(1)
لست من متابعي الدراما؛ لا المصرية ولا العربية ولا غيرهما، ولا أذكر أنني تابعت حلقة كاملة من مسلسل ما، غير أني في الأشهر الماضية وجدت شغفا بهذا المسلسل (قيامة أرطغرل) ممن يحيطون بي من أصدقاء كثر، وجاءتني الرسائل من العديد من متابعي صفحتي، وتوالت الأسئلة، وخلاصة ذلك كله: ما رأيك؟ وهل نشاهد أم لا؟ ولماذا لا تشاهده؟ وما المانع من المشاهدة؟ وما سلبيات هذا العمل؟ وهل له إيجابيات أم لا؟كل هذه الأسئلة وغيرها جعلتني أفكر في متابعة بعض حلقات هذا المسلسل، لأني تعلمت من خلال دراستي الشرعية: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
(2)
فريقان متناقضان: سيرى البعض المسلسل فتحا مبينا ونصرا عظيما، فهو نجاح فني باهر، ينصر الدين ويحيي الأمة. وبجوار هذا الفريق الحالم فريق آخر يرى هذا المسلسل عفنا فنيا، و(بروباجندا) تركية، خالية من الأداء المتقن، والعمل الرصين.
والحق أن الطرفين أبعدا النجعة، فالعمل ليسا فتحا مبينا، ولا (بروباجندا) فارغة، لكنه عمل فني له وعليه.
(3)
الغائب المنتظر لماذا؟ أما أنه الغائب فلأنه يغيب حقيقة عن واقعنا؛ فقد توفي أرطغرل (697هـ / 1280 م)، وأما أنه المنتظر فلأن الأمة بشبابها وشيبها، وذكورها وإناثها منذ عقود يبحثون عن قائد يخرجها من مستنقعها الآسن، الذي حلت به منذ أن تركت كتاب ربها، ولهث حكامها خلف الغرب يبحثون عن طوق نجاة، على الرغم من أن سفينة النجاة بين أيديهم، لكنهم كما قال الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول
إن شباب الأمة متلهف إلى منقذ يجمع بين القوة والتدين، يقود فينجح، ويحارب فينتصر، ويحكم فيعدل، ويعتز بالإسلام ويناصره، لا أن يقصيه ويحاربه. الشباب لم يجدوا هذا في شخصية حاضرة كما وجدوه في أرطغرل، إنه يذكرهم بعمير بن الحمام في بدر، وحمزة في أحد، وسعد بن معاذ في الخندق، وخالد في اليرموك، وسعد في القادسية، وعمرو في أجنادين وصلاح في حطين، وقطز في عين جالوت. لقد رأى الشباب فيه(سوبر مان) و(سبيدرمان) لكنه بثوب إسلامي، يستعين بالله إذا قاتل، ويكبر إذا حوصر، ويسجد إذا انتصر، ولا ينكسر إذا هزم. ولهذا تعلقت قلوب الشباب صغارا وكبارا بـ (أرطغرل)، ومن حوله من رجاله وإخوانه كـ (تورجوت، وبامسي، ودوغان).
وأخشى ما أخشاه أن يكون أرطغرل هو النصر الذي يحققه بعض الشباب في الخيال بعد أن تأخر في الواقع.
(4)
المسلسل توجه دولة: واضح أن هذا المسلسل تقف خلفه دولة وليس شخص (أردوغان) ولا حزب (العدالة والتنمية)، وقد زار الرئيس التركي أردوغان أماكن التصوير، وكانت حفاوة الممثلين به بالغة، وأحسب أنه من النادر أن يزور رئيس عملا فنيا، لا في تركيا ولا في غيرها، لكن مسلسل (أرطغرل) وبحق يستحق الزيارة والحفاوة.
(5)
حكم التمثيل: بيان هذا في البداية واجب، لأن البعض يرى حرمة التمثيل جملة وتفصيلا، لما فيه من الكذب والخداع والتدليس، ولما فيه من اختلاط ممنوع، وفجور غير مشروع. وهذه وجهة نظر تحترم، وإن كان بعض من قال بذلك رجع عن قوله، كما رجع في غيرها من المسائل مثل:(حرمة التصوير والتلفاز وتكوين الأحزاب السياسية..), والحق أن التمثيل ليس من أمور العبادات، لكنه مما يسميه العلماء بالعاديات، وهو وسيلة من وسائل الدعوة، ووسائل الدعوة ليست توقيفية، بل للإنسان أن يستخدم ما شاء من الوسائل ما خلت من المحرمات, والذي أميل إليه هو جواز التمثيل، فهو ترفيه مباح، ولهو بريء، وله ما له من الأهداف؛ إن حسن استخدامه، كبث الوعي، ومعالجة المشاكل الاجتماعية، والجوانب الأخلاقية غير المنضبطة، ومن خلاله يمكن إظهار عظمة الإسلام، وعظيم قيمه، ما روعيت فيه الضوابط الشرعية. وقد رأينا جبريل عليه السلام يأتي في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه، ومن قبل قال عنه القرآن: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } [مريم: 17]، ولا أدل على ذلك من موقف عبد الله بن عمرو حين قام بمشهد هو أقرب إلى التمثيل، وأترك الإمام أحمد يروي الحديث فيقول: عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ” فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ…..(الحديث)
(6)
ما الجديد (الإيجابيات) في هذا المسلسل؟ الحق أن المسلسل به العديد من الأمور الجديدة والإيجابية التي تمس الواقع الذي نعيش فيه، وأشير هنا إلى بعض هذه الإيجابيات التي تدعو إلى مشاهدته:
- استطاع المسلسل من خلال أحداثه أن يربط المشاهد بالعديد من القيم التي يحتاج إليها الناس بغض النظر عن دينهم، ومن أهم هذه القيم: الشجاعة، والكرم، والمرؤة، والرحمة، والوفاء بالعهد، والتهوين بالمصائبز
- كان هناك ربط قوي بتعاليم الإسلام وشعائره، كالصلاة وتعلم القرآن، وتعلم اللغة العربية، وحب آل البيت عليهم رضوان الله، وتقدير العلماء.. كما ربط المسلسل في كثير من أحداثه الناس بالله؛ توكلا ويقينا، وحمدا وثناء وكم نحن بحاجة إلى ذلك.
- أظهر المسلسل حالة من حالات الارتباط بتاريخ الأمة الغابر، وأنها تستطيع أن تقدم شيئا للإنسانية إن أحيت دينها، وعبدت ربها، وطهرت صفها، وأخلصت نواياها، وأصلحت طواياها.
- قدم المسلسل الدور العظيم للمرأة في بناء الأمم والحضارات، فالمرأة ليست حبيسة بيت، ولا طاهية طعام، وإنما هي شقيقة الرجل، وفي المسند من حديث عائشة:”إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ” فللمرأة أن تقدم من الأعمال ما يناسب طبيعتها، وربما كان لها دور يفوق أدوار العديد من الرجال في مجالات مختلفة كالتعليم والتطبيب، بل وصد العدو إن احتاجت الأمة إلى ذلك الدور.
- كل حلقة من حلقات هذا المسلسل (قد) تفوق العديد من الخطب والمحاضرات التي يميتها أصحابُها ببعدهم عن الواقع، أو عدم ربطها بالحاضر الذي يعيشه الناس، وأرى أن المسلسل استطاع أن يقدم العديد من المفاهيم والقيم التي عجز كثير من الكتاب والقصاص والخطباء عن تحقيق مثله، ولعل استخدام (تتر) المسلسل ليلة الانقلاب الذي وقع في تركيا أكبر دليل على ذلك.
- أظهر المسلسل ما يدبره أعداء الأمة لها، ويبدو أن هذا هو قدر الأمة قديما وحديثا، وقد أظهر المسلسل كيد (الصليبين، والمغول..)، مما يؤكد أن الأمة لن يتركها أعداؤها تعمل في صمت.
- خلو المسلسل من المشاهد الخادشة للحياء، ومجالس الرقص أو الخمر التي لا يخلو منها مسلسل تاريخي، وكأنها فرض من فرائض التمثيل، وركن من أركان التاريخ.
- المسلسل أكد أن بناء الأمة لا يكون بالأحلام الوردية، ولا الخطب الرنانة، ولا التواكل السلبي، لكنه إعداد وكفاح، وعلم وبصيرة، وهو نجاح سياسي في ميدان المعركة، كما أنه نجاح اقتصادي في الميدان المال، ورقي روحي، وتوحيد صف من الخونة سواء بسواء.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات