علاوةً على العامل الديني، الذي يعتبره الإسرائيليون، الدافع الأول للاستيطان، حيث تشير آيات في كتابهم المقدس، اقتنعوا بها، إلى أنّ دولة إسرائيل، هي ما وعد الرّب لإبراهيم عليه السلام، وأنّ هدفها هو تحقيق الخلاص للشعب اليهودي، علاوة على ذلك فإن لدينا ثلاثة عوامل رئيسيّة (دنيوية- سياسيّة)، أثرت على تقدّم البرامج الاستيطانية، التي تهدف إلى تغطية مجمل نواحي الضفة الغربية تقريباً.
يعود العامل الأول، إلى الصهيونية العالمية، التي رأت أن حياة إسرائيل واستمرارها، تكمن في الاستيطان، ما يعني التمدد داخل ما يسمى بأرض إسرائيل، وأن الجمود والانكماش يمثلان نهاية الدولة، وفي ذات الوقت، كان للاستيطان دور كبير، لإرغام العرب على التفاوض، وكانوا قد أقسموا بحرمة التفاوض معها، كما حدث باتجاه مستوطنات سيناء وقطاع غزة، عندما تبنّت إسرائيل فكرة النائبة الإسرائيلية “جيؤلا كوهين” أوائل السبعينات الماضية، بأن الاستيطان وحده، هو الذي سيجلب العرب إلى غُرف المفاوضات المُعتمة.
كما يمكن اعتباره ضمن السياق، ترجمةً لسياسة الاستعمار والتطرف المتجذّرة في عقلية الإسرائيليين على اختلافهم، مع ملاحظة أن اليسار الإسرائيلي، كان ولا يزال أكثر تطرّفاً من اليمين ذاته، الذي يُوصف عادةً بالتشدد، وقد حفُلت الآونة الأخيرة، بمواقف يسارية كانت مساوية لمواقف اليمين بحذافيرها، ومن أمثلتها، قيام زعيم اليسار ورئيس حزب العمل “آفي جبّاى” بتفضيل القدس يهودية موحّدة، على اتفاق سلام مع الفلسطينيين والعرب بشكلٍ عام.
وبالانتقال إلى العامل الثاني، نستطيع القول، بأنه يكمن في تكاسل الأنظمة العربيّة تجاه القضية الفلسطينية، ما شجّع على استمرار وتسارع النشاطات الاستيطانية، وسواء كان نتيجة لنسيانها كلام الله تعالى:(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(الممتحنة 9)، أو كان نتيجة لتسلل الملل إلى صدورها، من أن الجري ضدّ هذه النشاطات بات مُكلفاً، وغير مضمون النتائج، ومن شأنه تعطيل مسيرة حياتها، أو الانشغال بالصراعات والحروب والخلافات الأخرى الواقعة فيما بينها.
وخلال السنوات الأخيرة، بدت الأنظمة العربية وكأنها اكتفت بنشر عدد من التنديدات والاعتراضات الشاحبة، التي اعتادت إسرائيل عليها، وأصبحت وكأنها تحثّها على مواصلة الاستيطان، وكنّا قد رأينا كيف قابلت إسرائيل، قرار مجلس الأمن 2334، الذي تم تمريره في الأيام الأخيرة من ديسمبر 2016، إذ لم يُثنها عن برنامجها الاستيطاني ساعة واحدة، وكان الهاجس الوحيد والأكبر لديها، هو حركة (السلام الآن) الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، بسبب الخشية من تطورها داخل المجتمع الاٌسرائيلي.
أمّا العامل الثالث، فيمكن تحميله لليمين الأمريكي المحافظ، باعتباره من شجّع على البناء الاستيطاني بحجّة خدمته للاستمرار الإسرائيلي، وفي نفس الوقت لا يُعيق عملية السلام، وكان قرار الرئيس الأمريكي ترامب، بأن القدس عاصمة إسرائيل، قد توّج فكر المحافظين الأمريكيين بجدارة، باعتباره أعطى قفزة قويّة، لتكثيف العمليات الاستيطانية، إضافةً إلى قيام حزب الليكود الحاكم، باستخراج قرار يقضي بضمّ الضفة الغربية، كمقدّمة لفرض السيادة الإسرائيلية عليها.
إسرائيل من غير شك، تعرف خطورة نشاطاتها الاستيطانية، باعتبارها مُنافية للقوانين والشرائع الدولية، لكنها في نفس الوقت، لديها توقعات بأن تلك القوانين لن يكون لها أثر في المستقبل، بسبب اعتقادها أن الأنظمة العربيّة نفسها، لن تقوم بتفعيلها، لاقتناعها لاحقاً بالرؤية الإسرائيلية التي تعتبر أن الاستيطان هو للصالح الفلسطيني تماماً!، وليس بأقل ممّا هو في الصالح الإسرائيلي! فبالإضافة إلى اعتماده على شق الطرق والممرات في أنحاء الضفة الغربية، التي تفيد المواطنين الفلسطينيين في تنقّلاتهم، فإنه يفتح مجالات عمل ضخمة أمامهم، تعمل على تحسين اقتصادهم!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات