د. أكرم كساب يكتب: أرطغرل الغائب المنتظر … ما له وما عليه (2)

سلبيات مسلسل (قيامة أرطغرل):

تحدثنا في مقال سابق عن الجديد في مسلسل (قيامة أرطغرل) أو الإيجابيات, أما سلبيات المسلسل فهي لا شك حاضرة، وبقوة، ومن أبرز هذه السلبيات:

  • التطويل الممل أحيانا، ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن المسلسل يمكن اختصاره في ربع أو ثلث هذه المدة، لكن يبدو أن هذه طبيعة المسلسلات التركية.
  • الإكثار من مشاهد العنف، ويبدو أن هذا مأخوذ من بعض الأعمال العالمية، لكن المتابع يدرك كم المعارك الذي يأخذ أحيانا أكثر من نصف حلقة، لكن والحق يقال, فيها إتقان وبراعة وليس كما في الأفلام أو المسلسلات العربية. لكن العنف غير مطلوب بهذه الصورة، ولا بهذا الكم، فإن متصيدي الأخطاء يمكنهم اعتبار الإسلام دينا دمويا من خلال هذه المشاهد المتكررة.
  • التركيز على شخصية أرطغرل، وبناء الآمال عليها، فهو في بعض الأوقات يكون المخلص الذي ينتظره الناس، بل أحيانا ينطق البعض بهذا (سيأتي أرطغرل.. سيفعل أرطغرل..)، وهنا يرتبط الناس بشخص, لا بالإله الذي يدبر، والخالق الذي يصرف، والحي لا يغيب ولا يغفل ولا ينام.
  • إبراز القومية التركية والجنس التركي، وكم ترددت هذه العبارات: (نحن الأغوز، نحن الأتراك.. أعرافنا..) وكان من المفروض أن يدرك القائمون أن هذا العمل ليس عملا محليا، وإنما عمل عالمي، فليراعوا فيه العرب وغيرهم من القوميات، وليقدموا الدين على العرق، والملة على القومية.
  • التشويه ولا أدري أهو عن غير قصد أم متعمد لشخصية (أمير حلب)، والقاضي (ابن شداد) الذي حكم على خال أمير حلب بالقتل، فقد أظهر المسلسل (أمير حلب) عاشقا ساذجا مغفلا، وهو إلى الحماقة أقرب، وهو لم يكن كذلك أبدا, كما أظهر القاضي (ابن شداد) بالمرتشي الذي يبيع دينه مقابل مال زائل. وقد قال عنه الذهبي: الشيخ، الإمام، العلامة، قاضي القضاة، بقية الأعلام، بهاء الدين، أبو العز، وأبو المحاسن.. تفقه، وبرع، وتفنن، وصنف، ورأس، وساد.. حدث بمصر، ودمشق، وحلب.. قال عمر بن الحاجب: كان ثقة، حجة، عارفا بأمور الدين، اشتهر اسمه، وسار ذكره، وكان ذا صلاح وعبادة، كان في زمانه كالقاضي أبي يوسف في زمانه، دبر أمور الملك بحلب، واجتمعت الألسن على مدحه.
  • الغياب التام للدور العربي، بل والدور الأيوبي، فلا دور للسلطنة الأيوبية، ولا دور للخليفة العباسي (الناصر) الذي عاصره أرطغرل، والذي قال عنه الذهبي: لم يل الخلافةَ أحدٌ أطول دولة منه. كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة، حتى كان يرهبه أهل الهند، وأهل مصر، فأحيى هيبة الخلافة. قال القاضي ابن واصل: كان الناصر شهما شجاعا ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء، وكانت هيبته عظيمة جدا.
  • في بعض الأحيان كانت الأعراف مقدمة على الشرع والدين، هذا مما ينبغي العدول عنه، فالشرع أولا، ولا اعتبار للعرف إذا صادم الشرع والدين.
  • التوسع في قدرات بعض الشخصيات، إذ ليس الأمر متعلقا بأرطغرل فحسب، فــ (تورجوت، وبامسي، ودوغان.. وغيرهم) يظهرهم المسلسل كقوة خارقة، يهزمون جيشا عرمرما، والغريب أن هذا الانتصار يكون إذا أراد المخرج، وقد يخفق هؤلاء في تحقيق نصر على قلة إذا أراد المخرج ذلك.

ولا أنسى (أفشين) ذلك الرجل الخارق؛ (سوبرمان) المسلسل، الذي يتواجد في كل مكان بشخصيات مختلفة، والذي لديه القدرة على التحول من صوفي ناسك إلى قسيس عابد، بالرغم مما بين السلوكين من اختلافات، وما بين الأماكن من مفاوز وقفار.

  • المغالطة التاريخية في الإمكانيات الطبية لهذا الزمان التي جرت فيه أحداث المسلسل، فـــ (أرتوك) يظهر كأنه يجري عمليات جراحية لا يقوم بها أمهر الأطباء في أشهر مستشفيات أوربا وأمريكا، ويكفي في هذا ما قام به مع (توكين)؛ ابن خال أرطغرل بعد أن كاد مفارقة الحياة.
  • أيضا محاولة إظهار المغول بأنهم شاربو دماء، كما كان يفعل أميرهم (نويان) فلا أحسب أن هذا مما ذكرته كتب التاريخ عنهم.. ويكفي ما كانوا فيه من همجية وسفك للدماء.
  • المبالغة في دور المرأة، وإشراكها في كل شيء، وهذا لم يكن معروفا لدى الأتراك، بل قد عرف عنهم فيما بعد ما سمي بـ (الحرملك)، ومن ذلك الدور المبالغ فيه لـ (هايما)؛ فدورها يعجز عن القيام به عشرات الرجال، والغريب أن الدور يستمر فترات طويلة وطويلة.. وقد ترتب على ذلك كثرة اختلاط المرأة بين الناس دون داع لذلك.
  • أما (ابن عربي) – وهو غير الإمام الفقيه المالكي (ابن العربي) فابن عربي (طامة) المسلسل، ومصيبته الكبرى، وقد أقحم في المسلسل دون وجود حقيقي له مع (أرطغرل) فكل واحد منهما كان في مكان غير مكان صاحبه، إذ لم يلتقِ التاريخ ولا الجغرافيا ولا الفكر في أي من الرجلين؛ أرطغرل وابن عربي, لكن مكانة ابن عربي-وهو الصوفي المعروف بشطحاته، وآرائه التي غالى فيها حتى أخرجه البعض من الإسلام بها- لا تقل عن مكانة ابن تيمية أو الغزالي عند أهل السنة, ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد ظهر (ابن عربي) في صورة لا أقول وليًا من أولياء الله، بل هو أقرب إلى صورة الملهم الذي يعلم الغيب، فهو مع أرطغرل في كل مصيبة, سفينة إنقاذ وطوق نجاة، حتى وإن بعدت المسافات وتناءت الديار، فإن (ابن عربي) حاضر من وراء ستار.

وهذا هو أكبر بلايا هذا المسلسل القيم، لقد كان من الممكن أن تكون شخصية ابن عربي حاضرة ولكن بدون الاسم، أو أن يخلو دورها من الشطحات التي تظهره مطلعا على بعض الغيب، قادرا على ما يعجز عليه البشر؛ كان يكفي القائمين أن يكون دور ابن عربي دورا قصصيا يربط واقع أرطغرل بأحداث السيرة النبوية والسلف من بعد، وهذا ما أبدع فيه الكاتب والسيناريست مع (دردميل) ومع (ابن عربي) كذلك.

 

 المستفيد الأكبر

 المستفيد الأكبر من المسلسل هي تركيا، نعم تركيا (أردوغان) وكل الأحرار، لأن المسلسل قرّب المجتمع التركي أكثر إلى العالم، وحسّن صورة المجتمع التركي الذي صورته مسلسلات أخرى بأنه مجتمع (حريم السلطان)، وأكثر ما في ذلك هو الربط بين دور الأتراك في القديم دولة وحضارة، ودورها الآن الذي تستعيده من خلال التوجه الإسلامي للحزب الحاكم.

هل يُشاهد المسلسل أم لا؟

بموازنة الإيجابيات والسلبيات لهذا المسلسل؛ أرى أنه لا مانع من متابعته، على أن تراعى هذه السلبيات، وخصوصا مع الصغار الذين وجدوا في أرطغرل ورجاله قدوة تشرح صدورهم، وتحقق بعض أحلامهم.. إن الحكم يكون للغالب، والغالب هنا هو الخير لا الشر، والصلاح لا الفساد.

أمنية

لو أن القائمين على العمل تجنبوا المفاسد التي خالطت العمل، وراعوا الجمهور المتنوع الذي يشاهده، فتجاوزوا المخالفات الكبرى, ولو أن أبطال المسلسل قدموا نموذجا رائعا فجعلوا من (أرطغرل) التاريخي ورجاله قدوة، فتحلوا بأخلاقهم، وعاشوا بقيمهم؛ أقول: لو فعلوا ذلك لكان هذا هو النجاح الحقيقي لهذا المسلسل.

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …