د إسماعيل علي يكتب : حقٌّ يأبى النسيان رئاسة الرئيس مرسي، وحكم الانقلاب عليه

خلال زيارة وزير الخارجية التركي، “مولود تشاووش أوغلو” إلى مصر، أمسِ 18/3/2023، اصطحبه “سامح شكري” وزير خارجية مصر في جولة بين أقسام وزارة الخارجية ومتحفها، واستوقفه أمام لوحة تحمل صورَ وأسماءَ رؤساءِ مصر، وقد حَذَف منها النظام الانقلابيّ اسمَ وصورةَ الرئيس مرسي ـ يرحمه الله ـ، في رسالة خبيثة لا يخفى مدلولُها، وتزويرٍ فاضح للتاريخ، وتعمُّدٍ لطمس الحقائق !!
والواقع أنّ هناك حقوقًا، وحقائقَ لا يمكن أن تضيع مهما طال الزمان، وتعاقبت الأيام.
ومهما حاول المضلِّلون والمزوِّرون فلن يستطيعوا أن يطمسوا الحقيقة ويخفوها أبد الدهر.
ونحن نخوض معركة الوعي نرى أنه يجب ـ إعذارًا إلى الله، ونصرةً للحق، وأداءً للشهادة التي هي من حق الأجيال على مر التاريخ ـ أن نؤكِّد على حقيقة ما جرى ضد الرئيس محمد مرسي ـ يرحمه الله ـ.
وقد رأيتُ بعض المخذولين يحاولون خلطَ الأمور، والتلبيسَ على الناس، وقلب الحقِّ باطلا، والباطلِ حقًّا، بل وصل الحال بأحدهم أن يرفع عقيرتَه مطالبًا المظلومين الذين بُغِي عليهم بالاعتذار ـ ونعوذ بالله من الخِذلان ـ.
إنّ الرئيس “محمد مرسي” حاكمٌ مسلمٌ انعقدَتْ له البيعةُ الشرعية، واعترفَت به الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية رئيسًا لمصر.
وعصابة الانقلاب في ميزان كتب الفقه يسمَّوْن “البغاة”، وهم الخارجون على الحاكم الشرعيّ المسلم المقسِط، الذي لم يفعل ما يستوجب عزلَه شرعًا، وقائد الانقلاب ينطبق عليه ما ينطبق على الخوارج، الذين يخرجون على حاكمٍ يَحكم بشرع الله.
وإنّ ما قام به السيسي والجيش في 3/7/2013م هو خروج على الرئيس الذي اختاره الشعب، بل قد بايعه قائد الانقلاب نفسه رئيسًا للبلاد، وقائدًا أعلى للقوات المسلحة، وأعطاه العهود والمواثيق، ثم غَدَر به، واستعان على جريمته بالقوات المسلحة، مستقويًا بدول إقليمية وأوربية، وألغى الدستور، والمؤسسات التشريعية، وقتل المعارضين لانقلابه، وهذا في ميزان الشرع هو الباغي الخارجيّ الذي عناه الفقهاء في البغاة أو الخوارج، وما قام به انقلاب باطل، ومجرَّم شرعًا وقانونًا، وبغْيٌ وعدوان، وإفسادٌ في الأرض.
وعلى هذا فإن السيسي ـ طال الزمان أم قصُر ـ يظل موصومًا بجُرمه، مستحقًّا للقِصاص العادل، ينطبق عليه قول الرسول ﷺ «مَن أتاكم وأمْرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرّق جماعتكم؛ فاقتلوه» (أخرجه مسلم).
وأما الادعاء بأن المنقلب صار حاكما متغلِّبًا له السمع والطاعة؛ فإن هذا من تضليل المدلِّسين، ومقصدُهم من تبنِّي هذا الفقه السقيمِ المتخلِّف أن يُقنِعوا الناس ــ باسم الشرع ــ بصحة الانقلاب الأثيم، ويزيِّنوا لهم الرضا بتغلب المجرم الباغي.
وهذا الكلام ساقط تافه، كما أنه ليس هناك دليل من كتاب أو سنة يقول بشرعية المتغلب.
أما الثابت الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، والذي تؤيده النصوص المعصومة والصحيحة الصريحة؛ أن الحاكم الذي بايعَتْه الأمةُ، ولم يفعل ما يستوجب عزله ــ وهو ما ينطبق على الرئيس مرسي ــ يجب الوفاء له بالبيعة، ويسمَّى الخروج عليه عند العلماء الأثبات “بَغْياً”، ولا عبرة بالمتغلِّب، ولا تثبت له بيعة؛ لأنه قَهَر حاكمًا تمت توْليتُه بالطرق الصحيحة، ويظل المتغلِّب (الانقلابيُّ) مغتصِبا للحكم، ولا ينفي انقلابُه صفة “الشرعية” عن الإمام المقهور، المغلوبِ على إِمامتِه.
ومع هذا فإن الفقهاء الذين قالوا بإمامة المتغلب لم يطلقوا القول هكذا دون ضوابط، وهذا موجود في كتب السياسة الشرعية، مثل “الأحكام السلطانية” للماورديّ (ت 450هـ)، حيث ذَكر شروطًا لانعقاد إمارة المتغلِّب، الذي أسماه “الأمير المستولِي”، أو “إمارة الاستيلاء”، وكلُّها لا تنطبق على انقلاب السيسي.
ثم إنه قبل أن يتكلم أحدٌ من أهل العلم في انعقاد إمارة المتغلب؛ فإنه يُنظَر أولا: على مَن تغلب أو انقلب؟
وهنا لا يخلو الأمر من أنه:
ـ إما أن يكون قد تغلب على حاكم ظالمٍ، عطّل الشرع، فجاء هذا المتغلِّب ليقيم العدل، ويطبِّقَ الشرع.
ـ وإما أن يكون هذا المتغلب ظالما انقلب على ظالمٍ مثله.
ـ وإما أن يكون قد انقلب على حاكم عادل له بيعة شرعية، وجاء المتغلِّب ليعطل الشرع، ويحكم بالجور.
فإلى أيٍّ من هؤلاء ينتمي السيسي؟
لا شك في أنه إلى الصنف الأخير أدنى وأقرب، وأشد التصاقا.
إذِ الواقع أن السيسي قد تغلب على حاكم شرعيٍّ، ذي مقصد ومشروعٍ إسلاميّ، أعلن عنه، فانتخبته الأمة أملا في أن يكون عادلا ويطبق الشرعَ شيئا فشيئا، وكان عند حسن الظن به.
كما أن الواقع يشهد بما لا يدع للشك مجالا بأن السيسي وعصابة الانقلاب من الجيش وفلول نظام مبارك ومعهم الكنيسة وشعبها لم يتغلبوا من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية؛ بل إنهم ما قاموا بالانقلاب إلا لتوجه الرئيس محمد مرسي نحو تطبيق الشرع، وإقامة العدل في البلاد، ونصرة الدين وقضايا المسلمين.
وماذا فعل السيسي بالدين والشرع بعد الانقلاب؟!!
إنه لم يحدُث تعطيل للشرع، واجتراءٌ على دينِ الله، وهدْمٌ لأصوله، وتقويضٌ لدعائمه وثوابته، ورعايةٌ للإلحاد، في تاريخ أيِّ نظامٍ حاكمٍ في مصر؛ كما حدث بيد النظامِ الانقلابيِّ.
وأما عن الظلم الذي اقترفه السيسي ـ ولا زال ـ فحدِّث ولا حرج !!
لقد قام بإهدار المصالحِ الضرورية، التي تمثِّل ـ بجدارةٍ ـ حقوقَ الإنسانِ التي لا غِنَى له عنها أبدا، والتي أجْمعَتِ الشرائعُ الإلهيةُ، والعقولُ السويّةُ على رِعايتِها وصِيانتِها، ومنْعِ الاعتداءِ عليها، أو المساسِ بها.
وهذه المصالح هي: حِفْظُ الدِّينِ، والنَّفْسِ، والنَّسْلِ ـ أو العِرْض ـ، والمالِ، والعقل، ويُمكِن أن يضَاف إليها: الحرية.
ونحن نرى كل يوم الاعتداءَ على تلك المصالحِ الضرورية، واستباحتَها وإهدارَها بقَصْدٍ وإصرار، بأعمالٍ ممنهَجة مخطَّطة.
ويكفي أنه استهل جريمة الانقلاب بقتل الآلاف من معارضيه، وتصفيتهم في الميادين والشوارع، وما تبع هذا من أحكام الإعدام والسجن المشدد الطويل بتهم ملفقة، واعتقالِ نحو مائة ألف، في مقدمتهم الرئيس الشرعيّ محمد مرسي، ثم إنهاء حياته علانية، ومصادرة الأموال والحريات، وسحق كرامة الإنسان، ولا زال يَفْجُر في ظلمه وطغيانه وبغيه على البلاد والعباد، على مرأى ومسمع من الدنيا كلها.
ثم إنه مع هذا قد خاب في إدارة البلاد، وصيانتها؛ بل فشل فشلا صار مضرب الأمثال، وخان وفرَّط، وأضاع البلاد، وأغرقها في ديونٍ لم تحدث على مر التاريخ، وعاش الناسُ معيشة الضنْك على نحوٍ لم يرَوْه من قبل !!!
وصدق اللهُ القائل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81].
وأخيرًا أقول:
إن مما يدعو للعجب أن يُجْمِع العالَم في هذا الزمان على مقت وإنكار أيِّ انقلاب عسكريٍّ على السلطة الشرعية، واغتصابها بالقوة، وتجريمِ مَن يفعل ذلك، وملاحقتِه قانونيًّا على فَعلته، ومحاسبته عليها حتى ولو بعد حين؛ بينما يأتي بعض المدلِّسين، ويزعمون أن الإسلام يبارك الانقلاب العسكريَّ على الشرعية!!!
حسبنا الله ونعم الوكيل

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …