادات وحده على المضي قدما والاتفاق مع الكيان في خطوة رفضتها كل القوى الشعبية تقريبا إلا من شبوا على التطبيل والتأييد المطلق لكل نظام.

وهنا كانت لحظة الطلاق بين السادات ومناخ الحرية الذي آمن في بداية حكمه أنه السبيل لتوحد الشعب ومن ثم تحرير الأرض. فكانت قرارات سبتمبر 1981 والتي شملت اعتقال كل من يعارضه بمن فيهم بابا الكنيسة المصرية والذي سحب الرئيس الاعتراف به كبابا للكنيسة الأرثوذكسية المصرية. وشملت قرارات الاعتقال التعسفي كل القوى المصرية إخوان وغيرهم وحتى المفكرين والكتاب ممن يحسبون على النظام.

ومرة أخرى نسأل: هل كان الإخوان السبب في تضييق السادات على المصريين وخنق الحياة السياسية أم رغبته في تمرير رؤيته وقراراته المنفردة؟ هل كان وجود الإخوان السبب أم أن استبداد النظام هو السبب؟

وهل بالمثل يجب أن نلصق تهمة غلق المجال العام حينها باليسار من ناصريين وشيوعيين كونهم لم ينقطعوا عن مناكفة الرئيس السادات من أول يوم وحتى وصل الأمر ببعضهم لتوزيع الشربات والحلوى يوم اغتياله وإعلان وفاته. نعم كان يوم وفاته عيدا معلنا لدى جل الناصريين في مصر وإن استغلوا الموقف لاحقا للهجوم على الإخوان وإلصاق الحادث بهم زورا أملا في الخصم من رصيدهم.

الفترة من 1981 وحتى 2011

ونستطيع أن نقسم تلك المرحلة لفترات متعددة ولكن لعدم الإسهاب سأحاول الاختصار قدر المستطاع ، حيث تعد الفترة الذهبية للإخوان من حيث الانتشار والتأثير والبصمة الواضحة في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية.

وكان الرئيس مبارك في بداية حكمه لا يظهر أي عداءاً للإخوان، بل إن له تصريحا شهيرا في إحدى زياراته الخارجية يثني فيه على فكرهم المعتدل وأنهم يختلفون عن باقي الجماعات الإسلامية التي تنتهج العنف منهجا للتغيير. وقد نختلف هنا في تقييم الموقف المعلن ذاك والذي استمر حتى عام 1988 تقريبا.

كانت البداية مع انتخابات برلمان 1984 والذي تم على أساس القائمة النسبية المشروطة لضمان اكتساح الحزب الوطني حينها وهو ما تم بالفعل ، ولم يكن يسمح للإخوان في هذه الانتخابات بالمشاركة كمستقلين ولذا لجأ الإخوان للتحالف مع حزب الوفد الجديد وهو ما أثمر عن فوز 8 من نواب الإخوان على القوائم نائبا.

ثم جرت الانتخابات عام 1987 وشارك فيها الإخوان ضمن تحالف انتخابي أوسع شمل حزب العمل وحزب الأحرار الدستوريين تحت اسم التحالف الإسلامي، وتم فتح الباب للمستقلين ليشارك الإخوان بوفرة هذه المرة وينجح من مرشحيهم 37 نائبا أبرزهم المستشار مأمون الهضيبي والأستاذ مهدى عاكف والطبيب الشاب حينها دكتور عصام العريان.

ومرة أخرى لجأ النظام في مصر لحل البرلمان قبل نهاية دورته بعامين رغم السيطرة المطلقة لنواب الحزب الوطني به وقام بإجراء انتخابات جديدة عام 1990 ولكن بأوضاع وسياسات جديدة تماما أدخلت البلاد كلها لمرحلة جديدة بالكلية.

وقد سبق إجراء الانتخابات تلك انقساما حادا في الشارع المصري نتيجة موقف النظام من حرب الخليج الثانية ومشاركته ضمن قوات التحالف بقيادة أمريكا لتحرير الكويت. كما مثلت حادثة اغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب ، عشية الاستفتاء على حل برلمان 1987 منعطفا خطيرا في طريق الحريات السياسية حيث أصر النظام على ضرورة التشديد في تطبيق قانون الطوارئ في ظل رفض كل القوى السياسية المعارضة لاستمرار العمل به.

اعتمد النظام سياسة جديدة للمواجهة مع المعارضة- كل المعارضة- حينها وهي سياسة تجفيف المنابع فعمل على تفجير الأزمات داخل الأحزاب السياسية كلها مما جعلها تنقسم وتتشرذم ويصير بعضها اثرا بعد عين ، وضيق تماما على كل صوت معارض بحجة الحرب على الإرهاب فاختفي تأثير اليسار من الشارع تقريبا وظل الإخوان في سعيهم الحثيث للتواجد في الشارع رغم الضربات الأمنية الشديدة تجاههم.

وأتى برلمان 1990 حاليا تماما من الإخوان وشبه خال من المعارضة (بعدما أعلنوا رفض المشاركة فيه) إلا من بعض الناصريين ومنتسبي حزب التجمع بأجمالي 29 مقعدا فقط من 444 فيما قيل عنه وقتها أنه أشبه بصفقه مع النظام لتجميل صورته بتواجد ولو شكلي لمعارضة داخل برلمانه.

وكان من أسباب رفض الإخوان والقوى الأخرى المشاركة في هذه الانتخابات هو رفض مبارك لوثيقة الإصلاح التي نادت بها تلك القوى وتضمنت ما يلي:

1- نقل الإشراف الكامل على إجراء الانتخابات إلى مجلس القضاء الأعلى بمجرد دعوة الناخبين إلى الانتخابات أو الاستفتاء حتى إعلان النتائج النهائية ونقل تبعية الإدارة العامة للانتخابات من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل ضمانا لنزاهة الانتخابات.

2- أن تقوم السلطة القضائية بالإشراف وقضاتها، على جميع اللجان الانتخابية سواء اللجان العامة أو اللجان الفرعية ولو اقتضى الأمر ضم واختصار اللجان الانتخابية الفرعية أو إجراء الانتخابات على أكثر من يوم.

3- ضرورة تنقية جداول الانتخابات بحيث تصبح معبرة عن جماعة الناخبين، فأشار مشروع القانون ومذكرته الإيضاحية إلى أن جداول الناخبين لا تعبر عن جماعة الناخبين في الدوائر الانتخابية فهي من ناحية تخلو من أسماء الناخبين الجدد ومن ناحية أخرى تضم ناخبين سقطت عنهم هذه الصفة بسبب الوفاة أو غيرها ولذا فقد أوجب مشروع القانون ضرورة مطابقة كشوف الناخبين لسجلات السجل المدني، وأن تقوم السجلات المدنية بمهمة تسجيل كل من يبلغ عمره 18 عاما بكشوف الناخبين دون حاجة إلى تقديم طلب من الناخب.

 ففي ظل المناخ المفتوح لم يتوانى الإخوان يوما عن مشاركة القوى السياسية والأحزاب بمختلف تياراتها وأطيافها سواء في التنسيق وإعداد قوائم مشتركة للترشح للبرلمان أو الاجتماع على مطالب إصلاح الحياة السياسية والنيابية.

والملاحظ هنا أن المعارضة للنظام وفساده السياسي لم تقتصر على الإخوان وحدهم بل كانوا دوما جزءا من النسيج الوطني ومارسوا العمل السياسي مع كل الأحزاب وفق أصوله والمتاح منه. ويكفي أن أذكرك أنه أثناء التحالف مع حزب الوفد الجديد كان مرشح الوفد بإحدى دوائر اسيوط هو السيد جمال أسعد عبد الملاك وقد لاقى أفراد الإخوان هجوما عنيفا وتحملوا اتهامات وصلت لتكفيرهم من المتشددين من منتسبي الجماعات الإسلامية في الصعيد حينما دعموا جمال أسعد وحشدوا له دائرته الانتخابية.

وأعود وأذكر بأن الاتفاق على رفض سياسيات مبارك لتخريب الحياة السياسية منذ بداية التسعينيات كان محل إجماع من القوى الوطنية بخلاف منتسبي الحزب الوطني بالطبع والمستفيدين من هذا الفساد. فلماذا نلقي باللائمة على الإخوان بأنهم السبب في لجوء النظام لإغلاق الحياة السياسية ؟ ومعارضة سياسات النظام الخارجية كموقفه في حرب الخليج الثانية لم يكن الإخوان هم متصدري المشهد وحدهم حينها وإنما الأحزاب الأخرى كحزب العمل وغيره كان صوتهم وضجيجهم أعلى بكثير.

وبعد انتخابات البرلمان التي قاطعها الإخوان ومعهم القوى الوطنية الأخرى جاءت انتخابات المحليات عام 1992 وهي آخر انتخابات حرة ونزيهة أُجريت للمحليات في تاريخ مصر الحديث. أراد النظام وقتها أن يحسن صورته التي اهتزت دوليا بمقاطعة المعارضة لبرلمانه وفتح الباب لإجراء انتخابات المحليات في سابقة لم تحدث منذ عهد عبد الناصر تقريبا حينما كانت تسمي بالاتحاد الاشتراكي.

وفي هذه الانتخابات شكل الإخوان مع حزبي العمل والوفد قائمة موحدة وخرج منها لاحقا الوفد ليستمر الإخوان مع حزب العمل وتنجح القائمة الموحدة نجاحا مبهرا في تقديم خدمات ملموسة للشعب. ووفرت بيئة العمل في المحليات حينها احتكاكا مباشرا بين الإخوان والشعب في مناصب تنفيذية ساهموا خلالها في حل مشكلات كثيرة تلمس حياة المواطنين. ومن الملفت للنظر هنا أن جل من نجح من الإخوان في تلك الانتخابات ومارس دوره في المحليات حاز ثقة أبناء دائرته وانتخبه الناس فيما بعد ممثلا لهم في البرلمان.

وجاء منتصف التسعينيات ليشكل منعطفا جديدا في مواجهة النظام للإخوان وغيرهم حيث عادت المحاكمات العسكرية للمدنيين إلى الواجهة كرد فعل قوى من النظام على نتيجة انتخابات المحليات في 92 ومعها بدأ عصر جديد أكثر عنفا في التضييق على كافة مكونات العمل السياسي في مصر.

ثم نأتي لانتخابات البرلمان عام 1995 والتي شكلت أولى التحولات الجذرية في علاقة رجال الأعمال بالسلطة الحاكمة. لأن بداية الجمع بين الثروة والسلطة كانت في هذا البرلمان لما تواجد فيه من أعداد كبيرة من رجال الأعمال كنواب عن الحزب الوطني. ولأهمية هذا البرلمان في تجديد ولاية مبارك وتمديد العمل بالطوارئ اتبع النظام كافة الطرق الإجرامية في التحكم بالنتيجة بدءا من التضييق على قبول طلبات الترشح وانتهاءاً بالقبض على بعض المرشحين ،  وبلغ النظام مراده بتحقيق الحزب الوطني الاستحواذ على 417 مقعدا من أصل 444 والاكتفاء بترك 6 مقاعد لحزب الوفد الجديد و5 للتجمع وأفلت من الإخوان مرشحا واحدا هو الأستاذ على فتح الباب عن دائرة حلون.

واستكمل النظام سياسته في تجفيف المنابع والاستحواذ على السلطة بكامل هيئاتها وهو ما امتد لانتخابات المحليات في العام 1997 حيث كرر النظام ما فعله بالضبط في برلمان 1995. ليستمر المناخ العام في البلد بالتسمم والانغلاق والتضييق الذي يطال الجميع بلا استثناء، مع العمل على تفكيك كل الأحزاب من الداخل وتحويلها لمقار وأسماء شكلية وفقط ، فتم التضييق على كافة الصحف المعارضة للنظام .

وكانت الأحزاب المعارضة حينها قد بلغت مرحلة شديدة الضعف والتأثر بالانشقاقات الداخلية مع الرضا بما تتكرم به السلطة على بعضهم بمقعد هنا وهناك بالإضافة لبعض الامتيازات لأفرادها والمحسوبين عليها داخل أروقة بعض الوزارات والنقابات ، كما نال حزب العمل أيضا نصيبه من السجن والاعتقال لقادته ورموزه.

ونصل لبرلمان 2000 وقيام النظام بفتح هامش بسيط في الانتخابات البرلمانية بعدما اهتزت صورته خارجيا ففاز الإخوان بعدد 17 مقعدا برلمانيا وكان أبرز النواب حينها الرئيس الدكتور محمد مرسي رحمه الله والذي فاز في دورته البرلمانية تلك بلقب أفضل برلماني على مستوى العالم بالنظر لما قام به من معارضة وعمل شاق تحت قبة البرلمان مستخدما كافة الأدوات البرلمانية المتاحة في العمل النيابي. ولا ننسى المشاهد المصورة والتي لا تزال محفورة في ذاكرتنا لجهود النواب السبعة عشر حينها داخل البرلمان.

 ومع نجاح نواب الإخوان في جهدهم داخل البرلمان كان يوازى ذلك نجاحا كبير في الشارع لما لمسه الناس من خدمات حقيقية سعي نواب الإخوان لتحقيقها لدوائرهم وعدم استئثارهم أو ذويهم بالمزايا التي تمنح لنواب البرلمان، مع قيامهم برقابة قوية على الحكومة ووزرائها ومساءلة دقيقة في القضايا التي شغلت الرأي العام وقتها. وفى الوقت الذي اشتهر فيه نواب الوطني أيامها بقضايا فسادهم مثل نواب القروض أو نواب سميحة أو القمار وغيرها من الألقاب التي طالت نواب الحزب الوطني، لم تُسجل على نواب الإخوان حينها تهمة فساد واحدة.

وهو ما أثمر في الدورة التالية والتي صاحبها بداية عصر الضغوط الخارجية على الأنظمة العربية لتبنى نهجا أقل تشددا تجاه المعارضة في إطار ما أطلق عليه مواجهة الإرهاب العالمي بالحد من أسبابه والتي كان من ضمنها الاستبداد وخنق فرص التغيير في دول العالم الثالث بحسب وصف الدراسات الغربية. ففاز الإخوان ب 88 مقعدا في برلمان 2005 رغم التضييق الشديد والذي لولاه لحقق الإخوان أضعاف هذا العدد.

وبالطبع استثمر مبارك هذه النجاحات ليستمد شرعيته وبقاءه في السلطة من الدعم الغربي لا من الشعب المصري بتخويف الغرب من فتح الباب للتغيير الديموقراطي حيث صور لهم الإخوان والإسلاميين بالبعبع وحذرهم من أنهم الوريث الشعبي الوحيد لنظامه.

ومن المهم هنا أن نذكر بأن الإخوان كانوا أكثر حرصا على التنسيق مع مختلف القوى السياسية سواء في انتخابات 2005 او 2010 رغم فارق القوة لصالحهم. فحمدين صباحي مثلا لم يدخل البرلمان إلا بعد أن أخلى له الإخوان دائرة بلطيم والحامول تماما بل ووقفوا خلفه ودعموه كأنه مرشح الإخوان وحموا صناديق الانتخابات وقتها بأجسادهم منعا من تزوير النتيجة لصالح مرشح الحزب الوطني.

وهنا نسأل: هل يُلام الإخوان على نجاحهم واستثمار الفرص المتاحة تحت سقف التضييق لتحقيق مكاسب سياسية لهم عبر خدمة الشعب والاهتمام بقضاياه؟ أم يلام المستبد الظالم الذي سرعان ما عاد لسيرته الأولي في انتخابات 2010 والتي مثلت الشعرة التي قصمت ظهره وظهر نظامه وكانت مشاهد التزوير الفج بها من الأسباب التي عجلت بتفجر أحداث ثورة يناير 2011. 

كان هذا عرضا حاولت فيه الإجابة على سؤالين: الأول هو هل الإخوان بالفعل لم يقدموا ما يثبت أنهم يصلحون للعمل السياسي؟

والثاني: هل الإخوان بالفعل السبب في غلق المناخ العام للحريات أم الأنظمة المستبدة؟

 

شاهد أيضاً

د. عبدالله معروف يكتب : هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

أثار تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في نهاية الشهر الماضي اهتماماً واسعاً بعدما …