على الرغم من كل ما أحاط بالمحكمة (الدستورية!) العليا الفلسطينية من عوار واضح وفاضح منذ تشكيلها في إبريل الماضي وحتى اللحظة، إلا أنني سأحصر حديثي، في جانب واحد من هذا العوار الذي يحتوي هذه المحكمة ويلفها لفا؛ إنه الجانب المتصل باختيار سدنة المحكمة، بدءاً من المرسوم الرئاسي القاضي بتشكيلها، مروراً بما صدر عنها من قرارات تفسيرية شارحة أو أحكام قضائية آمرة، وانتهاءً – حتى اللحظة الراهنة – بقرارها القاضي بمنح الرئيس صلاحيات كاملة بلغت حتى مبلغ حل المجلس التشريعي بكليته ورفع الحصانة عن أي نائب منتخب أجلسه الشعب تحت قبة برلمانه!
ففي مرسومه الرئاسي القاضي بتشكيل أول محكمة دستورية في بلادنا المحتلة أصلاً، والتي انقسمت على نفسها في عصره وبفعله وسلبية إرادته وفشل إدارته وسوء تدبيره وسياسته، غرس الرئيس بذور الخراب ووضع معاول الهدم والتخريب والفساد والإفساد، هذه المرة، بتعيينه قضاة لا يصلح بعضهم إلا أن يكونوا للفساد عنواناً، حيث مارسوا الفساد في أحط مستوياته وأبشع مشاهده وأغرب فضائحياته!
وكان العوار أكثر فضائحية وعجائبية وطغياناً دون أدنى اهتمام أو اعتبار لمقولة “إذا بليتم فاستتروا”، حيث جاء المرسوم الرئاسي مطرزاً بأسماء فاضحة ومفضوحة لقضاة ارتبط بالفساد ذكر بعضهم، إذ سطا أحدهم على كتاب في القانون بأكمله، ووضع عليه اسمه بدلاً من مؤلِّفَيه، فيما سرق قاض دستوري أخر أبحاث غيره وكتبهم فنسبها لنفسه، ناهيك عمن أَصدر في قضية حكماً مسبقاً يقضى القانون بفساد حكمه، فضلاً عن فساده!
فإذا كان الفساد يمارس – في بلادنا وهي محتلة ومنقسمة ومحاصرة – على هذا النحو حتى في تشكيل مؤسسة عدلية اسمها ” المحكمة الدستورية العليا”, فما الذي يرتجى غير الإفساد والتخريب والفساد منها؟ أينتج الثوم ثوماً والبصل بصلاً، أم ينتج هذا بخوراً وذاك عطراً أو عسلا؟
فإذا كان هذا الذي عيَّنه الرئيس عضواً في المحكمة الدستورية العليا هو ذلك الذي اضطر إلى الاعتراف بسرقته، مسَلماً بإدانة نفسه التي شهد عليها في حينه زملاؤه الأكاديميون وطلبته وإدارة جامعته، وإذا كان هذا هو ذلك الذي سطا على كتاب بأكمله في القانون عنوانه ” تاريخ النظم القانونية والاجتماعية”، فنسبه إلى نفسه دون خجل أو وجل، ناكراً جهد عَلَمَينْ بارزين من كبار أساتذة القانون في مصر، فهل من عدالة ترتجى منه؟
وإذا كان ذلك الآخر الذي عينه الرئيس، أيضاً، في المحكمة الدستورية العليا، عضواً، هو ذلك الذي سطا على أبواب وفصول بكاملها من كتاب الحريات العامة في الفكر والنظام السياسي في الإسلام .. دراسة مقارنة للدكتور/ عبد الحكيم حسن العيلي، فيما كان عضو المحكمة الدستورية المنتحل قد وضعه – بقصد التمويه والتعمية – تحت عنوان جديد هو الفقه السياسي والدستوري في الإسلام، وإذا كان هذا هو ذلك الذي سطا أيضاً على كتاب النظم السياسية (الجزء الأول) للدكتور/ ثروت بدوري، فيما كان عضو المحكمة الدستورية المنتحل قد وضعه – بغية التعمية والتمويه مرة أخرى – تحت عنوان جديد هو الفكر السياسي وتطور الأشكال المختلفة لأنظمة الحكم المعاصرة (طبعة 1990) ثم عاد و وضعه تحت عنوان آخر هو النظم السياسية المقارنة (الطبعة الثالثة 1996)، فهل من عدالة ترتجى من مثل هذا المزور المنتحل وهو يعتلي كرسي “المستشارية” في المحكمة الدستورية؟!
أيُسوَّد الفاسدون، هكذا، فيقررون وبالعدل يحكمون، ويُسَوَّدَ الضعفاء والفاشلون لتسند إليهم أمور الناس فينجزون وينجحون؟! كيف – بالله – تحكمون؟!
أكاديمي فلسطيني – جامعة الأزهر بغزة
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات