د. بسام ضويحي يكتب: واشنطن وموسكو ومخطط تصفية المعارضة السورية

أخيراً انكشف المخبأ، وظهرت الحقائق جلية واضحة. ذلك أن أهداف أمريكا وروسيا ونواياهما لم تعد تنطلي على أحد، بعد أن  حاولتا أن تظهرا أمام العالم أنهما تسعيان معاً من أجل التوصل لإبرام هدنة هدفها وقف إطلاق النار في سورية بعد تقديم ضمانات والتزامات دولية لوقف حمام الدم السوري. لكنهما في واقع الأمر كانتا تبذلان الجهود الحثيثة لتقزيم المعارضة السياسية وتصفية الجيش الحر والكتائب السورية المسلحة التي تدافع عن الشعب السوري الذي ينادي بالحرية والديمقراطية، وتقومان بدعم بقايا النظام وفلوله المنهارة لتعيدا لتلك الفلول القدرة على الإمساك بزمام الأمور ولتستطيع وبتنسيق صهيو ايراني، أن تهدد القوى السياسية والعسكرية المدافعة عن الشعب  السوري, وتهيئ الأجواء الإعلامية والسياسية لارتكاب أفظع الجرائم كما يحدث اليوم في سورية على وفق خطة أمريكية روسية وقد جعلوا من داعش فزاعة يخيفون بها الناس من أجل تغطية جرائمهم وإرهابهم . إن ما رشح من معلومات لغاية الساعة يؤكد – بما لايدع مجالاً للشك – وجود خطة  مدبرة ضد الشعب السوري ومعارضته السياسية والعسكرية, ومن بنود هذه الخطة إغلاق الطريق أمام المعارضة الوطنية، ومنعها من الاعتراض على الحل الروسي الأمريكي فيما يتعلق بمصير الشعب  السوري ومستقبله، والاستعداد لتصفية الحسابات مع كل من يُعارض الرؤية الروسية والأمريكية، والسعي لإبقاء بشار الأسد وزمرته المجرمة  في السلطة، إلى جانب المضي بشكل ممنهج لإنهاء مشروع الثورة السورية التي قدمت أكثر من مليون ونصف مليون قتيل وجريح ومفقود منذ 2011 وإلى الآن .

 إن قرارات التسوية التي ولدت ميتة لم يكن لها وجود أصلاً. وذلك على ضوء ما اتضح بعد تهديدات المبعوث الأمريكي مايكل راتني (الذي كان قنصلا لأمريكا في القدس) المشارك في مؤتمر الرياض  والذي كشف بشكل واضح عن النوايا الحقيقية للطرف الأمريكي الذي بات يتقاطع مع الروس والإيرانيين الذين يريدون تصفية الثورة السورية .

وهذا يعني أن  الولايات المتحدة وروسيا قد حزمتا أمرهما من أجل القضاء على إرادة الشعب السوري، وفرض الحلول الاستسلامية عليه، وإجبار فصائل المعارضة السورية على القبول بذلك مع تبني الحلول الناقصة قصد إضعافها، ويقابل ذلك التهديد بمساواتها بداعش والنصرة والفصائل المجاهدة الأخرى في حال عدم قبولها، مع احتفاظ النظام السوري بحق استخدام القوة المسلحة ضد المجموعات التي اصطلح على تسميتها بالتكفيرية، وما أوسع حدود تعريف هذا المصطلح لديهم، حيث سيتم توظيف ذلك لاستمرار ارتكاب المجازر ضد الشعب السوري الأعزل بشكل يومي ومكثف، واستخدام كافة الأسلحة المحرمة دولياً واتباع سياسة الأرض المحروقة من أجل القضاء على الثورة السورية . والمعروف أن  هذه الذريعة ليست مقصورة على النصرة وداعش فحسب (مع العلم أن داعش هي الشماعة التي أوجدتها أمريكا وروسيا وايران والنظام)؛ بل لاستهداف كل من يقول ” لا إله إلا الله”، وقد أثبتت التطورات ومسار الأحداث أن بشار الأسد ونظامه بات دمية بيد الروس والأمريكيين الذين يفاوضون ويقررون نيابة عنه، إذ إن  الشخصيات التي اقترحها نظامه الدموي لا تستطيع التفاوض أو حتى المشاركة في المفاوضات .

علماً بأن المعارضة السورية ذهبت للتفاوض ومعها خيارات متعددة بعد أن التقت قادة الجيش الحر والكتائب المسلحة في الداخل السوري، وبعد أن اتفقت على صياغةٍ معينة يمكن لها أن تحقن دماء الشعب السوري. لكن ما جرى الآن من تطورات سيفرض حتمية مراجعة المقاتلين على الساحة لحساباتهم على ضوء التوافق الأمريكي الروسي، وعلى ضوء ما جرى تسريبه من معطيات تؤكد أن هناك مؤامرة بين بوتين وأوباما جرى تدبيرها بليل ضد سوريا وشعبها, وضد المنطقة الشرق أوسطية بكاملها .

 إنه اتفاق خطير مدروس ومخطط يكشف  شيطانية المخطط الروسي والأمريكي، الذي يهدف لاستكمال إستراتيجية تصفية المعارضة  السورية المسلحة (وهذه الاستراتيجية جزءٌ من المخطط الأكبر)، وتؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن هناك تقارباً بين الطرفين، وشرعنة شيطانية لما يفعله الحرس الثوري الإيراني، والميلشيات الإرهابية التي تدور في فلكه، ومنحها تفويضاً للتحرك بحرية لمواصلة تنفيذ جرائمها، واعتبار أن “النصرة” و”داعش” والفصائل الجهادية هي التنظيمات الارهابية الوحيدة .

 وتتضمن الخطة كذلك إجبار المعارضة السورية على وقف إطلاق النار بشكل أحادي، وترك الشعب بلا ضمانات مقابلة، أو حتى تعهدات بوقف النظام وروسيا وميلشيات إيران على ذلك، حيث سوف تستغل هذه النقطة للمضي في ذبح الشعب السوري واستهدافه على اعتبار وجود التكفيرين والإرهابيين بين ظهرانيه دوماً!

كذلك فإن ما جرى يؤكد سعي الولايات المتحدة وروسيا، لشرذمة المعارضة السورية، وتفتيتها وتقسيمها إلى عناوين متصارعة فيما بينها من أجل استكمال تدميرها؛ ويعد السعي لإحداث شرخ بين الجناح السياسي والعسكري للمعارضة السورية أحد مخاطر ذلك الاتفاق سيما أن مشروع الهدنة المزعومة يسعى لتحييد فصيل على حساب آخر، وهذا أخطر ما يكون على العمل المسلح كله .

 واذا علمنا أن الاتفاق يعطي الروس حق السيطرة على مقاليد اللعبة السياسية، والاستمرار بانتهاج إستراتيجية تفعيل دوامة الأزمات ومحاربة الإرهاب المتمثل بشماعة داعش وغيرها من وجهة نظرها، والتي ما هي إلا ذراع لها، حيث رسمت لها دورها التخريبي بشكل دقيق ومتقن وستعمل على إنهائه بعد أن تصل مكونات المجتمع السوري إلى درجة الاحتقان والشحن الطائفي والمذهبي لدرجة يقنع معه السوريون أن لا حل لمشاكلهم وأزماتهم إلا من خلال تنفيذ مخطط التقسيم بعد فشل الهدنة المفترضة، والتي ولدت ميتة بالأساس.

لذي يظهر لنا أن هناك توافقا مع الإستراتيجية الأمريكية بهذا الخصوص لإشعار تركيا أنها جزء من معادلة الاستهداف بعد أن أصبحت قوة إقليمية، حيث هندس لها الروس والأمريكيون والإيرانيون والإسرائيليون مخطط المواجهة مع الأكراد، ريثما تتم حلقة  جمع حبات الدولة الكردية الكبرى المتناثرة على طول الحدود السورية التركية .

لقد ظهرت اللعبة بوضوح ..  فروسيا والولايات المتحدة أظهرتا  أنهما تريدان استمرار الحرب في سورية دون توقف، ولاشك أن  تفعيل قواعد الاشتباك والاستهداف ضد الشعب السوري ستبقى مستمرةً، حتى تحقيق المخطط الصهيوإيراني الدي تعمل من أجل تحقيقه الدولتان الكبريان؛ روسيا وأمريكا.

لكن كل ذلك سيزول, وسينهض الشعب السوري من جديد مهما حاولت أمريكا وروسيا وإيران والكيان الصهيوني, ومن لف لفهم, قتل الشعب أو القضاء على ثورته، وسوف ينتصر شعب سورية الثائر على الظالمين من حطامه وعلى الغزاة الذين يغزونه في عقر داره، وسيعود لهذه الأمة وجهها المشرق الجميل ودورها المشرف بعد كل ما تتعرض له من غزو وعدوان

والذي نريد أن نقوله إن قرار استمرار الثورة حتمي وهو يعود للشعب السوري وحده دون غيره وبالتالي فهو ليس قراراً أمريكيًا  ولا روسيًا ولا إيرانياً، ولم يعد أمام الشعب السوري على ضوء التطورات الجارية من خيار سوى مواصلة الثورة, وبعد الاعتماد على الله, الاعتماد على الإمكانيات الذاتية وعلى الدول الشقيقة والصديقة المؤمنة بحق سورية وشعبها في الحياة الحرة الكريمة.

……………..

رئيس مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …