صالح النعامي
صالح النعامي

د. صالح النعامي يكتب: لماذا تجاهل رئيس وزراء الهند فلسطين في زيارته «إسرائيل»؟

على الرغم من أنه تم التركيز على الصفقات الضخمة التي تم التوقيع عليها على هامش زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للكيان الصهيوني، والتي مثلت فرصة كبيرة وهائلة للمجمعات الصناعية العسكرية الصهيونية، إلا أن بعض جوانب الزيارة اشتملت على أبعاد ذات دلالة خاصة لنا كفلسطينيين وعرب. فقد درج رؤساء الدول، وضمنهم رؤساء الولايات المتحدة، بغض النظر عن انتمائهم الحزبي، على زيارة مقر المقاطعة في رام الله كلما قاموا بزيارة لإسرائيل. لكن مودي، الذي يقود دولة، كانت تجاهر بدعمها للشعب والقضية الفلسطينية، كان رئيس الدولة الأجنبي الأول الذي يشذ عن هذه القاعدة، حيث إن برنامج زيارته لم يشتمل زيارة رام الله.

ليس هذا فحسب، بل إن مودي وعلى الرغم من أنه قد ألقى عدة خطابات وشارك في عدة مؤتمرات صحفية مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لم يتطرق، ولو بكلمة واحدة، للقضية الفلسطينية. ولم يدع، ولو من باب دفع الضريبة الكلامية، لحل الصراع، كما يفعل حتى رؤساء الدول الأكبر ارتباطا بإسرائيل.

صحيح أن علاقات إسرائيل الأمنية والإستراتيجية بالهند تعاظمت خلال السنوات الخمس الماضية بشكل غير مسبوق، إلا أن هذا التطور لا يصلح لتفسير السلوك الهندي، حيث إن معظم الدول التي تثير القضية الفلسطينية (ولو بشكل نظري) ترتبط بإسرائيل بعلاقات اقتصادية وثيقة.

إن التفسير المنطقي للسلوك الهندي يكمن بشكل أساسي في استخلاص صناع القرار في نيودلهي من سلوك الحكام العرب. فعندما تتابع الهند اتساع مظاهر التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، سواء تلك التي تقيم علاقات مع تل أبيب، أو تلك التي لا تقيم، فأنه يمكن تخيل قادة الهند يقولون لأنفسهم: لا يمكننا أن نكون ملكيين أكثر من الملك ذاته.

فعندما يجاهر حكام تل أبيب علنا بالكشف عن مظاهر التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق السياسي بين إسرائيل وعدد كبير من الدول العربية، فإن هذا يمثل محفزا لقادة الهند للبحث عن مصالحهم دون إبداء أي قدر من الاهتمام بالقضية الفلسطينية.

التطور الأخطر، الذي يمكن أن ينجم عن الغرام الصهيوني الهندي يكمن في توفر المزيد من المؤشرات على أن الهند ستوظف كل ثقلها في المجتمع الدولي لإسناد إسرائيل وتقليص فرص صدور قرارات دولية ضدها في المحافل الدولية. وقد شرعت الهند بالفعل في إسناد مواقف إسرائيل من خلال الامتناع عن التصويت على مشاريع القرارات التي تدين إسرائيل. وتراهن إسرائيل حاليا على أن تنتقل الهند من الامتناع, إلى التصويب المباشر ضد هذه المشاريع.

ولو تجاوزنا الاعتبارات الأخلاقية والقيمية، فإنه لا يمكن لوم الهند لتصويتها لصالح الصهاينة، في الوقت الذي تطوعت فيه مصر؛ أكبر دولة عربية لسحب مشروع قرار 2334، الذي يدين الاستيطان اليهودي من التداول في مجلس الأمن، ولولا تدخل دول غير عربية لما تم إقرار المشروع.

قصة الغرام الهندي الإسرائيلي تعكس في الواقع المخاطر الناجمة عن سلوك النظام الرسمي العربي، الذي يبدو في عجلة من أمره لإنجاز التطبيع مع الكيان المحتل، مما يشجع الكثير من دول العالم على التطبيع أيضا. ويكفي فقط النظر في الاختراقات المتتالية التي تحققها إسرائيل في أفريقيا والتي فاقت التوقعات.

وما ينطبق على أفريقيا ينطبق على قوى منظومات دولية أخرى، مثل الصين ودول أمريكا الجنوبية، حيث تتساقط القلاع التي بُنيت في وجه الاختراقات الصهيونية.

المفارقة أن السلوك العربي الرسمي لا يخدم في الواقع سياسات النظم الرسمية العربية الهادفة إلى محاولة إيجاد صيغة تسوية للصراع مع الصهاينة تبرر لها الولوج للتطبيع بشكل صريح وعلني.

عندما ترى إسرائيل أن العالم يتهافت عليها حتى في ظل احتلالها للأراضي الفلسطينية وإصرارها على عدم الوفاء بمتطلبات التسوية السياسية للصراع، فإنها تواصل رفض كل التنازلات التي يقدمها العرب، والتي كان آخرها استعداد نظم الحكم العربية للاعتراف بيهودية إسرائيل، مع كل ما ينطوي عليه الأمر من تداعيات بالغة الخطورة.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …