لأول وهلة، بدا وكأن منسوب الأدرنالين قد ارتفع لدى القائمين على الأمور في السلطة الفلسطينية بسبب الوتيرة غير المسبوقة من قرارات البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس، لدرجة أن مسؤول المفاوضات في السلطة صائب عريقات بات يؤكد أن السلطة الفلسطينية «تدرس جديا» سحب اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل، إلى جانب إجراءات «إستراتيجية» أخرى في التعامل مع الكيان الصهيوني.
بكل تأكيد, يمكن تفهم ردة فعل السلطة على الإجراءات الصهيونية. فعدد الوحدات السكنية التي أمرت حكومة نتنياهو ببنائها في الضفة والقدس في أقل من عشرة أيام بعد صعود دونالد ترامب للحكم في الولايات المتحدة أكبر من عدد الوحدات التي بنتها نفس الحكومة في عام كامل.
وهذا يعني أن بقاء وتيرة البناء على هذا يضمن تصفية المسوغات التي تستند إليها قيادة السلطة لتسويغ مواصلة التشبث بحل الدولتين.
ومما زاد الأمور تعقيدا بالنسبة للسلطة حقيقة أن إدارة ترامب تجاهر المرة تلو الأخرى، فإنها لا ترى في المستوطنات «عائقا أمام تحقيق السلام».
ليس هذا فحسب، بل إن ترامب, كما يشهد عريقات, يتجاهل السلطة، ويرفض الرد على رسائلها، حتى إنه لم يرد على برقية التهنئة التي بعث بها رئيس السلطة محمود عباس.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حقا السلطة تدرس بجدية التراجع عن اعترافها بالكيان الصهيوني، أم أن هذا التهديد مجرد صورة من صور التكتيكات التي تنتهجها السلطة لإرغام الشعب الفلسطيني على التعايش مع واقع الاحتلال؟
إن كانت قيادة السلطة الفلسطينية منزعجة حقا من التوسع غير المسبوق في البناء داخل المستوطنات، فإن بإمكانها الإقدام على خطوات أبسط، وأكثر إلحاحا من سحب الاعتراف.
فهل يعقل أنه في الوقت الذي يتعاظم فيه المشروع الاستيطاني، وفي ظل تكشير حكومة اليمين الديني الحاكم في تل أبيب عن أنيابها على هذا النحو, تواصل السلطة من ناحية عملية الحفاظ على التعاون الأمني مع تل أبيب؟
فإن كانت قيادة السلطة تشعر بـ”الغضب” إزاء الإجراءات الصهيونية، فإنها تفرغ هذا الغضب عبر إجراءات قمعية تستخدم ضد أبناء شعبها, المتهمين بمقاومة الاحتلال والاستيطان.
المضحك المبكي أن وتيرة الاعتقالات التي تطال المقاومين، ومن يُتهمون بعلاقة بحركات المقاومة من قبل أجهزة السلطة الأمنية قد تعاظمت، تحديدا بعد إصدار حكومة نتنياهو قراراتها بالتوسع في البناء في المستوطنات.
ليس هذا فحسب، بل إن التقارير الحقوقية تؤكد زيادة وتيرة عمليات التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون السياسيون المتهمون بالعلاقة بالمقاومة في سجون السلطة.
لقد دفع تزايد أنماط التعاون والتنسيق الأمني مع الاحتلال حتى أكثر النخب اليمينية تطرفا في تل أبيب إلى الإشادة بسلوك السلطة.
إن كل عاقل يعي أن التعاون الأمني الذي يستهدف تجفيف بيئة المقاومة في الضفة الغربية، يعني في المقابل، تحسين البيئة الأمنية للمستوطنين اليهود. لقد دل استطلاع للرأي العام أُجري في أوساط المستوطنين اليهود داخل الضفة الغربية وفي فلسطين 48، على أن المستوطنين اليهود في الضفة هم الأكثر شعورا بالأمن الشخصي مقارنة بغيرهم، وذلك بفضل تحسن البيئة الأمنية في المستوطنات؛ بسبب تعاون السلطة مع الكيان الصهيوني في تجفيف بيئة المقاومة.
لقد دل تحقيق نشره مؤخرا موقع «وللا» الصهيوني، من خلال معطيات، على أن تعاون السلطة الأمني مع سلطات الاحتلال أفضى إلى تحسن البيئة الاقتصادية أيضا في المستوطنات، لدرجة أن الضفة الغربية باتت أهم مناطق السياحة الداخلية للكيان الصهيوني؛ إذ إن تحسن الأوضاع الأمنية يسمح للمستوطنين بالتنقل في أرجاء الضفة كما يشاؤون.
لكن ما يفاقم مشكلة قيادة السلطة، ويزيد من حرجها, غياب طرف أمريكي مستعد لمنحها طرف خيط للتعلق به لتبرير التشبث بخيار التسوية، وتبرير التعاون الأمني.
من هنا، فلم يكن من المستهجن أن قيادة السلطة حاولت بعيد الإعلان عن فوز ترامب أن تعرض على القيادة الأمريكية الجديدة استعدادها للتعاون معها في الحرب على «الإرهاب»، لكنها تلقت تجاهلا مدويا فاقم أزمتها.
إن الاصرار على التعاون الأمني, وحتى عدم التهديد بوقفه, يدلل على أن قيادة السلطة الفلسطينية مصممة على مواصلة التحرك ووقف قواعد الاشتباك المريحة للصهاينة.
قصارى القول.. بدلًا من التهديد الفارغ بسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني، فإن سلطة رام الله مطالبة أولا بوقف التعاون الأمني مع الاحتلال الذي يعزز المشروع الاستيطاني ويدفعه قدما.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات