يسجلها التاريخ كأحد مراحل التطور البشري، بل الديمقراطي، تلك المجالدات التي كانت تتم في الامبراطورية الرومانية كنوع من الرياضة أو العقوبة أو التسلية، وقد مثلت أيضا الشكل الأولي للديمقراطية حيث يتواجد الحاكم والمحكوم في نفس المكان ويكون للحضور دورٌ في تحديد نتيجة المباراة، ومن يستحق الحياة من المجالدين ومن يستحق التصفية!
ومع تطور القيم البشرية هوجمت ألعاب المجالدة من قبل العلماء والفلاسفة؛ استنكارا لهمجيتها ووحشيتها، وتشجيعها على العنف المفرط، وخلوها من أي هدف انساني أو سلوك قويم.
والغريب أن جمهور النظارة كان يدخل كما يصف الفيلسوف سيسرو في حالة من النشوة تقترب من الهذيان، وتنتفخ أوداجهم، وتدمى عيونهم وكأنهم سيشاركون في ملحمة بشرية، ويقتاتون بأجساد المتحاربين مع صراخ عالٍ لا يشبه التشجيع أبدا!
هؤلاء النظارة كانوا ينسون جميع القيم الأخلاقية والإنسانية، وأن أمامهم بشرًا يذبحون بعضهم حتى الموت أو حيوانات عجماء أليفة تذبح من الوريد الى الوريد، بل لم يظهر عليهم امتعاض ولا رفض ولا تذمر، ومن استقبح المشهد كان يكتفي بالمغادرة دون أن يساهم في الرفض وفي التغيير!
لم يتغير جمهور النظارة من يومها, فما زال بعضه يهتف دون وعي, أو يكتفي بالنقد السلبي أو يجيز اللامقبول أو يشيطن المعقول.. جوقة تساق بقيادة, أو همج يطبلون مع كل صاحب دف, أو متعالون ينظرون من علٍ وينظّرون بمثالية!
قليلون من النظّارة من لا يكتفون بنظرة سطحية وزاوية ضيقة وتنقيب عن المثالب، قليلون من يشعرون بالمسؤولية الأخلاقية والرسالية الاجتماعية ولا يقولون كلمة, ثم يديرون ظهورهم بل يضعون سواعدهم وأفكارهم وهمتهم جنبا الى جنب مع كلماتهم الرنانة, فكثرة الصراخ لا تقيم طريقا أعوجا, إنما يستقيم الطريق بيد تبذل جهدا وعرقا في تمهيده.
مقعد النظارة مريح ولا يكلف جهدا بل قد يكتسب صاحبه هالة المفكر والمثقف والناقد في زمنٍ أصبح فيه الرأي؛ أي رأي، غثا كان أم سمينا، حق مشروع ولو لوث الأسماع والعقول بغبار القدح واليأس والامتهان! إن سلاطة اللسان حالة معروفة في القرآن لا تأتي بخير أبدا, بل لقد وصف القرآن أصحابها بألسنة حداد, أشحة على الخير. إنها ذات حالة الصياح في أجواء البلادة أثناء المجالدات الرومانية حيث كان يقتل البشر دون أن يحرك أحد ساكنا!
إن مقعد النظارة مريح, ولكنه غالبا ما يكون في الخلف, ويبتعد عن الصفوف الأولى والمركز, فالتقدم إلى الأمام عادةً ما يكون بقلب عَقول, ولسان سؤول, وجهد مبذول, ولا يحرز قصب السبق إلا العاملون.
إن من ينظر بعين القلب يرى نفسه شريكا في الحمل الثقيل والخفيف, وفي المغنم والمغرم, والضعف والقوة, وإقبال الزمان وإدباره.
وصدق الشاعر: وناظر القلب لا يخلو من النظر
اللوحة الجميلة المكتملة لا تخرج للناس صدفة. إنها حصيلة عمل دؤوب, واخفاقات وتراجعات, ونجاحات, والفوز لمن كان جزءا من الجمال الختامي ولم يكتفِ بتدليل عيون ناعسة وجفون ثقيلة, ولسان لا يعرف إلا كلمات كسولة عابرة بجميل أو قبيح.
نظر البصيرة غير نظر البصر, وكذلك ما يرافقهما من عمل!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات