أعلنت موسكو وواشنطن عن هدنة لوقف إطلاق النار في سوريا يسري مفعولها السبت المقبل 27 فبراير/شباط الحالي. هدنة غاب أطراف الصراع في سوريا عن مشهد الإعداد والتفاوض على بنودها؛ بانشغالهم في المواجهات وعمليات التحشيد والاتهام لكل من موسكو وواشنطن بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع في سوريا والإقليم.
الإدارة الفاشلة لكل من موسكو وواشنطن للازمة، وتجاهلهما مصالح القوى المنخرطة في النزاع أدت إلى فقدان القوى الإقليمية والمحلية الثقة بالدولتين؛ خصوصا الحليف الأمريكي, كما ازداد الشعور بتغول روسيا في المنطقة وتحولها إلى قوة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، خصوصا بعد فشل مفاوضات (جنيف 3).
فتركيا والسعودية تحركتا بقوة في الأسابيع الأخيرة من خلال التهديد بتدخل بري؛ ترافق مع قصف مدفعي شمال سوريا منذرًا بتوسع المواجهة العسكرية؛ وأرفقته بنشاط تركي سياسي غير مسبوق في الحزام الأوراسي شمل أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا؛ دفع روسيا إلى تعزيز قواتها في أرمينيا، واتبعته موسكو بزيارة خاطفة لوزير الدفاع الروسي لطهران، فالخشية من اندلاع مواجهة إقليمية باتت أمرا ممكنا في القوقاز، في حين امتد نشاط المملكة السعودية إلى الساحة اللبنانية مهددا بتوسع دائرة الاشتباك الإقليمي.
في المقابل فإن النظام السوري وحلفاءه عمدوا إلى توسيع هجماتهم على المدنيين ونقل المعركة إلى شوارع أنقرة واسطنبول، وبذلك يوجه النظام السوري مع حليفه الإيراني رسائل مبطنه وأخرى فاضحة لدول الإقليم والجوار بتوسيع دائرة الاشتباك والمواجهة وإثارة الفوضى، لتصل الأمور إلى الحافة منذرة بفقدان موسكو وواشنطن السيطرة وتهديد مصالحهما في أكثر من ساحة وموقع.
مفاوضات (جنيف 3 ) كانت نقطة البداية لمزيد من التدهور في الإقليم, فلم تحوِ في باطنها حلولا للازمة السورية أو الإقليمية، وانعكست مباشرة على كل من موسكو وواشنطن بفقدانهما السيطرة على الحلفاء والأصدقاء، بشكل أنذر بتوسيع حدود المجابهة وخروجها عن حدود السيطرة وتهديد مصالح واشنطن وموسكو في المنطقة والعالم.
الهدنة جاءت باعتبارها اتفاقا مباشرًا بين واشنطن وموسكو لتجاوز التدهور المستمر في مكانتهما وقدرتهما على السيطرة على الصراع، لتتجاوزا فيه الحلفاء والأصدقاء على شكل إملاءاتٍ على الجميع الالتزام بها؛ لضبط إيقاع المشهد المتفلت والآخذ بالتدهور، فالخارجية الأمريكية نشرت بنود الهدنة على موقعها الالكتروني، في حين رافق الإعلان عن الهدنة اتصال هاتفي بين الرئيسين الأمريكي أوباما والروسي بوتين، متوجا بذلك مطالبة الحلفاء والأصدقاء والخصوم الامتثال للاتفاق.
زخم كبير أُعطي للخطوة الأمريكية الروسية، تتابعت بعده ردود الأفعال من قبل أطراف الصراع والقوى الإقليمية والدولية المرحبة بالهدنة، ليتكرر المشهد ذاته قبل شهر من الآن؛ فالمعارضة السورية على لسان رياض حجاب أعلنت القبول بالهدنة بشرط وقف القصف الجوي للمدنيين وإيصال المساعدات، أما النظام فأطلق تصريحات متفائلة على لسان زعيمه الأسد لرفع المعنويات، فالحسم العسكري الموهوم بات خرافة واضحة بعد الانتقادات شديدة اللهجة التي وجهت لزعيم النظام السوري سواء من تشورجين نائب وزير الخارجية الروسي؛ أو من قبل بعض المسؤولين الروس الذين أطلقوا تصريحات قاسية.
الانتقادات الروسية للأسد ترافقت مع تصريحات لجون كيري جدد فيها القول إن الحل في سوريا لا يمكن أن يتحقق بوجود الأسد، وترافقت مع جولة للوزير بدأت بعمّان وانتهت بأنقرة التي بدورها أعلنت عن عدم توافر النية لديها أو لدى الحليف السعودي التدخل بريًا في سوريا، لتتوقف ولو مؤقتا موجة التصعيد الكبير الذي شهدته المنطقة خلال الأسبوع الفائت، فهل تم احتواء التصعيد العسكري والسياسي في المنطقة أم أنها مجرد محاولة عابرة ويائسة لضبط المشهد المتفلت.
وزير دفاع الكيان الإسرائيلي تنبأ بفشل الهدنة وانهيارها؛ جاء ذلك خلال مناورة مشتركة في سواحل مدينة حيفا المحتلة مع البحرية الأمريكية، ولعل هذه القراءة هي الأقرب إلى الواقع، إذ بات من الواضح أن كافة الأطراف تعد وتؤسس لجولة جديدة من المواجهة ستكون أوسع وأكثر تدميرا، فالنقاط الساخنة تزداد سخونة في لبنان وجنوب سوريا والعراق والحزام الأوراسي والقوقاز, وبات من الصعب وقفها.. مسألة باتت موسكو وواشنطن تدرك خطورتها.
فالمشهد يتكرر مرة بعد الأخرى ليفجر مزيدا من الصراعات، وموسكو وواشنطن لا زالتا تمارسان نفس الإدارة الفاشلة للأزمة بتجاهل مصالح القوى الفاعلة في سوريا والإقليم، والاعتماد على الهدنة لتسكين المشهد والسيطرة على الأزمة، أمر لن ينتهي بمجرد هدنة بل بتفكيك عناصر الأزمة الأساسية؛ أمر لامسته تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي مؤخرا ولكنها لم تصل إلى مستوى الجدية الكافية في التعامل معها إلى الآن، فمصالح موسكو وواشنطن لا زالت هي الثابت والقاعدة, ومصالح القوى المحلية والإقليمية هي الاستثناء.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات