ديمة طارق طهبوب

د. ديمة طارق طهبوب تكتب: وجه مسؤول

يصلك أنه يصلي فيتحرك شيء في القلب بالقبول وحسن الظن, فما زلت على تلك الفطرة التي تربيت عليها وأنت طفل يوم بدأت تتدرب على الصلاة بأن الصلاة صلاح وأدب وأمانة ومنهاج حياة, يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ومع أن الزمن توالى عليك لتعرف أن ليس كل من صلى صلى, ولكن الدهشة تظل تعتريك أن كيف يردد الانسان “الله أكبر” ثم يكون في حياته شيء أكبر من الله!

ترى المسؤول يصلي مع المصلين فتنشرح أساريرك وتستبشر أن ربما حانت استدارة الزمن، وهذا الوقت هو وقت استعادة الفضيلة والقيم في السياسة، وبهذا سيصلح شيء من حال البلاد والعباد.

ثم تأتي لحظة الحقيقة عند مناقشة الأمور الكاشفة حيث لا مجال للاجتهاد ولا لتعدد الآراء، فالحلال بين وكذلك الحرام. والخيانة لا لبس فيها وكذلك الانتماء والوطنية والبراجماتية والحلول الوسط غير ممكنة البتة!

تنظر في وجه المسؤول، وهو يدافع باستماتة عن باطل بيّنٍ, وعن عدو واضح, فلا ترى فيه الصراط المستقيم الذي يدعو بالهداية إليه مرارا!

تنظر في وجه المسؤول فلا ترى اعتذارا، ولا اضطرارا، بل عزما وسبق إصرار وترصدًا!

تنظر في وجه المسؤول فلا ترى سوى موالاة ونصرة للمغضوب عليهم من أعداء الأمة, وذلة لهم, وعزة على المؤمنين!

تنظر في وجه المسؤول فلا ترى فيه خجلا من دماء الشهداء، ولا تعاطفا مع الضعفاء ولا الأرامل، ولا الأيتام، ولا تذكرا للأوطان التي فُقدت ودُمرت واحتلت وما زالت على ذلك!

تنظر في وجه المسؤول فلا ترى رعشة الهيبة من المسؤولية، ولا اختلاجة الخائف من الحساب ولا إشفاق المهموم بمشاكل وطن وشعب, بل كل لغة الوجه, ونبرة الصوت, تشي بالإصرار والعمد مهما كانت النتائج حتى لو كان العدو معروفا بنكث الوعود وعدم الوفاء بالعهود.

إنها حالة معروفة في التاريخ السياسي؛ يوم يحتكر صاحبها الحقيقة، ويقول للناس: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل المصلحة الوطنية!

تنظر في وجه المسؤول فتقول لا تنظر إلى نظرة التصميم في عينيه ولا نبرة العزم في كلامه ولكن انظر إلى ما ستجنيه يداه.

قيل إن الوجوه مغاريف القلوب، وقد لا تكون, وقد تتزين الوجوه والعبارة بما يخالفها على أرض الواقع. يوم تنظر إلى وجه المسؤول تذكر أن وجه ضعفك وسكوتك ساهم في تكوين وجه سلطته.

في وجه عمر بن الخطاب ظهر خطان أسودان عام الرمادة من شدة التقشف، والآن وجوه المسؤولين اكتنزت حتى ضاعت معالمها!

عندما تنظر في وجه مسؤول تذكر قول الشاعر:

احذر محاسن أوجهٍ فقدت محاسن أنفس ولو أنها أقمار

سرج تلوح إذا نظرت فنور وإذا مسست فنار

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …